صودر حق الناس واغتيلت الأصوات المعارضة

فلسطين 2021: عام المقاومة وإشهار السيف وإرادة حفر النفق

فلسطين 2021: عام المقاومة وإشهار السيف وإرادة حفر النفق

شهد عام 2021 أحداثاً كبيرة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كان لها آثاراً واضحة على مستوى القضية الفلسطينية، سواء فيما يتعلق بالشأن الداخلي الفلسطيني الفلسطيني أو ما يتعلق بالعلاقة مع الاحتلال. وبالنظر إلى تراكم الأحداث بعضها على بعض، وإرتباطها جزئياً أو كلياً بما قبلها أو ما تبعها؛ فإن مراجعة حصاد فلسطين في عام 2021 يتطلب مراعاة الأبعاد الاستراتيجية للأطراف المؤثرة في صناعة المشهد، بالتوازي مع الجغرافية التي تحكم طبيعة الأحداث وتفاعلاتها.

 

تعطيل الانتخابات الفلسطينية

لعل مشهد الانتخابات الفلسطينية التي عطلها رئيس السلطة كان أبرز الأحداث السياسية التي شهدها عام 2021. والتي كانت مقررة على ثلاث مراحل: المجلس التشريعي (22 مايو/أيار) تليها الرئاسية (31 يوليو/تموز) ثم المجلس الوطني في 31 أغسطس/آب 2021. فبعد 15 عاماً من الانقسام الفلسطيني وتعطل الحياة الديمقراطية، وصل الشعب الفلسطيني لأول مرة إلى تلك اللحظة، وهي نتيجة للقاءات مطولة بين فتح وحماس في اسطنبول والقاهرة نهاية العام الماضي 2020. ومنذ ذلك القرار بتعطيل العملية الانتخابية بكاملها لأسباب رفضتها الفصائل والمكونات الوطنية بالإضافة إلى 36 قائمة انتخابية ترشحت لخوضها -ما عدا حركة فتح- فإن الوضع الفلسطيني الداخلي في تراجع، حيث مارست السلطة القمع السياسي بشكل واضح وممنهج ضد كل من عارضها، واستخدمت كل مكوناتها الأمنية لقمع التظاهرات والاحتجاجات التي تلت ذلك.

 

معركة سيف القدس

لقد شكلت معركة سيف القدس (10-21 مايو 2021) رافعة حقيقة للمشهد الفلسطيني بعد انتكاسة تعطيل الانتخابات. تلك المعركة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية دفاعاً عن الفلسطينيين في حي الشيخ جراح بالقدس، واستجابة لاستغاثة أهل القدس لحمايتهم من إجراءات الاحتلال ضد المسجد الأقصى والأحياء الإسلامية والعربية التي كانت ستجتاحها مسيرات الأعلام اليهودية. وقد أثرت معركة سيف القدس عميقاً في الوعي الوطني للشعب الفلسطيني، حيث ولأول مرة تتفاعل الجبهات الفلسطينية الأربع (القدس والضفة الغربية والداخل وقطاع غزة) ضد الاحتلال بشكل متزامن وتحت راية موحدة هي الدفاع عن القدس العاصمة. وقد تميزت المعركة بقدرة المقاومة على مفاجأة العدو بكثافة القصف الصاروخي للعمق الصهيوني واستهداف مرافق حيوية -في البر والبحر- بطائرات مسيرة (الدرون) وأسلحة ذات دقة أعلى وتدمير أكبر ومسافات أبعد.

 

اغتيال نزار بنات وقمع الحريات

إن اغتيال الناشط السياسي نزار بنات من قبل أجهزة السلطة الأمنية في الضفة الغربية (24 يونيو 2021)، انعكس بشكل مباشر على مجمل الحالة السياسية والأمنية في الضفة الغربية تحديداً، فالجريمة شكلت انعطافة كبيرة نحو الوعي الوطني بأن السلطة لم تعد تتمتع بشرعية سياسية أو مصداقية وطنية، فقد مارست القمع الأمني ضد الحراكات الشعبية المطالبة بمحاسبة مرتكبي الجريمة، وعززت صورتها الحزبية باستدعاء عناصر حركة فتح في الدفاع عن سلوكها ضد الحريات، في مقابل إلتزامها بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، وتوفير الحماية للمستوطنين اليهود ووحدات المستعربين الذين يتسللون إلى عمق المدن الفلسطينية.

 

تصاعد المقاومة الشعبية في الضفة

تزامن ذلك مع تصاعد المقاومة الشعبية في الضفة الغربية على شكل عمليات فردية وجماعية ضد الاحتلال ومستوطنيه. فلا يزال جبل صبيح في قرية بيتا الذي أقيمت عليه البؤرة الاستيطانية “أفيتار” يمثل نموذجاً للمقاومة الشعبية، من خلال المواجهات اليومية واستلهام تجربة الإرباك الليلي من مسيرات العودة في غزة. وقد كان لعملية الشيخ فادي أبو شخيدم عند باب السلسلة في مدينة القدس (21 نوفمبر2021)، وعملية نابلس (15 ديسمبر2021) الأثر الكبير في تعزيز روح المبادرة بالفعل المقاوم ضد الاحتلال ومستوطنيه في نابلس (قرية برقة وقبر يوسف) وجنين المخيم والمدينة، رغم سياسة “جز العشب” التي ينتهجها الاحتلال وتدعمها إجراءات الأجهزة الأمنية في الضفة.

 

صفقة الأسرى ونفق الحرية وظلم الاحتلال

عملية نفق الحرية (6 سبتمبر 2021) وتمكن ستة أسرى فلسطينيين من الهرب من سجن جلبوع الذي يعتبر الأشد حراسة وتأميناً في “إسرائيل”. حيث تفاعلت قضيتهم على نطاق واسع محلياً ودولياً رغم إعادة اعتقالهم بعد نحو أسبوعين. وقد أعادت تلك العملية إلى الواجهة تاريخ طويل من الظلم الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال منذ أكثر من 7 عقود.

بالتزامن مع ذلك برزت قضية الأسرى وظلم الاحتلال ضدهم بالأحكام الإدارية التي تتناقض مع كل القوانين والأعراف الدولية، الأمر الذي عزز توجه الأسرى للإضراب المفتوح عن الطعام لنيل حريتهم. فقد استمر الأسير كايد الفسفوس 131 يوماً، والمقداد القواسمي 113 يوماً ولا يزال حتى كتابة هذا المقال الأسيرهشام أبو هواش مضرباً عن الطعام لأكثر من 134 يوماَ. ونتيجة لإحباط الاحتلال من فشل كل سياساته في كسر إرادة الأسرى لجأ إلى تفريغ هزيمته باتجاه الأسيرات الفلسطينيات بالقمع والسحل والعزل الانفرادي، مما أثار موجة من الغضب الوطني داخل السجون وخارجها. وقد قام الأسير الفلسطيني يوسف المبحوح بطعن أحد السجانين انتقاماً للحرائر، وقد أعلنت فصائل المقاومة بشكل واضح عن أن قضية الأسرى قد تكون إحدى صواعق التصعيد العسكري ضد الاحتلال.

ولا تزال قضية الأسرى في سجون الاحتلال تتصدر المشهد في ظل إصرار المقاومة الفلسطينية على فصل أي صفقة تبادل مع الاحتلال عن أي تفاهمات مرتبطة بالوضع الإنساني أو إعادة الإعمار. وهو محل اجماع وطني بأن حرية الأسرى هي الثمن الذي تطلبه المقاومة مقابل ما لديها من جنود أسرى وإسرائيليين تحتجزهم منذ العدوان الإسرائيلي على غزة في 2014.

 

استمرار الحصار على غزة

ومع استمرار الحصار الشامل على قطاع غزة منذ 2007 رغم كل المحاولات لكسره سياسياً واقتصادياً، فإن أزمات كبيرة لا تزال تواجه الوضع في قطاع غزة، على رأسها تعطيل الاحتلال لتطبيق التفاهمات الإنسانية والاقتصادية، وتباطؤ وتيرة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال خلال معركة سيف القدس.

 

التطبيع العربي ووهم الرفاهية

لا يمكن تجاهل حالة التطبيع العربي خلال عام 2021 مع الاحتلال الإسرائيلي والآثار السلبية الناتجة عنه، من فتح فضاء عمل علني للاحتلال في تلك الدول، حيث تنشط القنصليات والسفارات واللوبيات الصهيونية بشكل مكثف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً على حساب تراجع النشاط الفلسطيني الرسمي ومنع الدعم الشعبي للقضايا الوطنية الفلسطينية في دول التطبيع. ومع كل ذلك إلاّ أن الشعوب العربية لا تزال ترى القضية الفلسطينية كقضية وطنية لها، وتعكس ذلك في مظاهر متعددة لمقاومة التطبيع ومقاطعة “إسرائيل” ثقافياً واقتصادياً وأكاديمياً. وباتوا أكثر وعياً بأن التطبيع لن يجلب لبلدانهم استقراراً سياسياً ولا تنمية اقتصادية ولا رفاهية اجتماعية.

 

المناورات العسكرية ورسائل القوة

وختاماً، لعل أفضل ما خُتم به عام 2021 هو “مناورات الركن الشديد 2” التي أطلقتها غرفة العمليات المشتركة في 26 ديسمبر 2021 لتحاكي سيناريوهات هجومية تتجاوز بها سيناريوهات مناورات الاحتلال الدفاعية التي قام بها خلال العام. كما تعكس إصرارها على كسر كل إجراءات الاحتلال العسكرية وتحصيناته الأمنية، بما فيها الجدار الأمني الإسرائيلي حول قطاع غزة والذي احتفى به الاحتلال في 7 ديسمبر 2021 بعد 3 سنوات ونصف بتكلفة 1.2 مليار دولار، والذي يبلغ طوله 65 كم وارتفاع 6 أمتار.

إن أحداث عام 2021 كانت كبيرة واستراتيجية في بعدها الوطني ومستقبل الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وستشكل كثيراً من المشهد في العام القادم 2022 سواء على صعيد ملف المقاومة الشعبية في الضفة أو تصعيد عسكري مع الاحتلال، أو ما يتعلق بملفات غزة الاقتصادية والإنسانية، وما سيترتب على قضية الأسرى في حال نجحت المقاومة في إنجاز صفقة وفاء أحرار2. عام2021 مضى وعام 2022 يأتي والأمل يحدو كل فلسطيني بالحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

 

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة