محمد إسماعيل ياسين

فيتو فلسطيني على التصنيف البريطاني

قبل أن يجف حبر القرار البريطاني بتصنيف حركة حماس كحركة إرهابية جاءت عملية القدس الفدائية كفيتو فلسطيني عليه، عززه إجماع فصائل العمل الوطني الرافض لهذا التصنيف، فلا التصنيف معقول، ولا المصنف مقبول، إذ إن بريطانيا أم الإرهاب في العالم وراعية الإجرام فيه كونها تتحمل وزر كل جريمة ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق شعبنا الفلسطيني المكلوم منذ مهدت الطريق لاستيلاء العصابات اليهودية على الأراضي الفلسطينية ومكنت الصهاينة منها بعد وعدها المشؤوم عام 1917، ويأتي قرارها الجديد ليذكر العالم أجمع بالوجه القبيح للاستعمار البريطاني.

تحاول بريطانيا عملاً بقاعدة فرق تسد الاستعمارية اللعب على وتر الانقسام الفلسطيني من خلال تصنيف حركة حماس كتنظيم إرهابي، متوهمة أن ذلك سيلقى قبول أو على الأقل صمت فلسطيني رسمي، غير أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن البريطانية، فالموقف الفلسطيني الموحد صدم التوجه البريطاني، وعزز البعد الوطني والأخلاقي للمقاومة الفلسطينية كحق مشروع كفلته القوانين الدولية والشرائع السماوية، حيث باءت بريطانيا بـ"سواد الوجه" عبر اصطفافها إلى جانب الظالم والجلاد المعادي لقيم العدالة والإنسانية.

لا شك أن قرار وزيرة الداخلية البريطانية "بريتي باتيل" يأتي منسجماً مع العقلية الاستعمارية لبريطانيا، لكنه بكل الأحوال يأتي في زمن تعجز فيه الحكومات عن تغيب الحقائق وتضليل الرأي العام وفق هواها السياسي، إذ باتت الجماهير مطلعة بدقة على مجريات الأحداث وحقائق الأمور، وبدأت أصواتها تعلو شيئاً فشيئاً رافضة الانجرار وراء أجندة ومصالح السياسيين اللاهثين خلف حكام "تل أبيب"، والمبتعدين تماماً عن قيم العدالة والإنسانية، لاسيما أن القرار يأتي بعد طرد سفيرة الاحتلال الإسرائيلي من كلية الاقتصاد بلندن وكأنه محاولة لرد الاعتبار للاحتلال الإسرائيلي، ولقطع الطريق على تنامي التعاطف والتضامن الشعبي البريطاني مع القضية الفلسطينية الذي بات واضحاً ولا تخطئه العين.

يبدو أن بريطانيا مازالت أسيرة أوهامها الاستعمارية القديمة، متخيلة أن تصنيف حركة حماس كتنظيم إرهابي من شأنه أن يردع الشعب الفلسطيني أو يدفعه للتخلي عن حقه المشروع بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي العنصري، ويجدر بها أن تستيقظ من أوهامها البائسة، وأن تدرك أن الشعب الفلسطيني قد شب على الطوق، وعرف طريقه للحرية والاستقلال، وأن الخطابات الدولية الرنانة عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير ما عادت تخدعه، وما عادت الجهود الدولية المخادعة تقنعه، لاسيما أنه يرى بأم عينه الاحتلال المتغطرس ذليلاً صاغراً تحت وقع ضربات المقاومة التي تقربه يوماً بعد يوم من حلم العودة وتقرير المصير.

إن التصنيف البريطاني لحركة حماس كتنظيم إرهابي يعكس الغي والإمعان في معاداة الشعب الفلسطيني، ومن خلفه الأمة العربية والإسلامية، وينسف كل شعارات حقوق الإنسان التي تتشدق بها بريطانيا وغيرها من الدول الغربية، وبدلاً من أن تبادر للتكفير عن جريمتها الكبرى بحق شعبنا المكوي بنار الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود طويلة، تأبى بريطانيا إلا الاصطفاف إلى جانب الاحتلال المتمادي في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والمنتهك لحرمة المقدسات الدينية، الإسلامية منها والمسيحية على حد سواء، لتكون بذلك بريطانيا شريكة للاحتلال بكل جرائمه.

بكل الأحوال، بإمكان بريطانيا أن "تبل قرارها وتشرب ميته"، فالشعب الفلسطيني لن يفرط بترابه الوطني حتى ترضى عنه، ولن يتراجع عن مسيرة كفاحه ونضاله ليخرج من لائحة المنظمات الإرهابية، بل على العكس من ذلك، فإن التصنيف البريطاني يدفع شعبنا للتمسك أكثر بخيار المقاومة باعتباره الخيار الوحيد والحقيقي لاستعادة أرضه وتحقيق حلمه بالعودة وتقرير المصير، ويزيد يقينه بأن الخيارات الأخرى قاصرة وخادعة ومجرد وهم وسراب كما حال مسيرة أوسلو التي انتهت بوهم سلطة تفرض عضلاتها على شعبها، وتتوارى أمام الاحتلال وتفسح له المجال للعربدة وقمع المواطنين.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة