في قصة (عائد إلى حيفا) للقاص الفلسطيني الشهير (غسان كنفاني) التي تتناول قصة (سعيد س) والكفاح من أجل العودة الحقيقية، قصة فرعية لشخصية (فارس اللبدة) الذي عاد إلى يافا العجمي بعد هزيمة ٦٧م، وبعد فتح الطرق بين فلسطين المحتلة في عام ٤٨، وتلك التي احتلت عام ٦٧م، عاد فارس اللبدة، ليزور بيت أخيه الفدائي (بدر) الذي استشهد قبل الهجرة، وحين رأى صورته معلقة على الجدار، وكان البيت يسكنه فلسطيني عربي حرّ يعتز بالصورة وصاحبها، قرر أخذها، وحين أخذها وعاد إلى رام الله فإذ به وهو في منتصف الطريق يقرر العودة مرة أخرى إلى حيفا، ليعيد الصورة إلى مكانها، وهنا قال صاحب البيت له: كنت أعلم أنك ستعود بصورة شقيقك لأنك إذا أردت الصورة فعليك أن تستعيدنا أولًا، أي أن تحررنا أولًا؟! المشكلة ليست في الصور التي يؤنسنا وجودها ومنهجها، ولكن في مواصلة طريق العمل الذي من أجله قضى شقيقك بدر، وهنا قال سعيد س الإنسان قضية، ومن أراد ان يسترجع الصورة عليه أن يسترجع الوطن أولًا.
نعم الإنسان (قضية)، و(فلسطين( قضية، ولا يمكن فصل قضية الإنسان الفلسطيني عن قضيته الفلسطينية، ونقل صورة الشهيد أو تعليقها في رام الله أو على الحائط لا يحل المشكلة، بل لا بدّ من العمل للأصل، وأعني بالأصل هنا القضية نفسها.
أقول هذه المقدمة بسبب ما قامت به شركة محرك البحث العالمي (جوجل) من شطب اسم فلسطين من على الخرائط التي يتداولها الموقع واضعًا مكانها (إسرائيل). طبعا هذا الفعل المشين حدث تحت ضغط ومتابعة اللوبي الصهيوني لـ(جوجل). وهو ما يقتضي منا كفلسطينيين وعرب القيام بعدة خطوات منها:
1- الاحتجاج ضد الشركة على المستوى الرسمي، وعلى المستوى الشعبي، وفضح تصرف جوجل العنصري، واللامنطقي، وفضح التدخل الصهيوني، والطلب من جوجل إعادة تصويب الخطأ والعودة لاستخدام اسم فلسطين، إذ لا يجوز السكوت عن هذا العمل المشين والمؤسف لأن أضراره الثقافية كبيرة، وحبذا لو قامت حملة إعلامية منظمة ضد تصرف الشركة في وسائل الإعلام الجديد.
2- على الفلسطينيين والعرب قراءة درس فارس اللبدة في رواية عائد إلى حيفا، والعمل بمقتضيات هذا الدرس، وهو التحرير، وعلى الأقل إزالة الاحتلال من أراضي الـ٦٧ لكي نحافظ على اسم فلسطين موجودًا في الخرائط العملية، وهذه قضية تحتاج إلى تضافر الجهود الرسمية والشعبية. فلسطين قضية، والإنسان قضية، وعلينا أن نعمل لأصل القضية وهو التحرير، وإزالة الاحتلال.
إن دولة العدو وأذرعها الصهيونية في العالم لا تترك شاردة ولا واردة بغير متابعة حثيثة، وتدرس تأثيراتها على المشروع الإسرائيلي الإحلالي، ومن ثم فإن شطب (جوجل) لاسم فلسطين لم يكن وليد اليومين السابقين، ولكنه هو نتيجة متابعة إسرائيلية لا تمل للشركة لأشهر أو سنوات للقيام بعملية الشطب؟! فلماذا تنجح (إسرائيل) في المتابعة، وتحقيق ما تريد، بينما نحن فلسطينيا وعربيا نعزف عن هذه المتابعة، ونلجأ عادة إلى الشكوى والصراخ ورفع الصوت بعد وقوع الحدث؟!
إن الفارق بيننا وبين عدونا، هو الفارق الموجود بين صناعة الفعل، وصناعة ردة الفعل. الفعل لهم، وردة الفعل لنا للأسف.