تقرير – شهاب
يصادف اليوم، السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، مرور ثلاثة أعوام على مجزرة مستشفى المعمداني، التي ارتكبها الاحتلال وأسفرت عن استشهاد نحو 500 فلسطيني وإصابة مئات آخرين، في واحدة من أبشع المجازر التي شهدها قطاع غزة خلال حرب الإبادة "الإسرائيلية".
وبعد ثلاثة أعوام على المجزرة، لا تزال الأسئلة قائمة بشأن فاعلية القانون الدولي وقدرة المؤسسات الدولية على إنفاذ قواعده ومحاسبة الاحتلال عن الانتهاكات.
مشكلة النظام الدولي
وفي هذا السياق، أكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، د. رائد أبو بدوية، أن أزمة القانون الدولي بعد ثلاثة أعوام على حادثة المستشفى المعمداني ليست في غياب قواعد الحماية، بل في إخفاق المؤسسات الدولية في إنفاذها.
وقال أبو بدوية، في تصريح خاص لوكالة شهاب، إننا عندما نتحدث عن مرور ثلاثة أعوام على حادثة المستشفى المعمداني، علينا أن ننظر أيضًا إلى ما جرى في غزة خلال السنوات التي تلتها، فقد تعرضت المستشفيات والمنشآت الطبية لانتهاكات واسعة، رغم أن حمايتها من المسائل التي نظمها القانون الدولي الإنساني بصورة واضحة، مضيفا، "السؤال لا يتعلق بما إذا كان القانون يوفر الحماية، وإنما لماذا لم تكن هذه الحماية فعالة، وما الذي منع المؤسسات الدولية من القيام بدورها".
وأوضح أن القانون الدولي الإنساني لا يترك حماية المستشفيات أو الطواقم الطبية لتقدير أطراف النزاع، بل يفرض التزامات محددة بشأنها، ومع ذلك، فإن وجود الالتزام القانوني لا يعني بالضرورة أن هناك قدرة دولية على فرض احترامه، وهنا تحديدًا تظهر المشكلة التي واجهها النظام الدولي في التعامل مع الحرب على غزة.
وأشار إلى أن مجلس الأمن يمنحه الميثاق صلاحيات واسعة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، لكن الحرب على غزة أظهرت كيف يمكن للموقف السياسي لدولة واحدة أن يعطل تحرك المجلس، فالولايات المتحدة استخدمت حق النقض أكثر من مرة، رغم وجود تأييد واسع لمشروعات القرارات المتعلقة بوقف إطلاق النار.
وأضاف، أن تفسير ذلك لا يتوقف عند الفيتو نفسه، فالموقف الأمريكي مرتبط بعلاقة استراتيجية طويلة مع "إسرائيل"، وبحسابات واشنطن في المنطقة، وهذه العلاقة تؤثر في الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع أي تحرك دولي قد يفرض التزامات أو ضغوطًا على "إسرائيل".
وتابع، أن المؤسسات الدولية قد تمتلك الصلاحيات القانونية، لكن استخدامها يتوقف في كثير من الأحيان على مواقف الدول الأكثر نفوذًا، وبمعنى آخر، فإن المشكلة ليست دائمًا في ما يسمح به القانون، وإنما فيمن يمتلك القدرة السياسية على تعطيل تطبيقه.
ولفت إلى أن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا مع التطورات الأخيرة، فالولايات المتحدة التي كانت تؤدي دورًا أساسيًا في حماية "إسرائيل" دبلوماسيًا خلال الحرب، أصبحت اليوم تقود جانبًا مهمًا من ترتيبات مستقبل غزة، من خلال خطة ترامب ومجلس السلام، وما ارتبط بهما من ترتيبات أقرها مجلس الأمن في قراره 2803 لعام 2025.
وتساءل: إذا كانت واشنطن تقود الترتيبات السياسية والأمنية للمرحلة المقبلة، فكيف ستتعامل هذه الترتيبات مع مسألة المحاسبة عن الانتهاكات التي وقعت خلال الحرب؟ وهل ستكون العدالة جزءًا من هذه العملية، أم أن الاهتمام بإعادة الإعمار وإدارة القطاع سيؤدي عمليًا إلى تأجيلها؟
وأشار إلى أن الموقف الأمريكي من المحكمة الجنائية الدولية يزيد من أهمية هذا السؤال، فالعقوبات التي فرضتها واشنطن على المحكمة، وصولًا إلى استهدافها كمؤسسة في أكتوبر 2026، تعكس حجم التوتر بين المسار القضائي الدولي والحسابات السياسية الأمريكية.
وأكد أن ما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية لا يمكن وصفه بأنه مجرد عجز للمؤسسات الدولية عن حماية المدنيين، فهناك جانب سياسي واضح لهذا العجز، يتعلق بقدرة الدول الكبرى على التحكم في القرارات الدولية أو التأثير في تنفيذها.
وأردف، أن المفارقة أن الدول التي تمتلك النفوذ الأكبر في رسم مستقبل غزة هي نفسها التي تستطيع التأثير في فرص المساءلة عن الانتهاكات السابقة، وهذه مسألة لا يمكن تجاهلها عند تقييم دور المؤسسات الدولية.
وأكمل أن القانون الدولي لم يكن غائبًا عما جرى في غزة، فقواعد الحماية موجودة، والمؤسسات الدولية لديها اختصاصات للتحرك، لكن ما ينقص هو القدرة على استخدام هذه الاختصاصات بعيدًا عن حسابات الدول الكبرى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحلفائها.
ضعف المساءلة
وأوضح أن ضعف المساءلة الدولية كان أحد العوامل التي ساعدت على استمرار الانتهاكات في غزة، فالمسألة لا تتعلق فقط بمعاقبة المسؤولين عن الجرائم بعد وقوعها، وإنما بما يمكن أن تتركه المحاسبة من أثر على سلوك أطراف النزاع، فعندما يدرك أي طرف أن احتمال تعرضه لعواقب قانونية فعلية يبقى محدودًا، فإن ذلك قد يشجعه على الاستمرار في ممارسات كان يفترض أن يتوقف عنها.
وذكر أنه لا يمكن القول إن المساءلة الدولية كانت غائبة تمامًا في الحالة الفلسطينية، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرتَي اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهذه خطوة قضائية مهمة، لكنها تكشف أيضًا عن حدود العدالة الدولية عندما يتعلق الأمر بالتنفيذ.
وبين أن المحكمة لا تمتلك أجهزة خاصة بها لتنفيذ أوامر الاعتقال، وإنما تعتمد على تعاون الدول، وهنا تظهر المشكلة؛ إذ يمكن أن يصدر القرار القضائي، لكن تنفيذه يظل مرتبطًا بمواقف الدول واستعدادها للتعاون مع المحكمة، وإذا كانت بعض الدول تمارس ضغوطًا على المؤسسة القضائية نفسها، فإن الوصول إلى المساءلة يصبح أكثر تعقيدًا.
وأشار إلى أن هذه المسألة تفسر جانبًا من استمرار الانتهاكات، فحين يرى طرف في النزاع أن الإجراءات القضائية لا تترتب عليها نتائج مباشرة، وأن لديه علاقات سياسية يمكن أن تحد من آثارها، فقد يتراجع لديه الشعور بأن هناك كلفة قانونية حقيقية للاستمرار في انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني.
وأكد أن المادة الأولى المشتركة بين اتفاقيات جنيف لا تكتفي بإلزام الدول باحترام الاتفاقيات، بل تلزمها أيضًا بضمان احترامها، وهذا يعني أن الدول التي تمتلك نفوذًا على أطراف النزاع مطالبة باستخدام الوسائل المشروعة المتاحة لها للمساعدة في منع الانتهاكات، وليس الاكتفاء بإعلان مواقف سياسية بشأنها.
وقال إن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية بالنظر إلى حجم الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لـ " إسرائيل"، فالسؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت واشنطن تدعمها سياسيًا، وإنما أيضًا بمدى انسجام سياساتها مع الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي الإنساني، خصوصًا عندما تكون هناك تقارير واتهامات جدية بوقوع انتهاكات جسيمة.
وأشار إلى أن الحديث اليوم عن إعادة إعمار غزة، وترتيبات أمنية وإدارية جديدة، وعن دور دولي في إدارة المرحلة المقبلة، يتطلب الانتباه إلى أن التركيز على هذه القضايا قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالمحاسبة عن الجرائم التي وقعت خلال الحرب.
وشدد على أن إعادة إعمار المستشفيات والمنازل، على أهميتها، لا تعني أن المسؤولية عن تدميرها قد انتهت، وكذلك فإن الوصول إلى تفاهمات سياسية لا يلغي حقوق الضحايا، ولا ينهي المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية، ويمكن العمل على الاستقرار وإعادة الإعمار بالتوازي مع التحقيق والمساءلة، دون أن يكون أحدهما بديلًا عن الآخر.
وحذر من أن الخطر لا يكمن فقط في أن يفلت المسؤولون عن الانتهاكات السابقة من المحاسبة، بل في أن يصبح غياب المحاسبة جزءًا من الحسابات السياسية لأطراف النزاع، فإذا أصبح الاعتقاد السائد أن التفاهمات السياسية يمكن أن تتجاوز المسؤولية القانونية، فإننا نكون أمام مشكلة قد تمتد آثارها إلى نزاعات أخرى، وليس إلى الحالة الفلسطينية وحدها.
وشدد على أن المساءلة يجب ألا تكون ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد الانتهاء من ترتيبات غزة، فالمطلوب ليس فقط معالجة ما خلفته الحرب من دمار، وإنما أيضًا ضمان ألا تتكرر الانتهاكات التي أدت إلى هذا الدمار، وهذا لا يتحقق بمجرد إصدار القرارات أو فتح التحقيقات، بل يحتاج إلى تعاون دولي جدي يسمح باستكمال الإجراءات القانونية وتنفيذ نتائجها.
وأضاف أن ما جرى في غزة أظهر أن وجود القواعد القانونية والمؤسسات المختصة لا يكفي وحده لحماية المدنيين، ما لم تتوافر الظروف السياسية التي تسمح باستخدام الصلاحيات القانونية بصورة فعالة.
وأكد أنه مع البحث في مستقبل القطاع، لا ينبغي أن تقتصر الجهود الدولية على إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية والإدارية، بل يجب أن تشمل أيضًا التحقيق والمساءلة وضمان حقوق الضحايا.
وبين أن المشكلة ليست أن القانون الدولي لم يضع قواعد لحماية المدنيين، وإنما أن المؤسسات المكلفة بتفعيل هذه القواعد تعمل داخل نظام سياسي لا يتيح دائمًا إنفاذها بالقدر نفسه على جميع الأطراف، وهذه، في تقديره، إحدى أهم المسائل التي تكشفها الذكرى الثالثة للمعمداني.
وترتكب "إسرائيل" حرب إبادة جماعية في قطاع غزة بدعم أمريكي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما أسفر عن استشهاد 74,469 مواطنًا وإصابة 175,492 آخرين.
