ناجي شكري الظاظا

مفاوضات النووي الإيراني.. نموذج إقليمي مطلوب

ما بين تعبير إيراني عن "انحسار الخلافات" وآخر روسي بـ "تحقيق تقدم" وتأكيد أمريكي بأن مفاوضات النووي الإيراني في فيينا قد "بلغت مرحلة حاسمة"؛ تتواصل الجولة الثامنة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في فيينا حول العودة إلى الاتفاق النووي الموقع في 2015، والذي انسحبت منه إدارة ترامب عام 2018. ومن الواضح أن فرصة التوصل إلى اتفاق قائمة لدى جميع الاطراف، ولكن الجميع بحاجة لتحسين الضمانات لدى الطرف الآخر.

المفاوضات تجري على مستوى لجان الخبراء، وتشارك فيها خمس دول هي فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وألمانيا بالإضافة إلى مندوب الاتحاد الأوروبي. وتتركز المفاوضات على ثلاثة مسارات هي: رفع العقوبات عن إيران، وإلتزامها بالعودة لاتفاق 2015 المعدل، والضمانات المتبادلة بما يتم الاتفاق عليه.

فيما تصر إيران على أن يتم رفع العقوبات أولاً بالإضافة إلى ضمانات دولية بذلك؛ تصر الولايات المتحدة على إلتزام إيران بالاتفاق أولاً. أما الدول الأوروبية فتتبنى مبدأ التوازي بين المسارات وأن تكون الضمانات متبادلة.

وتكمن المعضلة الأساسية في المفاوضات بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والوسطاء الأوروبيين في التغييرات الاستراتيجية التي أحدثتها إيران خلال فترة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، حيث تطالب الولايات المتحدة ومعها الأوروبيون، بالتزام إيران بإخراج اليورانيوم الذي أنتجته زيادة عن حدود اتفاق 2015، وتدمير أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي أدخلتها الخدمة في مفاعلاتها النووية. الأمر الذي ترفضه إيران، وتصر على أن ما تم هو خارج حدود الاتفاق الممكن باعتبار أن الإنسحاب الأمريكي من جانب واحد، قد منح إيران حقها في تطوير مشروعها النووي.

الوسطاء الأوروبيون -وتحديداً فرنسا وألمانيا- يؤكدون على أهمية إنجاز الاتفاق في أسرع وقت، على اعتبار أن التأخر لأشهر قد يمنح إيران فرصة أن تكون من دول العتبة النووية، بمعنى وصولها إلى مستوى تقني يؤهلها إلى صنع قنبلة نووية قابلة للاستخدام العسكري.

ومن الواضح أن إيران تبدو أكثر ارتياحاً كونها وصلت إلى مستوى تقني يمنحها أفضلية في إدارة التفاوض وصولاً لاتفاق أفضل مما كان عليه في نسخة 2015.

في المقابل فإن نبرة العدو الإسرائيلي تراجعت من التهديد بضربة عسكرية إلى القول بأن اتفاق خير من لا اتفاق، في إشارة إلى تراجع قوتها في التأثير على مسار الولايات المتحدة في العودة إلى الاتفاق مع التعديل. ويبدو أنها استطاعت استثمار تلويحها بالخيار العسكري وقيامها بأعمال تفجير واغتيالات داخل إيران في الفترة الماضية لتحسين فرص الدعم الأمريكي لها عسكرياً. وتأتي زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي "جيك سوليفان" نهاية ديسمبر 2021 الماضي للتأكيد على رعاية الولايات المتحدة الأمريكية للمصالح الإسرائيلية بمنع حصول إيران على سلاح نووي، مع تأكيده على أن الدبلوماسية تبقى أفضل سبيل لتحقيق ذلك. ومن اللافت ما قاله سوليفان بأن الموقف الحالي للولايات المتحدة في فيينا يعود إلى انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي، "ونحن ندفع ثمن هذا الخطأ الكارثي".

إن ما يجري في فيينا يظهر أن مقاومة الإرادة الأمريكية ممكنة، وأن الدول الإسلامية والعربية يمكنها أن تقاوم الاشتراطات الغربية إذا كان لديها إرادة حقيقية لتحقيق مصالح قومية أو وطنية، وهذا ما يمنح وجهاً آخر لنظرية المقاومة والتحدي في مقابل التبعية والبحث عن حلول لا تستجيب للإرادة الوطنية والقومية.

هذا النموذج الذي تجسده المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي مطلوب تعزيزه عربياً وإسلامياً، على أساس من الحاجة الإقليمية للحماية من أطماع العدو الإسرائيلي الذي يقتات على ضعفنا، فهو يضغط باستمرار وبشكل علني للحصول على مكتسبات توفر له الأمن، لإدراكه بأن صعود أي قوة إقليمية يمثل تهديداً له ولأهدافه الاستراتيجية بتفوقه العسكري والاقتصادي والسياسي، وهو ما يتعارض مع مصالح شعوب المنطقة ويتناقض مع تاريخها ويهدد مستقبلها.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة