خاص مع بداية 2022.. "إسرائيل" إلى أين؟

أ. عادل ياسين محرر الشؤون العبرية في وكالة شهاب

ومضى عام آخر من عمر كيان الاحتلال دون أن يتمكن من ترسيخ وجوده وضمان قدرته على توفير الأمن لكيانه أو إقناع الشعب الفلسطيني بضرورة التسليم بالأمر الواقع والاعتراف به؛ رغم تعدد الضربات وتنوع سياسات القمع والإجرام بحقه على مدار عشرات السنين؛ عدا عن الطعنات المتتالية من القريب والبعيد؛ فهل بات حلمه بإقامة (دولة) يهودية على أنقاض الشعب الفلسطيني مجرد وهم وحلم حَطَمَتهُ المقاومة وحولته إلى كابوس؛ أم أن التنبؤات التي تتحدث عن قرب زواله ما هي إلا أضغاث أحلام ونسج من الخيال، وما بين هذا وذاك لندع الحقائق والمتغيرات التي عايشنها خلال العام الماضي لتخبرنا عما هو آت.

ضاعت الصفقة وخسِر الرهان

شكلت خسارة دونالد ترمب في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2020 صفعة مدوية لرئيس الحكومة (الإسرائيلية) السابق بنيامين نتنياهو؛ لاسيما وأنه تبنى سياسة معادية للحزب الديمقراطي، وراهن على بقاء الحزب الجمهوري على سدة الحكم واستمراره في تحريك ترمب كالأراجوز لتنفيذ سياسته وتحقيق رغباته تمهيدا لتطبيق صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية.

تَغَيُر السياسة الأمريكية

لم يقتصر الأمر على ضياع فرصة تطبيق صفقة القرن أو رفض الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن الاتصال بنتنياهو لفترة طويلة؛ بل أن الحكومة (الإسرائيلية) الحالية برئاسة نفتالي بينت باتت مضطرة لتغيير سياستها ورؤيتها بما ينسجم مع الرؤية الأمريكية التي تؤمن بفكرة حل الدولتين وإعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران؛ وهو ما يُفسر إحجام الحكومة (الإسرائيلية) عن المخاطرة والقيام بخطوات أحادية تؤثر على العلاقات مع الولايات المتحدة؛ لإدراكها أن بقاءها مرهون بالدعم الأمريكي سياسيا وعسكريا.

تراجع الدور الأمريكي

إقدام الولايات المتحدة على سحب قواتها من أفغانستان والعراق كان دليل آخر على تراجع مكانتها الدولية وتقلُص قدرتها على فرض إرادتها أو حماية حلفائها بسبب انشغالها في مشاكلها الداخلية والتحديات الخارجية سواء كانت من الصين أو روسيا؛ ما يساهم في زيادة الصراع على النفوذ في العالم وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وما يترتب عليه من خطر على مستقبل (إسرائيل) التي تعتبر تحالفها مع دولة عظمى كالولايات المتحدة من أهم عناصر نظرية الأمن القومي التي صاغها بن دافيد بن غوريون في خمسينات القرن الماضي وتبنتها جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

تشكيل الحكومة وبقاء المعضلة

بعد عامين من الفراغ السياسي وخوض أربع جولات انتخابية متتالية، تمكنت ثمانية أحزاب "إسرائيلية" من تشكيل حكومة رغم الخلافات والتناقضات بين مكوناتها التي تجمع بين أقصى اليمين وأقصى اليسار وما بينهما؛ وهو ما تسبب في فقدانها القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة واقتصار دورها كحكومة تسيير أعمال وإدارة الأزمات، وحرصها الدائم على تجنب طرح القضايا الخلافية قدر الإمكان حفاظا على تماسكها وتفويت الفرصة على المعارضة لإسقاطها والعودة لمربع الانتخابات مرة أخرى؛ إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة أشارت إلى أن أي من المعسكرات لن يتمكن من تشكيل حكومة لوحده , ما يعني ثبات حالة التفكك والتشتت في الخارطة السياسية وبقاء معضلة تشكيل حكومة تنعم ببعض الاستقرار.

سيف القدس وتغيير المعادلة

نتائج التحقيقات التي أجراها الجيش على مدار الأشهر الماضية حول الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي مُنِيت بها خلال معركة سيف القدس يؤكد بأنها شكلت نقطة تحول استراتيجي مع المحتل وتثبيت لمعادلة الربط بين غزة والقدس والضفة وحتى السجون، حيث باتت غزة حاضرة في جميع حساباتهم وتوصياتهم في ظل تقديرات الموقف التي تشير إلى أنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حال اشتعال مدن الضفة والقدس او حدوث تطورات داخل السجون.وليس أدل على ذلك هو وجود خط ساخن بين قيادة المنطقة الجنوبية وقيادة مصلحة السجون في ظل الخشية من حدوث تطورات تدفع غزة للدخول إلى خط المواجهة, كما أن معركة سيف القدس أثبتت للمرة الالف أن الحل العسكري أمام غزة فقد فعاليته وان قوة مقاومتها تتعاظم سياسيا وعسكرية من جولة إلى أخرى كما اعترف بذلك الإعلامي شاحر كلايمن وآخرون.

أنقذوا السلطة

المحاولات الحثيثة التي يقوم بها المستوى السياسي والعسكري في "إسرائيل" لمساعدة السلطة وإنقاذها من الانهيار المحتمل في ظل تراجع شعبيتها وقدرتها على فرض سيطرتها على مدن الضفة، تكشف هشاشة المنظومة الأمنية والسياسية في "إسرائيل" واعتمادها شبه الكلي على أجهزة أمن السلطة لتنفيذ المهام المتعلقة بتوفير الأمن لجيشها ومستوطنيها؛ كما حدث في مدينة جنين مؤخرا ؛ فبدون التنسيق الأمني ستكون مطالبة بنشر المزيد من قواتها داخل وخارج المدن والقري الفلسطينية وتكثيف عمل أجهزتها الأمنية لإحباط العمليات وهو ما يستنزف إمكاناتها ويراكم الأعباء على أجهزتها الأمنية والعسكرية.

تحديات خارجية وداخلية

من المعلوم بأن المهام الرئيسة لأي حكومة كانت هو التعامل مع التحديات الخارجية والتهديدات الداخلية؛ إلا أن الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الماضية تؤكد بالدليل القاطع أن القوة العسكرية (الإسرائيلية) في تراجع مستمر، ولم يعد بإمكانها تحقيق الحسم مع أي جبهة كانت أو حتى ترميم قوة ردعها , وفي المقابل تمكن خصومها من بناء وتعاظم قوتهم العسكرية ومراكمة التحديات أمامها دون امتلاكها القدرة على إيقافهم.

أما عن التهديدات الداخلية فإن موجة الاستقالات في جهاز الشرطة والحديث عن تفككه من الداخل بسبب تراكم الأعباء وتفاقم حالات العنف والإجرام مؤشر على فقدانها القدرة على توفير الأمن لمواطنيها.

الخلاصة

لم يعد بإمكان "إسرائيل" التغطية على استمرار تآكل قوة ردعها وعجزها عن مواجهة التحديات الخارجية والتهديدات الداخلية، أو إخفاء حقيقة تفكك خارطتها السياسية بالتزامن مع التراجع الملموس للدور الأمريكي في المنطقة وما يحمله من مؤشرات تدل على قرب زوال كيانها طال الزمن أم قصر – فهل أدرك المطبعون والمنسقون هذه الحقيقة قبل فوات الأوان.

المصدر : خاص شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة