خاص /شهاب
بدأ اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في خربة "إبزيق" بالأغوار الشمالية، شرق طوباس، من داخل كرفانات حديدية نصبت بالقرب من مقر مدرستهم الأصلية لتكون بديلًا عن مدرستهم التي فقدوها تحت وطأة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين اليومية.
يجلس الأطفال في صفوف مؤقتة داخل الكرفانات، في محاولة لاستئناف عامهم الدراسي رغم الظروف التي أحاطت بمدرستهم الأصلية، ورغم الخوف الذي يرافقهم في الطريق وحتى داخل المكان الذي يفترض أن يكون آمنًا للتعلم.
لكن المساحة داخل المدرسة الجديدة ضاقت على أعداد الطلبة، ما اضطر إدارة المدرسة إلى دمج بعض الصفوف، في محاولة لاستيعابهم ضمن الإمكانات المتاحة. غير أن جمع أكثر من صف في مساحة محدودة جعل متابعة الدروس أكثر صعوبة، مع الضوضاء وقرب الصفوف من بعضها، ليصبح التركيز في الحصة تحديًا إضافيًا للأطفال ومعلميهم.
"مدرسة التحدي 10"
لكن ضيق المدرسة الحديدة بظروفها السيئة ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه الطلبة، فالوصول إلى المدرسة نفسها أصبح جزءًا من المعاناة اليومية، في ظل الحواجز والقيود التي تفرضها قوات الاحتلال على حركة الأهالي والطلبة، إلى جانب اعتداءات المستوطنين التي دفعت العائلات إلى العيش تحت تهديد دائم.
وكانت مدرسة إبزيق، المعروفة باسم "مدرسة التحدي 10"، توفر التعليم لأطفال خربة إبزيق والتجمعات والمناطق المجاورة لها، وتستقبل طلبة من أبناء سكان طوباس، ومزارعين من عائلة التركمان القادمين من مناطق في جنين، إلى جانب أبناء مربي المواشي في التجمعات المحيطة، وفق ما أوضحه أنيس دراغمة، مدير مدرسة إبزيق، في حديث عن تركيبة طلبة المدرسة وظروفها.
وفي شباط/فبراير الماضي، تعرضت المدرسة لاقتحام من مستوطنين، أقدموا على تخريب أبواب ونوافذ ومحتويات داخلية، وألحقوا أضرارًا بمرافقها ومعدات الطاقة والمياه، فيما تعرض الطريق المؤدي إليها لأعمال تجريف وإغلاق.
وأوضح عزمي بلاونة، مدير التربية والتعليم في طوباس، أن قوات الاحتلال داهمت حرم المدرسة وخربت محتوياتها، واستولت على الأدوات والمواد التعليمية، كما دمرت شبكات المياه والكهرباء والإنترنت، وأغلقت الطريق المؤدي إليها لمنع الطلاب والمدرسين من الوصول.
ولم تتوقف الاعتداءات عند حدود المبنى، إذ بات الطريق إلى المدرسة مصدر خطر على الطلبة، الذين سبق أن تعرضت وسائل نقلهم للاعتداء والرشق بالحجارة، ما دفع الجهات التعليمية إلى اتخاذ إجراءات لحماية الحافلة التي تقلهم.
ومع تكرار الاعتداءات، لم تعد المدرسة مجرد مبنى متضرر، بل تحولت إلى نقطة ضغط على الأهالي الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار صعب بين إبقاء أطفالهم في مدرسة تحيط بها المخاطر، أو الرحيل بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.
تراجعت أعداد الطلبة في مدرسة "إبزيق" مع مغادرة عائلات من الخربة، بعدما أصبحت الحياة اليومية في المنطقة أكثر صعوبة وخطورة.
وبحسب المعطيات التي أوردها عزمي بلاونة، مدير التربية والتعليم في طوباس، كانت المدرسة تضم نحو 80 طالبًا قبل موجة التهجير، فيما انخفض العدد إلى نحو 30 طالبًا أو أقل بعد مغادرة عدد من العائلات.
وهنا لا تبدو قضية المدرسة منفصلة عن قضية السكان؛ فكل عائلة تغادر الخربة تأخذ معها أطفالًا كانوا جزءًا من المدرسة، وكل اعتداء على المدرسة أو الطريق المؤدي إليها يضيف سببًا جديدًا يدفع الأهالي إلى الرحيل.
وتشير المعطيات إلى تهجير عشرات العائلات من المنطقة، في تطور يهدد بإفراغ التجمع من سكانه تدريجيًا، ويضع استمرار التعليم أمام خطر حقيقي.
ويقول أنيس دراغمة، مدير المدرسة، إن اعتداءات المستوطنين انعكست على المدرسة بشكل مباشر، بعدما تهجر الأهالي وانتقل أبناؤهم معهم، موضحًا أن المدرسة صمدت نحو أربعة أشهر قبل أن يعتدي عليها المستوطنون ويدمروا محتوياتها وينهبوا ما فيها ويقطعوا الطريق الواصل إليها.
ولمنع انقطاع الأطفال عن التعليم، جرى نقل العملية التعليمية إلى كرفانات في موقع آخر، في محاولة لإبقاء المدرسة قائمة ولو بصورة مؤقتة.
غير مهيأة
لكن الكرفان الذي جاء كحل لإنقاذ العام الدراسي لا يوفر بيئة مدرسية طبيعية؛ فالمساحة محدودة، والصفوف متقاربة، وبعضها مضطر للعمل في المكان نفسه، فيما تبقى ظروف الطقس عاملًا آخر يزيد صعوبة الدراسة، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف والظروف القاسية في الشتاء.
ويشير أنيس دراغمة، مدير المدرسة، إلى أن الطلبة باتوا يدرسون في غرف متنقلة غير مهيأة بصورة كافية للظروف الجوية، في وقت فرضت فيه الاعتداءات والتهجير الانتقال من المدرسة الأصلية إلى الموقع الجديد.
ومع ذلك، لم يكن أمام الأطفال كثير من الخيارات. فإما أن يتعلموا داخل هذه الغرف الحديدية، أو ينقطعوا عن المدرسة كما حدث مع أطفال آخرين غادرت عائلاتهم المنطقة.
ولا ينتهي قلق الأطفال عند الوصول إلى الكرفان فبحسب شهادات نقلتها التغطيات الميدانية، ما زال الطلبة يعيشون تحت وطأة الخوف من اقتحامات قوات الاحتلال واعتداءات المستوطنين، فيما يواجه بعضهم صعوبات وحواجز أثناء التنقل إلى المدرسة.
وتقول الطفلة همسة صوافطة إن الخوف ما زال يرافقهم حتى بعد الانتقال إلى المدرسة الجديدة، موضحة أن المستوطنين يقتحمون المنطقة بصورة متكررة، وأنها لا تشعر بأن الخطر انتهى بمجرد انتقالهم إلى الكرفانات.
وتضيف أن الخوف يمتد إلى أماكن سكنهم وتعليمهم معًا، إذ تخشى أن يقتحم المستوطنون الخيام التي يقيمون فيها أو الكرفان الذي يتعلمون داخله في أي لحظة.
أما الطالب أيهم صوافطة، فيحمل معه ذاكرة مختلفة عن الخوف، تعود إلى المدرسة القديمة في خربة إبزيق، حين اقتحمتها قوات الاحتلال وحاصرت الأطفال داخلها قبل أن تُخرجهم منها، في مشهد بقي حاضرًا في ذاكرته حتى بعد انتقالهم إلى المدرسة الجديدة.
ويقول أيهم إن الخوف لم ينتهِ مع مغادرة المدرسة القديمة، إذ ما زالت قوات الاحتلال تعترض طريقهم أثناء توجههم إلى المدرسة الجديدة، وتُجبرهم في مرات عديدة على العودة، ليجد الأطفال أنفسهم أمام احتمال فقدان يومهم الدراسي بسبب ما يحدث في الطريق.
ما يجري في إبزيق يتجاوز مسألة نقل مدرسة من مبنى إلى كرفانات. فالمدرسة هنا جزء من حياة تجمع فلسطيني يعيش في منطقة الأغوار الشمالية، حيث تتقاطع قيود الحركة واعتداءات المستوطنين والتهجير مع أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
ويؤكد عزمي بلاونة، مدير التربية والتعليم في طوباس، أن استهداف المدرسة تكرر أكثر من مرة، وأن الاعتداءات والاقتحامات تعيق العملية التعليمية في المنطقة.
وبينما يبدأ الأطفال في أماكن أخرى عامهم الدراسي داخل مدارسهم، يدخل أطفال إبزيق صفوفهم المؤقتة وهم يعرفون أن المدرسة التي تركوها لم تكن مجرد مبنى، وأن فقدانها جاء ضمن سلسلة من الأحداث التي طالت المنطقة وسكانها.
ستة اعتداءات يومياً
وتأتي معاناة أطفال "إبزيق" ضمن واقع أوسع يواجهه التعليم الفلسطيني في الضفة الغربية؛ إذ وثّق قطاع التعليم خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 224 حادثة مرتبطة بالتعليم، طالت 152 مدرسة وأثرت في أكثر من 20 ألف طالب وطالبة و859 من العاملين في القطاع التعليمي.
وبالتزامن تشير "اليونيسف" إلى أن أكثر من 1,700 طفل فلسطيني نزحوا منذ بداية العام بفعل عنف المستوطنين وقيود الحركة وعمليات الهدم، فيما سجلت الأشهر الستة الأولى من العام متوسط ستة اعتداءات للمستوطنين يوميًا في الضفة الغربية.
وبذلك لا تبدو إبزيق حالة منفردة، بل جزءًا من نمط أوسع تتقاطع فيه الاعتداءات على المدارس والطلبة مع تهجير العائلات وعرقلة الوصول إلى التعليم، لتتحول المدرسة في بعض التجمعات الفلسطينية إلى مساحة أخرى من مساحات الصراع على البقاء.
لكن بالنسبة لأطفال إبزيق، تختصر الكرفانات الحديدية المشهد كله؛ مدرسة فقدوها، وصفوف ضاقت بهم، وطريق يخيفهم، ومستوطنون يطاردون تفاصيل حياتهم، ومع ذلك يحملون حقائبهم كل صباح ويحاولون أن يتعلموا.
