هل تقف "إسرائيل" وراء أزمة سبتة؟

حملة رقمية واتهامات تربطها بمواقف إسبانيا الداعمة لفلسطين

لم يكد الغبار يتطاير فوق شوارع مدينة سبتة الإسبانية، بعد التدفق غير المسبوق لأكثر من 60 ألف مهاجر وإعلان السلطات الإسبانية حالة الطوارئ، حتى انتقلت الأزمة من الميدان إلى الفضاء الرقمي، حيث ظهرت حملة واسعة قادتها شخصيات وحسابات "إسرائيلية" رسمية وأخرى مقربة من حكومة الاحتلال، ربطت بين ما جرى وبين مواقف مدريد الداعمة لفلسطين.

ورغم عدم وجود أدلة معلنة تثبت وقوف "إسرائيل" خلف أزمة الهجرة ميدانيًا، فإن تزامن الحملة الإلكترونية مع الأحداث، وطبيعة الرسائل التي حملتها، إضافة إلى تصريحات مسؤولين ومحللين إسبان، فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت الأزمة استُخدمت كورقة ضغط سياسي ضد حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.

فبعد ساعات قليلة من إعلان مدريد حالة الطوارئ، نشر مندوب "إسرائيل" الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، تغريدة هاجم فيها الحكومة الإسبانية، محققًا أكثر من عشرة ملايين مشاهدة، واتهم فيها مدريد بازدواجية المعايير، معتبرًا أن إسبانيا التي "لا تفوت فرصة لإلقاء المحاضرات على إسرائيل"، مطالبة أولًا بتفسير احتفاظها بما وصفه بـ"الجيوب الاستعمارية في إفريقيا" قبل انتقادها سياسات الاحتلال.

ولم تكن تغريدة دانون حدثًا منفردًا، إذ سرعان ما انضم إليها مسؤول الإعلام الرقمي السابق لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، حنانيا نفتالي، الذي أعلن، في سخرية واضحة من الخطاب المتعلق بالقضية الفلسطينية، "دعمه لحل الدولتين في إسبانيا"، في محاكاة ساخرة للمطالب الفلسطينية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على أن الحملة تجاوزت حدود التفاعل الفردي إلى خطاب منسق شاركت فيه شخصيات قريبة من دوائر صنع القرار في الاحتلال.

كما نشر الباحث "الإسرائيلي" إيدي كوهين منشورًا مطولًا ربط فيه بصورة مباشرة بين أزمة سبتة والمواقف الإسبانية المؤيدة للفلسطينيين، واصفًا ما يجري بأنه "عقاب" لإسبانيا. وأعاد حساب يحمل اسم Mossad International نشر المنشور مرفقًا بعبارات أوحت بأن "إسرائيل" كانت تراقب ما يجري وأن "الوقت حان لتدفع إسبانيا الثمن".

ورصد متابعون انتشارًا واسعًا لوسم "حرروا سبتة" (Free Ceuta)، الذي شاركت في ترويجه عشرات الحسابات التي ترفع العلم "الإسرائيلي"، مستخدمة مفردات ارتبطت لعقود بالقضية الفلسطينية، مثل "الاحتلال" و"حل الدولتين" و"الإبادة"، ولكن بصورة ساخرة استهدفت الموقف الإسباني.

ولم تقتصر الحملة على ذلك، بل حذرت بعض الحسابات من "مجزرة" و"إبادة" يتعرض لها المغاربة في سبتة، فيما طالبت حسابات أخرى بعدم الصمت إزاء ما وصفته بـ"الإبادة"، مع استخدام مصطلح "الغزو" لوصف تدفق المهاجرين، في استحضار واضح لمفردات الخطاب الأوروبي المناهض للهجرة.

وأثارت هذه الحملة ردود فعل غاضبة داخل إسبانيا، حيث علق وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي على تغريدة دانون بالقول: "يبدو أن كل شيء أصبح أكثر وضوحًا"، في تصريح فُهم على نطاق واسع بأنه إشارة إلى تحميل "إسرائيل" مسؤولية استغلال الأزمة سياسيًا.

من جانبها، قالت الخبيرة السياسية الإسبانية كارولينا ألونسو إن ما يحدث يمثل "محاولة من إسرائيل، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، لإضعاف الحكومة الإسبانية المعروفة بمواقفها الرافضة للإبادة"، معتبرة أن الهجوم الإعلامي جاء في سياق الضغط على مدريد بسبب سياساتها الخارجية.

وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة في ضوء التوتر المتصاعد بين حكومة الاحتلال وإسبانيا خلال الأشهر الماضية، بعدما اعترفت مدريد رسميًا بدولة فلسطين، وفرضت قيودًا على تصدير السلاح إلى "إسرائيل"، ورفضت استخدام قاعدتي "روتا" و"مورون" في العمليات الأمريكية-"الإسرائيلية" ضد إيران، كما منعت سفينة تحمل أسلحة متجهة إلى الاحتلال من الرسو في موانئها، ما اضطرها إلى التوجه نحو المغرب.

ويضيف الصحفي الإسباني خوسيه فيزنر بُعدًا آخر للنقاش، مستعيدًا تصريحات سابقة تعود إلى عام 2019 ليائير نتنياهو، نجل رئيس حكومة الاحتلال، ألمح فيها إلى دعم "إسرائيل" للحركات الانفصالية في سبتة ومليلية، متسائلًا عما إذا كانت التطورات الحالية تمثل امتدادًا لذلك النهج أو شكلًا من أشكال الانتقام السياسي من حكومة بيدرو سانشيز.

وعلى الأرض، خلفت الأزمة ما لا يقل عن 72 قتيلًا، فيما عاد أكثر من 48 ألف مهاجر طوعًا إلى المغرب، لتتحول سبتة إلى ساحة تتقاطع فيها أزمة الهجرة مع الصراع السياسي والإعلامي، وسط استمرار الجدل حول ما إذا كانت الحملة الرقمية التي قادتها شخصيات "إسرائيلية" مجرد استثمار سياسي للأحداث، أم أنها تعكس محاولة للضغط على حكومة إسبانيا بسبب مواقفها الداعمة لفلسطين.

ورغم كثافة الاتهامات والحملة الإعلامية التي رافقت الأزمة، لم تظهر حتى الآن أدلة معلنة تثبت ضلوع "إسرائيل" في صناعة أزمة سبتة ميدانيًا، إلا أن تزامن التحركات الرقمية مع الأحداث، والتصريحات الصادرة عن مسؤولين ومحللين إسبان، أبقى التساؤلات مفتوحة حول أبعاد ما جرى، في ظل تصاعد التوتر بين مدريد وحكومة الاحتلال على خلفية الحرب على غزة ومواقف إسبانيا المؤيدة للحقوق الفلسطينية.

المصدر : شهاب - وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر