سليمان أبو ستة

في ذكرى انطلاقتها .. خمسة أسباب أدت لنجاح حماس؟

المقاومة حاجة فلسطينية لا يمكن الاستغناء عنها، لأن المقاومة حتى وإن لم تنجح حتى هذه اللحظة في تحرير فلسطين، إلا أنها نجحت - وبجدارة من وجهة نظري- في حفظ الهوية الفلسطينية، فمازال لدينا حتى اللحظة أجيال متوالية تؤمن بفلسطين، وبضرورة التحرير، وحتميته، ولو ناقشت طفلا فلسطينيا في الرابعة أو الخامسة من عمره؛ لشعرت بعمق انتمائه للأرض التي سلبها الاحتلال، ومن هذه الحاجة الملحة استمدت حماس قدرتها على البقاء، فهي مرتبطة بشكل عضوي بالرغبة الفلسطينية في المقاومة، وطالما رفعت لواء المقاومة ستظل حماس في منتهى القوة، وسيظل الفلسطينيون متمسكين بها، مهما بلغت الضغوط الواقعة عليهم، لدفعهم للتخلي عنها.

ولقد تميزت حماس خلال مسيرتها الطويلة بمجموعة من الخصائص والسمات التي منحتها هذه القدرة العالية على التأثير في الواقع الفلسطيني، ومن أهم هذه السمات:

أولاً: انطلقت حماس من البيئة الفلسطينية، وكان مجمل فعلها السياسي والعسكري والأمني منحصراً داخلها، فلم ترتبط في جوهر وجودها بقوى خارجية، وإن نجحت لاحقاً في تأسيس علاقات خارجية مطالبة بتعزيزها، والبناء عليها.

لكنها تنطلق أساسا من قناعاتها الذاتية، ومن أهدافها الراسخة، كما أنها انبثقت من حالة الضعف الفلسطينية، فقد بدأت من الصفر تقريباً، سواءً على صعيد الإعداد العسكري، أو الوعي، فلقد راكمت تجربتها ومعارفها السياسية والأمنية والاستراتيجية، وعاشت حالة متصلة من النضج السياسي والمعرفي، حتى باتت ذات تجربة عريقة ووعي عميق، كما بدأت من قلة عددية واضحة، سرعان ما تزايدت حتى باتت غالبية مؤثرة نخبويا وتنظيمياً وجماهيرياً.

هذه الحالة مكّنت حماس من التأقلم مع مختلف الظروف التي مرت بها القضية الفلسطينية، ومكنتها من ابتكار أدوات جديدة، عززت صمودها، وجعلت الرغبة الإسرائيلية في القضاء عليها مستحيلة، فرغم الضربات الواسعة التي تعرضت لها حماس بعد تأسيسها عبر حملات الاعتقال الواسعة ثم الإبعاد، إلا أن حماس ظلت حاضرة إعلاميا وعسكرياً وميدانيا.

ورغم ما تعرضت له من اعتقالات واسعة على يد السلطة إلا أنها سرعان ما انبثقت من الرماد قوة فاعلة، وقادرة على التأثير، والنمو، ومراكمة الفعل، ورغم حملة الاغتيالات الواسعة ضد قياداتها السياسية والعسكرية إلا أنها أنتجت قادة جدد وواصلت فاعليتها، ورغم الحروب المستمرة والحصار ظلت حماس في حالة قوة متصاعدة.

وكل ذلك نتج عن قدرة حماس على التأقلم مع البيئة التي تواجدت فيها، رغم أنها بيئة غير مناسبة للقتال أصلاً، ومع ذلك حفرت حماس الأنفاق، وابتكرت آليات جديدة لإطلاق الصواريخ، واستطاعت أن تطور المعرفة الكفيلة بإنتاجها، وأن تتجاوز ظروف الحصار لتوفير ما يلزم لصناعة السلاح، ونجحت في تدريب عناصرها عسكرياً وأمنياً.

ونجحت إلى حد كبير في حرمان العدو من القدرة على العمل الأمني المريح، وتجاوزت قدرته الأمنية الفائقة على جمع المعلومات، فكانت ضرباته في الحروب عاجزة عن القضاء على فعاليتها الواضحة.

ثانياً: تمتعت حماس بقدرة كبيرة على الصمود والتحدي والصبر الاستراتيجي، فكل الضربات لم تستطع تركيعها، ولم تتخلَ رغم وصولها للسلطة عن طموحها بتحرير فلسطين، ولا عن أداة ذلك الرئيسية وهو مراكمة القوة، فكل الاعتقالات والاغتيالات والتشديد والحصار والضغوط الإعلامية والمقاطعة السياسية وتصاعد التطبيع، لم تنجح في إجبار حماس على تغيير موقفها الرافض للاعتراف بالكيان الصهيوني، ولم تنجح في إجبارها على وقف مراكمة القوة، ولم تنجح في إجبارها على إطلاق سراح الأسرى الصهاينة لديها، فهي مؤمنة بمواقفها وتصر عليها، ولم تتنازل عنها.

وعندما نتأمل الواقع من حولنا، أو نتأمل التاريخ، سنكتشف أن موقف حماس في غاية الصواب، وأن دعوات كثير من المخلصين لها لإظهار شيء من المرونة أو الانحناء للعاصفة موقف غير صائب من الناحية السياسية، ذلك أن ثمن المواجهة مرير دون شك، لكنه أقل مرارة من ثمن الاستسلام، لأن العدو لن يعطينا أي شيء، ولن يقبل بغير زوالنا، وكلما تراجعنا خطوة سيراها إغراء بزيادة الضغط للحصول على مزيد من التراجع.

ثالثاً: الصمود الذي أبدته حماس لم يكن ليكفي وحده لتحقيق ما وصلت إليه من إنجاز، لولا أن امتاز بسمة في غاية الأهمية، وهي الجرأة العالية، والشجاعة الفائقة، ذلك أن الفعل السياسي لا يمكن أن ينجح دون مخاطرة، بشرط أن تكون المخاطرة محسوبة، ولقد تميزت حماس بذلك، فكانت لها مبادراتها التي أربكت العدو، وباغتت الكل، وأهم الأمثلة على ذلك معركة سيف القدس، التي لم يتوقعها العدو، وبسبب هذه الجرأة أسرت حماس جنديا صهيونيا بمجرد وصولها للسلطة، وتشكيلها للحكومة، وكانت أول من ضرب تل أبيب، وربما يرى المراقبون ذلك واضحاً بعد أن كبرت حماس، وتحولت إلى تنظيم قوي، لكنه سلوك متجذر في بنائها العضوي، ترى ذلك منذ البدايات الأولى في عمليات عماد عقل، وإنجازات يحيى عياش، ومن قبل في سلوك الشيخ أحمد ياسين ورفاقه الأوائل.

وأنا أرى أن هذه السمة من أهم السمات التي على حماس أن تسعى لتطويرها وتنضيجها، لتكون قادرة على حمل لواء المبادرة المفاجئة، وألّا تكون أبداً ردة فعل لتصرف العدو، وعلينا أن نتذكر أن أعظم القادة عبر التاريخ هم أكثرهم جرأة، بشرط أن تحاط تلك الجرأة بسياج عميق من الخبرة، ودراسة كل الاحتمالات.

رابعاً: مثلت القدرة على التعلم، والتطور، والاستفادة من الأخطاء، واحدة من أهم سمات حماس، وربما نشأت تلك القدرة من انضواء كم كبير من الشباب في صفوف حماس، كما أن الاعتقالات والاغتيالات -رغم خطورتها على الحركة- أتاحت فرصا واسعة لتجديد الدماء، كل ذلك منح الحركة القدرة على التطوير المستمر، ومن يراقب البون الشاسع بين الصاروخ الأول الذي أنتجته الحركة وصواريخ المعركة الأخيرة يرى ذلك واضحاً بشكل بالغ، وهذا مجرد مثال لنا أن نقيس عليه.

وهو ما انطبق في المقابل على قدرة الحركة على التعلم من أخطائها، وعلى التعلم من نجاحات العدو وإنجازاته، فاستطاعت الحركة في كل مرة تجاوز مخططات الأعداء للفتك بها، وبرجالها.

خامساً: لو تساءلنا عن سر قوة الجناح العسكري لحماس مقارنة بغيره من الأجنحة العسكرية التي سبقته في النشأة، سنجد أن حماس تميزت بسمات أساسية منها: وجود بنية دعوية عميقة الاندماج في المجتمع، وقادرة على استيعاب كم كبير من الشباب، وتربيتهم تربية إيمانية عميقة، جعلت بعضهم يطارد الدبابة بسلاح فردي بسيط في مشهد مذهل.

ذلك أن من الخطأ البيّن تصور أن قوة حماس هي ذلك الصاروخ القادر على تجاوز القبة الحديدية، بل إن ذلك مجرد قمة الجبل الذي يتضمن عشرات المهام التربوية والسياسية والاجتماعية والعلمية والجماهيرية والعسكرية التي تمتد من حلقة تحفيظ القرآن في المسجد إلى قاعة التدريب في الموقع العسكري، ومن جلسة حوارية علمية في السياسة أو التاريخ إلى موقع التصنيع، ومن تدارس كتاب تربوي في أحد المنازل إلى نقاش موسع على مجموعة إلكترونية حول خطأ حكومي أو شُرطي، ومن حملة زيارات اجتماعية إلى محاضرة في العلوم العسكرية.

كما أن نجاح حماس في تأسيس بنية عميقة للعمل الخيري، ورعاية الأيتام، والمؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية، كل ذلك لعب دوراً في تعزيز التواصل مع المجتمع، كذلك نجاح حماس في ترسيخ علاقاتها السياسية مع دول فاعلة وجماعات خارجية، لعب دوراً واضحاً في تعزيز قدرتها على تطوير إمكاناتها، وخاصة العلاقة مع إيران، التي حرصت المنظومة المعادية على إقناع حماس عبر الضغط الإعلامي على قطع العلاقة معها، لتكون تلك الخطوة الأولى في مخطط كسرها وتحطيمها، إلا أن ذلك لم ينجح، وظلت تلك العلاقة قوية، وكل علاقة خارجية تزيد من قوة المقاومة صواب ينبغي المحافظة عليه، وكل علاقة خارجية تضعف المقاومة خطأ يجب التوقف عنه.

كل ذلك لعب دوراً بارزا في تعزيز قوة حماس، وتمكينها من الصمود والنجاح، ومع ذلك فهي مطالبة خلال الفترة القادمة بالعمل على تطوير بنيتها التنظيمية، وتطوير نخبها بمختلف تنوعاتها، وتوسيع وجودها العسكري في ساحات خارج قطاع غزة، والسعي لإنشاء مراكز بحثية قوية وتطويرها.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة