بقلم: وسام البردويل
أحدثت الحرب الروسية الأوكرانية، حالة من الفوضى في الساحة الدولية، ومزقت توجهات وأحلاف كانت ظاهرة للعلن أنها ذات موقف واحد، لكن السياسة لا تبقى على حال والمصالح تقدم على التحالفات.
إقدام بوتين على غزو أوكرانيا، كشف حقائق لا يمكن أن تُعلم إلا إذا اشتدت المعارك، وبدأ إطلاق النار، ليبدأ معها مسلسل التبريرات والخطوات والاستنكارات، بخلاف ما سبق عاصفة الغزو من تهديدات ووعودات لأوكرانيا، جعلها تغتر بذاتها وتصارع الدب الروسي.
فمنذ بدء الحرب الأوكرانية الروسية، أظهرت الدول الغربية وحلف الناتو موقفهم الحقيقي الذي خالف بعض التصريحات التي سبقت الحرب، بأن خطواتنا تجاه هذا الغزو هو الاستنكار وفرض العقوبات ولا مصلحة لنا بشن حرب مع روسيا.
بتلك العبارات والمواقف، تبين للرئيس الأوكراني حقيقة الموقف الغربي، وعرف ذاته ومراده وبدأ يطلق تصريحات تشجب ذلك الموقف، أكثر من شجبهم واستنكاره للغزو الروسي، فخذلان الداعم أكبر تلك المصائب.
وفي زحمة التصريحات والمواقف والاستنكارات، تعيش إسرائيل حالة من القلق والخوف والتردد الذي يسيطر على غموض موقفها الحقيقي، الذي ينصب فقط وفق مصلحتها وأمنها القومي، وإن كانت أوكرانيا ورئيسها أكبر الداعمين لها في مواقف عدة، إلا أن الغضب الروسي قد يضرها أكثر من نفع دعم أوكرانيا لها.
فقبل بدء الحرب، كشفت تصريحات وزير خارجية إسرائيل يائير لابيد سذاجته وضعفه في السياسة وفي فهم مصلحة دولته، حيث وقف إلى جانب الموقف الأمريكي واستعد للمشاركة في فرض العقوبات إذا ما كان هذا ما تريده أمريكا.
هذه التصريحات، استدركها المسؤولون الأمنيون، واستنكروها كونها تعد خطرا كبيرا على العلاقات الروسية الإسرائيلية، وهذا ما لا تريده إسرائيل البتة، فإسرائيل تربطها بروسيا علاقة وطيدة ومصالح مشتركة أبرزها حرية العمل في المجال الجوي السوري وضرب الأهداف الإيرانية.
هذه التصريحات، استدعت روسيا على إثرها السفير الإسرائيلي لدى موسكو، لإيصال الرسائل النارية وفهم الموقف الرسمي بعيدا عن ما تتناقله وسائل الاعلام، أو ما يطلقه مسؤول هنا أو هناك.
وبعد تلك الرسائل، تراجعت إسرائيل في المرة الأولى عن ادانة الغزو الروسي على أوكرانيا، لتقع في نار الغضب الأمريكي، الذي تلقاه سفير إسرائيل في الأمم المتحدة غلعاد إردان من السفير الأمريكي في الأمم المتحدة لامتناعه عن التصويت لصالح قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا.
تراجعت بعد تلك التهديدات والرسائل النارية من الحليف الاستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية، لتصوت بعدها لصالح ذلك القرار، مع تحفظها على عواقب القرار ومدى تأثيره على العلاقات الروسية الإسرائيلية.
هذا الأمر أوقع إسرائيل في حيرة من أمرها، وبالتالي أصبح من الواجب على رئيس وزراء الاحتلال نفتالي بينت أن يوصل الموقف الحقيقي من تلك الحرب، بجولة سريعة وخاطفة لإرضاء جميع الأطراف والحفاظ على المصالح في ظل الأنباء التي تشير بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران حول الملف النووي.
جولة بينت التي بدأت بروسيا وهي العنصر الأهم، حملت من الطرف الإسرائيلي توضيحات معينة ومن الطرف الروسي رسائل معينة، أبرز تلك الرسائل التي تلقاها بينت من بوتين هو عدم اللعب بالنار والانجرار وراء الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، والتي قد تعود بالإضرار بمصالحها وخاصة في سوريا، والذي يعد خيارا بعيد إلا أنه غير مستحيل، إذا ما اقتضت المصلحة الروسية وتهدد أمنها.
هذه الرسالة أكدتها وسائل الإعلام العالمية، بأن بوتين طلب حصر الدول التي فرضت العقوبات على روسيا خلال يومين، معتبرا تلك العقوبات بمثابة إعلان الحرب.
كما أن التوضيحات التي تلقاها بوتين من بينت هو موقفها الحقيقي الداعم إنسانيا لأوكرانيا فقط، دون دعم عسكري، والاكتفاء بهذا الدور، بالإضافة إلى التفاهم حول ما سيحدث خلال الأسابيع القادمة من التوصل لاتفاق نووي مع إيران من عدمه، وآليات العمل.
وهذا ما كشفته وسائل إعلام عبرية، بأن بوتين وبنيت اتفقا على استمرار العمل في المجال الجوي السوري وضرب الأهداف الإيرانية هناك.