أيمن دلول

ما بعد عملية الشيخ فادي أبو شخيدم

فجأة وبدون مقدمات صوتُ تبادل لإطلاق الرصاص في المدينة المقدسة، الناس يتدافعون لمعرفة ما يجري، يرشدهم الصوت أن ثمة شخص يحملُ سلاحاً ويستهدف جنود الاحتلال الإسرائيلي بالقرب من باب السلسلة أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك.

تكالب شذاذ الآفاق على مطلق الرصاص فقتلوه، ثم أعلنوا أنه شخصيةً معروفةً عندهم، والمعروف عندهم من كان شوكةً في حلقهم، انتظر الناس لمعرفة الاسم الذي يشير لهذا البطل الذي بدد صمتاً طال على جرائم الاحتلال ومستوطنيه في تدنيس قبلة المسلمين الأولى، ليأتي الهاتفُ من بعيد إنه الشيخ والمربي والخطيب والمصلح بين الناس فادي أبو شخيدم.

حالة من الدهشة تسيطر على الناس وقد اعتقدوا أنه قام بجعل زوجته وأبنائه يسافرون خارج فلسطين قبل ثلاثة أيام، في خطوة سابقة لرحيله هو الآخر، صحيح هو جهز نفسه للرحيل لكنهم لم يعلموا وجهته حتى امتشق سلاحه، فأربك بحساباته حسابات المحتلين الغاصبين والذين فرحوا حينما شاهدوا زوجته تغادر فلسطين فانتظروا رحيل الشيخ فادي كي تزول تلك الشوكة من حلوقهم.

سعادة غامرة اجتاحت بيوت الفلسطينيين بعد هذه العملية البطولية باستثناء من ربطوا مصيرهم بوجود هذا المحتل على أرض فلسطين، وربما السبب الكامن وراء تلك السعادة في أن الشيخ فادي خطط جيداً لنجاح هذه العملية من حيث عدم ترك أفراد عائلته للمحتلين وايهام المحتلين بنيته مغادرة البلاد، ثم التخفي بارتداء لباس يشبه أردية المستوطنين، قبل استخدام سلاح قاتل لإيقاع الأذى في المحتلين، فكانت النتيجة أنه أوقع في صفوف المحتلين القتلى والمصابين، ولم تكن النتيجة قتله دون إيلامٍ في عدوه.

الأهم في هذه العملية أنها سيكون لها ارتدادات مختلفة وربما التداعيات ستكون أشد على المحتلين، فمن يعرف فادي يدرك أنه شيخاً كثيراً ما وقف خطيباً على منابر القدس، وهو المربي لحلقات العلم داخل الأقصى المبارك، وكذلك فهو المصلح بين الناس والشخصية المعروفة، هذا إلى جانب كونه أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في المدينة المقدسة. لأجل ذلك فتداعيات هذه العملية ونتائجها التالية يجعلنا نقرأ مستقبلها وشكلها من كون "فادي" شيخاً لم يكتفِ بحث الناس على ضرورة مواجهة الظالمين والمحتلين بالكلمة وإنما مارس ذلك بالرصاص في نهاية المطاف، ولم يقبل أن يكون قائداً خطيباً فقط بل أراد أن يرسم معالم الطريق لتنفيذ ما يقول بالرصاص وبدمه الطاهر وهو درس أبلغ ما يكون في التربية بالقدوة حينما يخترق القائد الصفوف، حتى إذا ما شاهده الجنود ثارت فيهم الحمية ومضوا على ذات الطريق التي مضى عليها قائدهم الصادق.

كان بإمكان الشيخ فادي أن يبقى يمارس مشيخته كما يفعل الكثير من مشايخ هذا الزمان يتحدثون في الحيض وحكمه والنفاس ومحظوراته، لكنه شاهد أسس عقيدةٍ تنتهك ومقدساتٍ تُدنس وخطبٍ لا تنفعُ مع قتلة الأنبياء والمرسلين، بل وأدرك بأن اللغة التي يفهمها هؤلاء المحتلون الغاصبون لا تكون إلا عبر فوهة البنادق، فالشيخ فادي من الذين يحفظون جيداً تفسير القرآن الكريم وقرأ عن مفاوضات بني إسرائيل مع رب العالمين لأجل بقرة يذبحوها، جادلوا ثم جادلوا ثم جادلوا قبل أن يذبحوها وما كادوا يفعلون.

إن عملية الشهيد فادي أبو شخيدم تجعلنا ندرك باليقين القاطع أن السبيل لوقف تدنيس المسجد الأقصى المبارك وإهانة المسلمين فيه أو في محيطه لن يمر إلا عبر فوهة البنادق، فما يفرضه المحتلون الغاصبون بقوة البندقية لا يمكن إفشاله إلا بفعلٍ مثله أو أكثر شدة وضرارة، أما التحذيرات التي يطلقها قادة الشعب الفلسطيني فلن يعبأ بها المحتلون إن لم نجد لها ترجمة على الأرض وبالرصاص.

رحم الله الشيخ فادي لم ينتظر استجابة الناس لدعوة خطبه بمواجهة الظالمين ومضى ممتشقاً سلاحه في صباحٍ أشرقت شمسُ القدس فيه فانعكس الشعاع من سلاحه بعدما لامس قبة الصخرة المشرفة لينطلق بعدها إلى أبصار كل المسلمين الحالمين بسجدة في رحاب المسجد الأقصى المبارك بعد تحريره وتطهيره من دنس الغاصبين.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة