عبدالله العقاد

التفكير إلى الأمام..

ليس عنوان مقال، بل مؤسسة بريطانيا يقف على رأسها قسٌّ كاثوليكي إيرلندي ثم سياسي يحمل الجواز البريطاني، ومعه صديقه الشاب من ذات الجنسية والمنشأ، وكلاهما يجيد الحديث عنا، وبلسان الضحية، وكلاهما ضحية من ذات الجلاد الذي لا زال يعذبنا بما كسبت يداه، وبأيدينا..

ولكن هذا الضحية يعلمنا رشدنا، أو يرشدنا لما يجب علينا، وما يجب علينا أن نبكيه، هو أنفسنا التي لا تفهم بعد، كيف تفهم جلادها، ولا تتفهم دوافعه في الفتك بها، ولا زالت هي غاضبة؛ لأنه قضم مستقبلها، ولم تهتدِ إلي ذلك سبيلاً لتعتذر منه؛ لأنه كان لا بد أن يغصبها، ويغتصبها.. فهو جلاد، ولكنه ضحية- أي المستعمر البريطاني.

يعني، كان الأولى أن لا تنكروا عليه بطشه، ولا غصبه، ولا تتمنّعوا عليه، فأوطانكم ودياركم وأملاككم هي لأسيادكم بحكم منطق القوة، وشريعة الغاب.

وبلسان حال المستعمر، لماذا جعلتمونا نأخذ أوطانكم منكم عنوة؟ ولم تتفهموا حاجتنا إليها؛ فتسارعوا لتقدموها قرابين عنكم لنرضاكم عبيداً، ألم تعلموا أنه بحاجة إلى نفطكم، وذهبكم، وحاجته إليكم لتكونوا جنوده في حروبه الطويلة..؟!

ولكنكم تسخطتم، وعاندتم، وغضبتم، وقاتلتم حتى جعلتم صورتنا الملكية رجيماً تستعيذون منها، ولا تعوذون بها، أو إليها تلوذون..

ها نحن نأتيكم لنعلمكم، كيف تشكرونا، ولا تشكونا، وكيف تفهمونا، ولا تتهمونا، وكيف تلعنون أنفسكم أنكم كنتم تظنون فينا شراً..!

أيها الأشقياء.. اعذرونا أننا نذبحكم، لأننا كنا سنريحكم من أرض لا تسعنا وتسعكم، وأردنا أن نجعلكم عبيداً في اقطاعتنا التي أخذناه منكم عنوة بكم؛ وفتمنّعتم علينا إلا قليلاً منكم.

وبلسان الضحية نقول، أيها الانجليز المستعمرون، سنلعنكم في كل صباح ألف مرة ومرة، وسنلعن أنفسنا إن لم نلعنكم، أنتم لم تنحازوا يوماً إلينا، وما فعلتم غير خادعنا؛ لتجهزوا علينا بأيدينا، جعلتم اليهود الذين هم ضحاياكم جلادينا؛ لأننا آويناهم منكم، وتسللتم إلينا بوجوه ناعمة، كأفاعٍ فاغرة الفاه، تسألون عن عذابنا، وماذا فُعل بنا من الذين آويناهم منكم؟

لنخبركم بعجرنا، وبظلمهم لنا، ونطيل الشكوى لكم، ونتزلف إليكم؛ لترفعوا عنا شيئا من العذاب، وهم يلهبون ظهورنا بسياطكم، ويقتلونا وأبنائنا بسلاحكم، ويهدمون بيوتنا بجرافاتكم..، ويذهب البسطاء الطيبون منا، يثيرون فيكم الحمية، ويذكرونكم بأخلاق الإنسانية أن تقفوا معنا ساعة من نهار، أو تعيدوا إلينا بعض حقنا، لنشكركم كثيراً، ونُثني عليكم طويلاً..

ونحن نعلم أنكم تضحكون علينا، ليس لأننا ضحايا، لأننا نعرف أنكم تتلذذون على عذابات الضحايا، ومحاكم التفيش تنبؤنا عنكم، ليست تلك التي كانت في القرون الأولى، لا، بل الشاهدة على هذا العصر في أبو غريب، وبغرام، وغوانتامو، ومئات السجون السرية.. ولكنم تضحكون علينا لأننا ضحايا وحمقى في ذات الوقت، نستعيذ من رمضاء صهيون الذي صنعتم بناركم التي لم تنطفئ بعد.

نحن، من أمة سادت الأمم، وما بادت، سنعود قريباً لمجدنا، سنمحوا عارنا، ونجلوا الغبار عنا؛ لنراكم كما أنتم، وترونا كما كنا نحن، لأكثر من ألف وثلاثمائة سنة، ونحن نقود العالم علماً ومعرفة ورحمة وأخلاقاً..، وكنتم أقناناً وعبيداً في نجوع الاقطاعيين واقطاعاتهم، ولم تكونوا غير قبائل متوحشة، أفنيتم حضارة روما وأثينا، وغرقتم في ظلمات الجهالة والعبث..

نعم، سنعود إلى مرابع عزنا، وبعدها سنعاملكم بأخلاقنا، كما عاملكم صلاح الدين من قبل، وعدتم تضربون قبره، وقلتم: ها قد عدنا يا صلاح !

ولكن دورتكم هذه المرة لن تدور، ولن تعودوا غزاة، لأنكم شختم، وعلمنا أن ديدنكم القتل والهتك، ولا دين لكم غير الذهب والنهب ..

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة