خاص / شهاب
في أزقة البلدة القديمة بالقدس المحتلة، تتكرر مشاهد الاعتداء على المسيحيين ورجال الدين، من البصق والشتائم والمضايقات في الشوارع، إلى الضرب ورشق الكنائس والأديرة بالحجارة وتخريب الممتلكات والمقابر، في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل الأوساط الكنسية من تحول هذه الاعتداءات إلى سلوك متكرر يستهدف الوجود المسيحي في المدينة، ولا سيما في الحي الأرمني الذي شهد خلال الفترة الماضية عددًا من الاعتداءات والمضايقات.
اتساع الظاهرة
وفي أحدث هذه الوقائع، تعرض دير القديس يعقوب في الحي الأرمني بالبلدة القديمة خلال أغسطس/آب الماضي لهجوم من مستوطنين "إسرائيليين"، أظهرت تسجيلات مصورة عددًا منهم وهم يبصقون عند مدخل الدير ويرشقون المبنى بالحجارة، في مشهد أعاد إلى الواجهة سلسلة طويلة من الاعتداءات التي طالت رجال الدين والكنائس والأديرة المسيحية في القدس المحتلة.
وقالت محافظة القدس إن المجموعة التي هاجمت الدير من المستوطنين "الإسرائيليين"، فيما أظهرت التسجيلات المعتدين أثناء تنفيذ الهجوم، مؤكدة أن الواقعة تأتي في سياق اعتداءات متكررة على الكنائس ورجال الدين المسيحيين في البلدة القديمة.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ سبقتها سلسلة من وقائع البصق والمضايقات التي استهدفت رجال الدين المسيحيين أثناء سيرهم في شوارع البلدة القديمة، وتشير التقارير التي وثقت هذه الاعتداءات إلى تورط شبان يهود متدينين من أوساط دينية قومية متطرفة في عدد كبير منها، فيما ارتبطت وقائع أخرى بمستوطنين "إسرائيليين".
وتكشف أرقام مركز روسينغ للتعليم والحوار اتساع نطاق الظاهرة، إذ وثق المركز خلال عام 2025 أكثر من 155 حادثة استهدفت مسيحيين ومؤسسات مسيحية، بينها 61 اعتداءً جسديًا و52 اعتداءً على الممتلكات والكنائس، في ارتفاع عن عام 2024 الذي سجل 111 حادثة، وهو ما يعكس، بحسب التقارير التي تناولت الدراسة، تصاعدًا في وتيرة المضايقات والاعتداءات التي يتعرض لها المسيحيون في القدس ومناطق أخرى.
وثقت صحيفة "وول ستريت جورنال" في تقرير لها خلال أغسطس/آب 2026 عددًا من هذه الوقائع، مشيرة إلى أن الاعتداءات التي كانت توصف سابقًا بأنها حوادث متفرقة أصبحت أكثر تكرارًا في القدس.
وأشارت الصحيفة إلى أنها رصدت خلال مسيرة إسرائيلية في مايو/أيار الماضي نحو 12 حادثة بصق بالقرب من الكنيسة الأرمنية في يوم واحد، استنادًا إلى تسجيلات وشهادات، في حين نقلت عن شهود ومصادر أن بعض الشبان الذين يمارسون هذه الاعتداءات ينتمون إلى أوساط دينية يهودية متطرفة تحمل خطابًا عدائيًا تجاه المسيحيين.
وتظهر شهادات رجال الدين التي نقلتها وسائل إعلام "إسرائيلية" ودولية أن البصق والشتائم أصبحت من أكثر أشكال المضايقة التي يتعرضون لها أثناء وجودهم في الشارع، خصوصًا أن الملابس الدينية والصلبان تجعلهم أهدافًا واضحة للمعتدين، فيما وثق مركز روسينغ عشرات الاعتداءات الجسدية خلال عام واحد، شملت البصق والضرب وأشكالًا أخرى من الاعتداء المباشر.
ضرب راهبة
وتجاوزت الاعتداءات في إحدى أبرز الوقائع خلال العام الجاري حدود الإهانة والمضايقة إلى الاعتداء الجسدي المباشر، عندما تعرضت راهبة كاثوليكية فرنسية للضرب في البلدة القديمة بالقدس خلال أبريل/نيسان 2026، بعدما هاجمها رجل ودفعها إلى الأرض ثم ركلها، قبل أن يتدخل أحد الموجودين في المكان.
وأوقفت شرطة الاحتلال "الإسرائيلية" المشتبه به، قبل أن تصل القضية إلى المحكمة، حيث قررت محكمة الصلح في القدس لاحقًا إعفاءه من المسؤولية الجنائية على أساس إصابته باضطراب نفسي وقت تنفيذ الاعتداء، وأمرت بإيداعه مستشفى للأمراض النفسية لمدة تصل إلى ست سنوات، فيما أكدت المحكمة، وفق ما أوردته أسوشيتد برس، وجود أدلة على ارتكابه الأفعال التي اتهم بها، لكنها قبلت الدفع المتعلق بحالته النفسية.
وأثار الاعتداء مخاوف داخل الأوساط المسيحية في القدس، خصوصًا أن الراهبة كانت ترتدي زيها الديني أثناء تعرضها للهجوم، وهو ما جعل الواقعة تُقرأ باعتبارها انتقالًا من المضايقات اليومية التي يتعرض لها رجال الدين إلى اعتداء جسدي مباشر عليهم، فيما قالت راهبة مكسيكية تقيم في القدس، في تصريحات نقلتها أسوشيتد برس، إنها أصبحت تخشى إظهار العلامات الدينية بعد الاعتداء على الراهبة الفرنسية، في ظل ما وصفته بتغير الأجواء في المدينة.
وفي يونيو/حزيران 2026، ظهرت مؤشرات جديدة على استمرار التصاعد، بعدما سجلت منظمات ترصد الاعتداءات عشرات الحوادث خلال الأشهر الأولى من العام، وقالت إن عددًا كبيرًا منها ارتبط بمتطرفين يهود من أوساط دينية متشددة، في وقت حذرت فيه جهات كنسية من أن استمرار الاعتداءات من دون ردع كافٍ يشجع على تكرارها.
ولا تقتصر الاعتداءات على الأشخاص، إذ طالت خلال السنوات الماضية الكنائس والأديرة والمقابر والرموز والممتلكات المسيحية، ويبرز هجوم أغسطس/آب على دير القديس يعقوب بوصفه أحدث الأمثلة، بعدما ظهر مستوطنون إسرائيليون وهم يبصقون عند مدخل الدير ويرشقون المبنى بالحجارة، في واقعة قالت جهات فلسطينية وكنسية إنها تأتي ضمن سلسلة اعتداءات تستهدف المؤسسات المسيحية في البلدة القديمة.
بؤرة الاعتداء
ويحتل الحي الأرمني موقعًا مركزيًا في هذه القضية، ليس فقط بسبب انتشار الكنائس والأديرة فيه، وإنما بسبب الصراع المتصاعد حول الأراضي والممتلكات التابعة للطائفة الأرمنية، والذي ترافق خلال السنوات الماضية مع اعتداءات ومواجهات داخل الحي.
ودخلت البطريركية الأرمنية في نزاع حول صفقة أرض في الحي أثارت اعتراضات واسعة داخل المجتمع الأرمني، بعدما اعتبر أبناء الطائفة أن الصفقة تهدد أراضيهم ووجودهم التاريخي في البلدة القديمة، فيما تحولت القضية إلى نزاع قضائي وسياسي تزامن مع توتر ميداني واعتداءات تعرض لها سكان وناشطون أرمن.
ولا تقف آثار الاعتداءات عند الأشخاص الذين تعرضوا لها مباشرة، إذ أظهرت دراسة نقلتها "القدس ستوري" عن مركز روسينغ أن 42% من المسيحيين في القدس قالوا إنهم يشعرون بعدم الارتياح عند ارتداء الرموز المسيحية في مناطق ذات غالبية يهودية، مقارنة بنسب أقل في مناطق أخرى، وهو ما يعكس حالة القلق التي يعيشها جزء من المجتمع المسيحي بسبب الاعتداءات والمضايقات.
وتقول شهادات نقلتها تقارير إعلامية إن رجال الدين والراهبات، بسبب ملابسهم الدينية والصلبان التي يحملونها، أصبحوا أكثر عرضة للمضايقة، خصوصًا في مناطق البلدة القديمة والحي الأرمني وجبل صهيون، حيث يتكرر احتكاكهم مع الشبان اليهود المتدينين والمتطرفين.
وتشير البيانات التي جمعها مركز روسينغ، إلى جانب تقارير الصحافة "الإسرائيلية" والدولية، إلى أن نسبة كبيرة من المعتدين في الوقائع التي جرى توثيقها هم شبان يهود متدينون من أوساط دينية قومية متطرفة، بينما نسبت جهات فلسطينية وكنسية عددًا من الوقائع الأخرى إلى مستوطنين "إسرائيليين".
ولا تتوقف الاعتداءات على المسيحيين عند حدود القدس المحتلة، إذ شهدت بلدة الطيبة الفلسطينية المسيحية في الضفة الغربية خلال الفترة المنصرمة اعتداءات اتهمت القيادات الكنسية والسكان مستوطنين إسرائيليين بتنفيذها.
وقال رجال دين إن المستوطنين أحرقوا ممتلكات قرب مقبرة وكنيسة تاريخية تعود إلى القرن الخامس، كما هاجموا منازل في البلدة، فيما طالب قادة الكنائس بتحقيق في الاعتداءات وفي أسباب عدم استجابة الشرطة الإسرائيلية لاتصالات السكان.
ونقلت رويترز عن البطريرك الأرثوذكسي اليوناني في القدس ثيوفيلوس الثالث إدانته للهجمات، فيما حذر البطريرك اللاتيني في القدس بييرباتيستا بيتسابالا من أن تصاعد العنف يدفع بعض المسيحيين إلى التفكير في مغادرة المنطقة، خصوصًا مع غياب الأفق أمام الشباب المسيحي.
تهديد التواجد المسيحي
وتكتسب الطيبة أهمية خاصة لكونها من البلدات الفلسطينية التي حافظت على حضور مسيحي بارز، وتضم مواقع دينية وتاريخية تعود إلى الحقبة البيزنطية، ولذلك أثارت الاعتداءات عليها مخاوف من أن يمتد الضغط على المسيحيين الفلسطينيين من القدس إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية.
وبالتوازي مع الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون والمتطرفون، يواجه المسيحيون الفلسطينيون أيضًا قيودًا تتعلق بالوصول إلى الأماكن المقدسة خلال الأعياد والمناسبات الدينية، وهي قضية تختلف في طبيعتها عن الاعتداءات الفردية، إذ تبرر "إإسرائيل" إن بعض هذه الإجراءات تفرض لأسباب أمنية، بينما ترى الكنائس أنها تؤثر على حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة وممارسة الشعائر.
وخلال عيد الفصح في القدس عام 2026، واجه المسيحيون الفلسطينيون قيودًا وإجراءات أمنية مشددة عند الوصول إلى البلدة القديمة وكنيسة القيامة، وسط خلاف بين السلطات الإسرائيلية والكنائس حول أعداد التصاريح الممنوحة وإمكانية وصول المصلين إلى الكنيسة.
ويأتي ذلك كله في وقت يتراجع فيه الوجود المسيحي في القدس والمنطقة بصورة مستمرة، فيما تحذر القيادات الكنسية من أن استمرار الاعتداءات والضغوط على الأراضي والممتلكات، إلى جانب القيود الأمنية والاقتصادية، يدفع مزيدًا من المسيحيين إلى التفكير في الهجرة.
وبين مستوطنين "إسرائيليين" يهاجمون مواقع مسيحية، وشبان يهود متدينين ومتطرفين يلاحقون رجال الدين بالبصق والشتائم، واعتداءات تصل إلى الضرب والتخريب، تتراكم الوقائع أمام مجتمع مسيحي يخشى أن يتحول ما يواجهه اليوم من مضايقات واعتداءات إلى واقع دائم يهدد بقاءه في القدس المحتلة.
.
