خاص ثلاثة أعوام على طوفان الأقصى: ملحمة العبور العظيم واستراتيجيات الكمائن ولحظات البطولة في الميدان

عملية طوفان الأقصى

تقرير خاص - شهاب

في فجر السبت، السابع من أكتوبر 2023، أعلن القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف بدء عملية "طوفان الأقصى" بضربة أولى على مواقع ومطارات وتحصينات الاحتلال العسكرية.

وكانت هذه الضربة المباغتة بمثابة الشرارة الأولى لملحمة عسكرية وامتدادٍ لمواجهة برية واسعة؛ إذ سرعان ما تحولت ساحات غزة ومحيطها إلى ميدان لاختبار أدوات الردع وبسالة الميدان.

وعلى مدار ثلاثة أعوام متواصلة، رسمت المقاومة الفلسطينية خارطة مواجهة استثنائية، جمعت بين دقة التخطيط الهجومي في ساعات العبور الأولى، وبين مرونة الاستراتيجيات الدفاعية القائمة على الكمائن المركبة والتصدي المباشر من "المسافة صفر" للتوغلات الإسرائيلية في مختلف مناطق القطاع، مظهرة صمودا إيمانيا وميدانيا جسدته بطولات وثّقتها عدسات الإعلام العسكري وكتبت تفاصيلها دماء المقاتلين في الثغور والأنفاق.

صباح العبور: مواقع عسكرية تسقط في ساعات

في صباح السبت، انطلق آلاف من نخبة القسام، عبروا ثغرات السياج الأمني وتقدموا حتى 22 كيلومترا، واقتحموا 12 قاعدة عسكرية، وأعلن حينها جيش الاحتلال الإسرائيلي أن الاشتباكات توزعت في الساعات الأولى على ثمانية مواقع في محيط القطاع.

أشد هذه المواقع ضراوة في القتال كان ناحال عوز، الذي يقع على بعد 850 مترا من الحدود وفيه 162 جنديا، وبحسب تحقيق لجيش الاحتلال، اقتحمه نحو 215 مقاتلاً من كتائب القسام، وانتهت المعركة بمقتل 53 جنديا وأسر عشرة، فيما فرّ الآخرين بعد فشلهم الميداني الكبير.

وفي معبر إيرز والقاعدة الملاصقة له اقتحم نحو 120 مقاتلا من القسام على موجتين، وقُتل تسعة جنود وأُسر ثلاثة أحياء، وفق اعتراف الاحتلال.

أما قاعدة رعيم، مقر فرقة غزة، فقد بث الإعلام العسكري لكتائب القسام مقطع فيديو يظهر لحظات اقتحام المقاتلين للقاعدة المسؤولة عن تأمين الحدود. ولكنها تهاوت في دقائق على يد عناصر القسام.

وأظهرت المشاهد استخدام المقاتلين للدراجات النارية والسيارات للوصول إلى قلب القاعدة، حيث اشتبكوا بالأسلحة الرشاشة داخل ممراتها ومبانيها المختلفة، وسط انتشار لجثث الجنود الإسرائيليين في أروقتها.

وانتهت المادة المصورة بلقطات تُبرز انسحاب المقاتلين وعودتهم إلى داخل قطاع غزة بعد إتمام مهمتهم، مرفقة بتعليق صوتي يؤكد نجاح عملية الاقتحام والسيطرة على الموقع، والتمكن من العودة بغنائم عسكرية وعدد من الأسرى، في خطوة وجهت ضربة مباشرة لمركز القيادة والسيطرة الرئيسي لجيش الاحتلال على حدود القطاع.

الدبابة التي تدرّب عليها المقاتلون

من أكثر ما لفت الإسرائيليين في ذلك الصباح أن المقاتلين عرفوا الدبابة التي واجهوها، ونقلت الجزيرة عن إذاعة جيش الاحتلال أن كتائب القسام جمعت معلومات دقيقة عن دبابات "ميركافا 4" من صور ومقاطع نشرها الجنود أنفسهم، وشكّلت "قوة دبابات" دُرّب أفرادها طويلاً على نماذج بالحجم الكامل وبرنامج محاكاة.

وبحسب الإذاعة آنذاك، حاول المقاتلون السيطرة على دبابات ونقلها إلى القطاع، وعطّلوا عددا منها بعد أن عرفوا زرا سريا داخل الدبابة يوقفها فترة معينة.

وفي صور بثتها القسام، أظهرت مقاوميها يعتلون دبابة ميركافا محترقة قرب السياج شرق خان يونس، وآخرون على عربة عسكرية استولوا عليها وحشد يحيط بهم.

الاجتياح البري: الكمين بديلاً عن المواجهة المفتوحة

بعد بدء الاجتياح البري أواخر أكتوبر 2023 تحولت المعركة إلى كمائن وعبوات مجهّزة مسبقا، وقذائف مضادة للدروع مثل "الياسين 105"، وأنفاق تتيح الخروج والعودة.

وأوضح مثال كمين الشجاعية في 12 ديسمبر 2023، إذ دخلت قوة من لواء غولاني مبنى لتفتيشه فتعرضت لإطلاق نار وانفجار عبوة، ثم انفجرت عبوة ثانية في قوة الإنقاذ التي جاءت بعدها، وثالثة لاحقاً، بحسب بيان القسام واعتراف الجيش الإسرائيلي.

واعترف جيش الاحتلال حينها مقتل عشرة ضباط وجنود، بينهم قائد لواء غولاني يتسحاق بن باشيت وقائد الكتيبة 13 تومر غرينبرغ.

وفي 15 يونيو 2024 أصاب مجاهد قسامي ناقلة "نمر" هندسية في تل السلطان برفح بقذيفة "الياسين 105" فاحترقت، وأعلن جيش الاحتلال حينها مقتل ثمانية من جنودها.

وفي 16 أكتوبر 2024 اشتبك قائد المقاومة الفلسطينية ورئيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، يحيى السنوار، وقائد كتيبة تل السلطان محمود حمدان مع جنود الاحتلال في الحي نفسه، واستشهد السنوار حينها متقدما الصف وملتحما لآخر نفس، بعدما أصاب جندي بجراح خطيرة.

مقاتلو القسام وجهاً لوجه مع الآليات

في العام الثاني من الحرب صار المشهد الأكثر تداولا هو المقاتل الذي يقترب من الآلية إلى حد لمسها.

ففي رفح بثّت القسام لقطات لمقاتل يخرج من فتحة نفق في أرض جُرّفت بالكامل، فيطلق قذيفة "الياسين 105" على ناقلة "نمر" ويصيبها إصابة مباشرة، ثم يعود إلى النفق، وبثت مشهداً مماثلاً في جباليا يوم 28 أكتوبر 2024 لناقلة "إشزاريت".

وقالت القسام حينها إن مقاتليها أجهزوا من المسافة صفر على قوة راجلة من خمسة جنود في شارع الهوجا وسط مخيم جباليا، بينما فرّ أربعة منهم نحو دبابة فُجّرت عبوة بجوارها.

وفي 24 يونيو 2025 جنوب غرب خان يونس، تظهر لقطات بثتها الجزيرة مقاتلاً بلا خوذة ولا درع يصعد فوق ناقلة جند مدرعة ويلقي عبوة "شواظ" في قمرة القيادة، ثم ينسحب، حينها احترقت الناقلة بمن فيها، وأعلن جيش الاحتلال مقتل سبعة جنود بينهم ضابط هندسة.

وتكرر المشهد في يوليو 2025 حين بثت القسام لقطات لمقاتل يصعد على ناقلة شرق خان يونس ويلقي بداخلها عبوة، في كمين قالت إنه أوقع ثلاثة جنود بينهم ضابط من غولاني، وكان جيش الاحتلال قد أعلن قبلها بيوم مقتل ضابط وجندي من غولاني في تفجير ناقلة "نمر" شرق المدينة.

ومن اللقطات التي حفرت في الذاكرة "مشهد الجرافة"، فقد ظهر مقاتل في مقطع مصور وهو يعتلي جرافة إسرائيلية من طراز "دي 9" ويرفع راية حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فوقها قبل أن يحرقها.

وظلّ صاحب اللقطة مجهولاً إلى أن كشفت كتائب القسام هويته في أغسطس 2026 ضمن سلسلة "أقمار الطوفان"، وهو حسن يوسف الكحلوت، المولود عام 1998 والذي استُشهد في 9 نوفمبر 2023.

وبحسب القسام، كان الكحلوت قائد مجموعة في ركن التصنيع العسكري، وشارك في التصدي للتوغلات الإسرائيلية بعد عمل هندسي وتقني ارتبط بتطوير الطائرات المسيّرة. وتناقل ناشطون المقطع الجديد وقالوا إنه ينقله من «المهندس» إلى المقاتل في الميدان.

وفي أغسطس 2025 بثت القسام مشهدا من اقتحامها موقعا عسكريا شرق خان يونس، وانتشر منه مقطع لمقاتل جريح متشبث بقاذف "الياسين 105" أمام دبابة ميركافا، قبل أن يستشهد وهو ممسك بالقاذف ويوجهه للدبابة التي دعسته لاحقا.

وقالت القسام إن مقاتليها استهدفوا في العملية عدداً من دبابات "ميركافا 4" بالقذائف والعبوات، واشتبكوا مع الجنود من مسافة قريبة، وقنصوا قائد إحدى الدبابات.

في بيت حانون: مقاتل يكتب من نفقه

من بين من عاشوا هذه المعارك من الداخل محمد زكي حمد (أبو زكي)، المولود في بيت حانون عام 1994 والملتحق بالمقاومة في السابعة عشرة من عمره.

وأعلن جيش الاحتلال اغتياله في 12 يوليو 2025 وقال إنه نائب قائد سرية في كتيبة بيت حانون.

ترك الشهيد كتاباً بعنوان "تحت راية الطوفان.. خندق خباب" كتبه، بخط يده على أوراق حملها في جعبته العسكرية، وكتابه تأملات إيمانية في معظمه، وفيه مشاهد ميدانية من المعارك التي خاضها رفقة إخوانه المجاهدين.

يروي حمد أنه وإخوانه المجاهدين عاشوا الأيام الأولى بعد العبور في أنفاق قرب الحدود تحت قصف متواصل، بعد انقطاع الاتصال وتسرب الغاز وإغلاق مخارج بالقصف ونفاد الطعام والماء.

ويذكر أن بعض المقاتلين مرضوا من الجوع والعطش، وأن مجموعة خرجت تبحث عن ماء فعادت بعشرين لترا، فكبّر الجميع.

ويصف كيف تقاسم رفاقه آخر ما معهم، وكيف ختموا القرآن ثلاث مرات داخل النفق، ويقول إنه التقى بعد ثلاثين يوما بمقاتلين ظنّ أنهم استشهدوا، فوجدهم أحياء وقد ذبلت أجسادهم وتغيرت ألوانهم من الضغط.

ومن أكثر ما رواه تأثيرا قصة رفاق استشهدوا في نفق مقصوف، يقول إن القيادة كلفت مجموعة بحفر نفق جديد نحوهم لمواراتهم ودفنهم، فاستغرق الحفر نحو أربعة أشهر، ويذكر بين الشهداء مدرباً يسميه "أبو جعفر" علّمهم الأسلحة وقنص ضابطاً في حرب 2014.

وفي مشهد آخر يصف قائدا من الصف الأول رآه يصلي قيام الليل في ممر النفق بعد منتصفه، يدعو لمن بقي من رجاله أن يسدد الله رميهم، وكان قبلها من أشد القادة صرامة.

وعن معارك بيت حانون يروي أن مقاتلا انتُدب لنصب عبوة بعد أن قطع القصف أسلاك كمين، فودّعه رفاقه وداع من لا يعود، فركض بين الآليات ونصبها وفجّرها وعاد يقول لهم: "سامحوني، رجعت عايش". ويقول حمد إن العبوة قتلت عشرة جنود وقائدهم، وإن رفاقه بكوا فرحا حين رأوه حيا.

ويروي أيضا أن مقاتليه تابعوا بالكاميرات عبوة أصابت جرافة تقدمت دبابتين، وأن إحدى الدبابتين توقفت فوق صاروخ F-16 غير منفجر استُعمل عبوةً فانفجر وقلبها، فصعد المقاتلون من النفق ليروها بأعينهم لا بالكاميرا.

ويصف الشهيد حمد قناصي بيت حانون بأنهم يرابطون ساعات بزجاجة ماء وقطعة حلوى، ويذكر قناصا كشفه جهاز على دبابة فأطلقت عليه قذيفة ونجا.

وفي بيت حانون نفسها، قبل خمسة أيام من إعلان اغتيال حمد، وقعت واحدة من أشهر عمليات عام 2025.

ففي مساء السابع من يوليو فُجّرت عبوة في قوة راجلة من كتيبة "نتساح يهودا" في منطقة الزراعة قرب إيرز، ثم فُجّرت عبوة ثانية في قوة الإنقاذ التي جاءت لإخلائها.

وأقر الجيش حينها بمقتل خمسة جنود وإصابة 14، وقالت القسام إن الإصابات 20 وإنها جهّزت الكمين قبل 12 ساعة من التنفيذ ضمن سلسلة "حجارة داود". وبثت لاحقا لقطات من كاميرات الجنود أنفسهم تُسمع فيها صرخاتهم.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر