محمد ياسين

كابوس وطني!

لا أدري إن كان بوسع الكلمات أن تعبر عن مدى خيبة الأمل التي مست الشعب الفلسطيني جراء النموذج الرديء الذي تقدمه السلطة الفلسطينية كنواة لدولة فلسطينية حرة ومستقلة ناضل من أجلها على مدار عقود طويلة، فبكل الأحوال لم يضح الشهداء بأرواحهم من أجل سلطة خائرة أمام الاحتلال وقاسية على أبنائهم، ولم يضح الأسرى بسنوات عمرهم خلف قضبان الاحتلال من أجل قيادات تتفنن في قهر ذويهم وأبناء شعبهم، ولا من أجل تدشين مشروع استثماري لصالح القيادات تحت مسمى سلطة شوهت الحلم الوطني وحاربته وأطالت فترة انتظاره بسلوكها الأمني المنسق مع الاحتلال ولصالحه فقط.

طفح الكيل بكل ما تحمل الكلمة من معنى بعد جريمة اغتيال الناشط نزار بنات الذي عبر عن آمال شعبه بسلطة نزيهة محاربة للفساد لا حاضنة له، إذ تجاوزت ردود الفعل المحلية والدولية حدود توقعات منفذي الجريمة النكراء، وليس أدل على ذلك من ردة فعل الجماهير الفلسطينية الغاضبة التي صدحت دون وجل: "ارحل ارحل يا عباس.. والشعب يريد إسقاط النظام" في قلب مدينة رام الله، حيث مقر المقاطعة التي يقودها رئيس السلطة محمود عباس، لكن لا حياة لمن تنادي!، إذ قابلت العقلية الأمنية المستبدة ذلك بمزيد من قمع المتظاهرين والتمادي باستهداف الصحفيين وتحطيم كاميراتهم بحيلة لا تنطلي على طفل صغير عبر زج عناصر أمنية بلباس مدني لتنفيذ الاعتداءات.  

يا هؤلاء، رفقاً بقلوبنا، رفقاً بأحلامنا، رفقاً بآمالنا، رفقاً بأجيالنا، فلا تدوسوا بأقدامكم كل ذلك من أجل سلطة ومناصب زائلة، ولا تلوثوا أيديكم بدماء أبناء شعبكم، ولا تقهروا المقهورين على يد الاحتلال، ألا تدرون كم هي قاسية مشاهد الحزن والألم التي عصفت بذوي شهيد الكلمة الحرة نزار بنات ؟!، لأنها صنع أيديكم، ولأن شعبنا يكفيه الجراح والآلام النازفة التي نبشها جيش الاحتلال بعدوانه اليومي على الفلسطينيين، ألا يكفي الفلسطيني كل هذا العذاب والقهر والظلم حتى تتجبروا عليه، بدل أن تكونوا اليد الحانية والحاضنة والمضمدة لجراحه، والحامية لحقوقه، لاسيما حقه في حرية الرأي والتعبير التي يكاد لا يملك غيرها. 

وكم هي مُرة ومؤلمة مشاهد مصادرة رايات فصائل العمل الوطني خلال استقبال الأسرى المحررين من سجون الاحتلال؟!، وكم هي صادمة ملفات الفساد المتوالية خلال الآونة الأخيرة؟!، وكم؟ وكم ؟، فالأسئلة بطعم العلقم، وكل محاولات التغطية على ذلك لا تعدو كونها مشاركة فعلية في الفساد ودعم وتشجيع لمواصلة هذا الدرب، وأي مواقف معلنة أو غير معلنة داعمة لنهج السلطة البائس تشكل رسالة موغلة في الألم مفادها اقتلوا واستبيحوا ما شئتم ونحن خلفكم وندافع عنكم وندعمكم، نعم، هي كذلك، فالمدافعين عن السلطة بوضعها الراهن تحت شعارات مختلفة إنما يخرقوا سفينة الوطن من حيث احتسبوا أم لم يحتسبوا. 

مازالت الأجيال تردد عبارات الزعيم القائد ياسر عرفات: "فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي"، لكننا اليوم بحاجة لمن يردد: لا تغرقوا ما بأيدينا من الوطن بمشاهد اعتدنا عليها من قبل الاحتلال، ولا تلقوا بأيدي الأحرار إلى التهلكة، ولا تسرقوا أحلامنا بوطن يعز فيه المواطن ويكرم فيه المناضل، ولا توهموا أنفسكم أن بطشكم يمكن أن يوهن عزم الشعب الفلسطيني على نيل حريته، فالشعب صاحب الولاية والشرعية والسيادة، ومهما طال اختطافكم لصندوق الاقتراع حتماً ستصل إليه أيادي الجماهير الطامحة للتغيير والراغبة بوطن بلا فساد.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة