أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطاب "حالة الاتحاد" بالكونغرس، يوم الخميس المنصرم، أنّه أصدر تعليمات للجيش الأمريكي من أجل إنشاء ميناء مؤقت في البحر الأبيض المتوسط على ساحل غزة.
وأوضح بايدن أن إنشاء الميناء "العائم" سيساهم في إدخال المزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة بحرًا عبر هذا الميناء دون أن تطأ أقدام الجنود الأمريكيين غزة.
وأشار في حديثه إلى أن الميناء سيكون ممر ونافذة "أمل" لدخول كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية إلى غزة كل يوم.
لم يكتف الرئيس الأمريكي بالحديث عن الممر المؤقت في غزة، بل إنه اعترف بشكل "صريح" بصدق إحصائيات ضحايا العدوان الصهيوني على غزة، والتي صدرت عن وزارة الصحة الفلسطينية والمكتب الإعلامي الحكومي، بعد إنكاره لتلك الإحصائيات على مدار 5 أشهر من بداية العدوان على قطاع غزة.
بعد 155 يومًا من الدعم الأمريكي غير المتناهي لـ "إسرائيل"، ما الذي تغير؟ وما هي الأهداف التي يحملها بايدن في سطور خطاب "إنساني" يلقيه للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب على غزة؟
كشف المتحدث باسم البنتاغون باتريك رايدر، بعض التفاصيل عن ميناء غزة المؤقت، فيما أصدرت المفوضية الأوروبية بالمشاركة مع الدول المعنية بالمشروع بدورها بياناً عن آلية عمل المشروع.
أشار رايدر إلى أن بناء الميناء المؤقت في غزة سيستغرق ما يصل إلى 60 يوماً، كما يتطلب مشاركة حوالي 1000 جندي أمريكي.
وقال: "ستشارك في هذه الجهود قوات أمريكية، بما في ذلك لواء النقل السابع بالجيش الأمريكي، المتمركز في ولاية فرجينيا".
وأوضح أن أمريكا بحثت عدة أماكن على شواطئ قطاع غزة لتنفيذ المشروع البحري فيها، ويُتوقع أن يتم بناء الميناء في شمال غزة.
ومن جانبها، وصفت صحيفة "غارديان" البريطانية خطة الولايات المتحدة لبناء ميناء عائم قبالة ساحل غزة بالخطوة "الجريئة".
وأوضحت أنها خطة ليست سهلة، ولا تخلو من مخاوف حقيقية ترتبط من أن الإغاثة التي ستجلبها لن تكون كافية، وستكون متأخرة للغاية بالنسبة للفلسطينيين الذين يواجهون "المجاعة".
ولفتت الصحيفة إلى أن المساعدات ستخضع لفحص من قبل المفتشين "الإسرائيليين" الذين سيتواجدون في ميناء لارنكا القبرصي، وهذا يعني سيطرة "إسرائيل" على عملية تدفق المساعدات بحجة "التدقيق الأمني".
فيما أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، إلى أنّ البنية التحتية للممر البحري الذي اقترحه بايدن سيستغرق وقتًا طويلًا، ولا يمكن أن يشكل بديلًا عن الطرق البرية لدخول شاحنات المساعدات.
وصرّح مسؤولون بالإدارة الأمريكية لوكالة "رويترز" أن إنشاء ميناء على ساحل قطاع غزة سيستغرق أسابيع، وأن الشحنات الأولية من المساعدات ستصل إلى الميناء من قبرص.
كما وأكد المسؤولون أن العملية لن تتطلب قوات أمريكية على الأرض، والقوات ستظل في سفن قبالة الساحل.
وقال مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في الغذاء مايكل فخري، إن الخطة الأمريكية لإنشاء ميناء مؤقت قبالة غزة لجلب المساعدات للقطاع، هي "مسرحية ساخرة للجمهور الأمريكي، ولن تمنع حدوث مجاعة جماعية".
وأضاف فخري في مؤتمر صحفي في جنيف: "لم يطلب أحد رصيفًا بحريًا، لا الشعب الفلسطيني ولا مجتمع المساعدات الإنسانية".
وأردف: "لا الرصيف ولا عمليات الإنزال الجوي المتزايدة فوق غزة "ستمنع المجاعة بأي تعريف".
وأكد أن لجوء أمريكا الحليف الرئيسي "لإسرائيل" إلى مثل هذا الإجراء، هو "أمر سخيف بطريقة مظلمة وساخرة.
يظهر الجانب الإنساني "الطيب" في خطة بايدن بشكل واضح، إلّا أنّ محللين وخبراء كشفوا عن الأهداف الخفية التي يرمي الرئيس الأمريكي إلى تحقيقها، والتي تتعلق بتشجيع هجرة الفلسطينيين إلى أوروبا من خلال الميناء "العائم"، وإلغاء أي دور لمعبر رفح البري على الحدود مع مصر، لأن "إسرائيل" لا تثق به، وتعتبره المدخل الرئيسي لأسلحة حركة حماس، فيما وأشار أخرون إلى أنّ هذه الخطة تعني تحكم "إسرائيل" بكافة منافذ غزة، وإنهاء أي سيادة للفلسطينيين على المعابر.
وأكد خبراء أن هذه الفكرة ليست "جديدة" حيث تم طرحها قبل 10 أعوام إلّا أن أفيغدور ليبرمان (رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف) أفشل الفكرة، عندما كان وزيرًا للحرب في ذلك الوقت، ووزير المواصلات يسرائيل كاتس.
من جهته، قال خبير الشؤون العسكرية والاستراتيجية، هشام خريسات إن هذا الميناء التكتيكي العسكري سيلقى مباركة "إسرائيلية"؛ خاصةً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتطلع إلى فكرة طرحه منذ بداية الحرب، بهدف التهجير الطوعي للغزيين، والهروب إلى أوروبا. لافتًا إلى أن الهدف الأساسي والحقيقي خلف هذه الخطة ليس له علاقة مباشرة بـ"المساعدات"، فالقصة تكمن وراء تشجيع هجرة الفلسطينيين إلى أوروبا من خلال هذا الميناء.
وأوضح خريسات إلى أن هذا الرصيف تقدّر تكلفته الأولى بـ35 مليون دولار، وعمق الغاطس للسفن بالرصيف لن تقل عن 17 مترًا، فيما ستكون مساحة الميناء 6 كيلو مترات مربعة لأنه سيضم مشافي عائمة مخصصة لعلاج جميع الفلسطينيين في قطاع غزة، بالإضافة لبيوت إيواء عائمة بسفن جانب المشافي.
وأشار إلى أنه سيتم تخصيص ميناء بقبرص مدفوع الأجر من الولايات المتحدة، بحيث يصل إلى موقع الميناء على شاطئ مدينة خانيونس على سواحل غزة. لافتًا إلى أن المسافة من ميناء قبرص إلى الميناء الأمريكي في غزة تقدر بـ387 كيلو مترًا.
وقال خريسات إن جميع السفن التي ترسل المساعدات الإنسانية، ستكون تحت رقابة سلاح البحرية والأقمار الصناعية "الإسرائيلية"، وسيمنع وقوفها تحت أي ظرف من الظروف. لافتًا أنها ستذهب أولًا إلى ميناء أسدود ليتم تدقيقها وفحصها ثم ترسل تحت سيطرة البحرية "الإسرائيلية" والمسيرات إلى القطاع الفلسطيني، فيما سيبقى الجيش الأمريكي بالبحر، ليشرف على الميناء من بعيد.
وفي الإطار، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية بعضًا من تفاصيل خطة "الميناء المؤقت" التي تدعو إلى بدء إرسال شحنات المساعدات الجديدة إلى غزة عن طريق البحر في الأيام القليلة المقبلة، على أن تتولى "شركة خاصة" التعامل مع الأمور اللوجستية.
ووفق الصحيفة، فإن الرحلة بين قبرص وساحل غزة ستستغرق حوالي 23 ساعة، ويأمل المسؤولون أن تصل حمولة 200 شاحنة من المساعدات يوميًا خلال 28 يومًا.
وأكد مسؤول أوروبي كبير لـ "وول ستريت جورنال"، أن "إسرائيل" ستقوم بفحص الشحنات في قبرص، لضمان عدم تضمين أي أسلحة أو منتجات أخرى يمكن أن تكون مفيدة لحركة "حماس" في غزة، كما ستراقب الطرق البحرية التي تسلكها سفن الشحن بعد مغادرتها قبرص، لضمان عدم تهريب أي بضائع على متنها أثناء الرحلة.
وعن مشاركة الدول، ذكرت "وول ستريت جورنال" أنّ الولايات المتحدة وضعت خطة "الميناء"، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي وقبرص، والإمارات، وبريطانيا، والأمم المتحدة، التي ستتولى إدارة الإمدادات إلى غزة.
وفي متابعة تحليلات الخبير الاستراتيجي خريسات، كشف عن سبب جهود بايدن في إسراع بناء الميناء، فالسر وراء ذلك هو قلق بايدن مما سينتج من اجتياح الجيش "الإسرائيلي" لمدينة رفح جنوبي القطاع، ومن عدم إنهاء الكارثة الإنسانية بغزة، الأمر الذي سينعكس على نتيجة الانتخابات في الولايات المتحدة.
وخلص الخبير الأردني حديثه، بالتأكيد على أن "إسرائيل" ستوافق على الميناء لسببين، وهما تمرير صفقة تبادل الأسرى، والهجوم البري على رفح بدون إغضاب واشنطن.
قالت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية إن "إسرائيل" تؤيد وترحب بإنشاء هذ الرصيف "المؤقت"، مشيرةً إلى أن واشنطن ناقشت مع "تل أبيب" تلك المبادرة التي سيتم تنفيذها بالتنسيق بين الجانبين.
وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أن بعثة عسكرية أميركية زارت شمال القطاع وفحصت نقاطًا مناسبة لإقامته، إذ تفاجأت "إسرائيل" بالسرعة التي يخطط بها الأميركيون لتنفيذ الخطوة.
وخلال الشهرين الماضية، بدأ نتنياهو بالتهديد بتوسيع هجماته البرية واجتياحه لمدينة رفح التي تضم 1.4 مليون نازح، بعد أن أجبرهم الاحتلال على النزوح من مناطق الشمال إلى الجنوب بحجة أنها "آمنة"، إلّا أن تلك الخطوة لاقت رفضًا وتنديدًا واسعة من بعض الدول الأوروبية.
يُذكر أن تنقل الأفراد والبضائع من وإلى القطاع كان يتـم عبر 6 معابر؛ وهي: بيت حانون (إيرز)، وكارني، وناحل عوز، وكرم أبو سالم، وصوفا، بالإضافة إلـى معبر رفح على الحدود مع مصر.
وبعد الحصار الذي فرضه الاحتلال على غزة منذ العام 2007، أغلق جميع المعابر ما عدا معبري رفح وبيت حانون اللذين خصصا لتنقل الأفراد، ومعبر كرم أبو سالم الذي خصص لنقل البضائع.
