محمد يزيد الناظر

اقتصاد الندرة.. كيف يتحكم 30 تاجرًا بمصير 2.2 مليون مستهلك

في غزة لم يعد التسعير يخضع لقانون العرض والطلب، بل لقانون الندرة والاحتكار. *سوق يضم أكثر من 2.2 مليون نسمة تتحكم به فعلياً أقل من 30 عائلة تجارية تمتلك حق التنسيق لإدخال البضائع* عبر معبر كرم أبو سالم.

قبل السابع من أكتوبر، كان يدخل غزة يومياً ما معدله 500 شاحنة، وكانت كتلة الرواتب والأجور التي تدور في السوق تتجاوز 1.2 مليار شيكل شهرياً، أي ما يعادل 350 مليون دولار. اليوم، وبحسب تقديرات وزارة المالية ومعهد ماس، انكمشت هذه الكتلة إلى 400-450 مليون شيكل فقط، أي ما بين 129 و145 مليون دولار. هذا الانكماش بنسبة 60% هو جوهر الأزمة.

تكون هذه الكتلة الجديدة من ثلاثة مصادر فقط: حوالي 250-300 مليون شيكل من رواتب موظفي السلطة الذين يتقاضون 60% من رواتبهم، و80-120 مليون شيكل من رواتب المنظمات الدولية وغير الحكومية التي تدفع بالدولار، والبقية من المساعدات النقدية المباشرة. أما القطاع الخاص التقليدي الذي كانت كتلة أجوره 400 مليون شيكل، فقد انهار إلى أقل من 50 مليون شيكل.

هنا تبدأ معادلة التاجر. سعر كيلو السكر مثلاً لا يحسب كـ (سعر الشراء + هامش ربح 10%)، بل كـ (سعر الشراء + تكلفة مخاطرة + تكلفة احتكار).

تكلفة المخاطرة حقيقية: الشاحنة التي كانت تكلف 3 آلاف شيكل نقلاً، أصبحت تكلف 15-20 ألف شيكل بسبب التأمين والمخاطر والانتظار لأكثر من 20 يوماً، ونسبة التلف للمواد الغذائية تصل إلى 40% لعدم وجود تبريد.

لكن تكلفة الاحتكار هي الأخطر. عندما يغلق المعبر لأسبوع، لا يخسر التاجر، بل يربح. هو يعلم أن في السوق 400 مليون شيكل كاش يجب أن تنفق على الأكل هذا الشهر. فإذا خزن بضاعته ليومين، فإن منحنى الطلب غير المرن سيجبر المواطن على دفع 80 شيكلاً لكيلو السكر بدلاً من 8 شواقل.

هذا ليس قراراً عشوائياً، بل هو احتكار قلة (Oligopoly) بامتياز. التجار لا يحتاجون إلى الاجتماع في غرفة واحدة. السوق صغير ومعزول، والمعلومة متاحة للجميع: الجميع يعلم متى تنزل الرواتب، وكم عدد الشاحنات المسموح بها. فعندما يقرر تاجران كبيران تأخير إخراج بضاعتهما من المخازن، يرتفع السعر تلقائياً.

النتيجة أن *التضخم في غزة ليس تضخماً نقدياً سببه كثرة النقود، بل تضخم ندرة سببه قلة المعروض واحتكار المتاح*. الحل لا يكون بمناشدة ضمير التاجر، بل بكسر الاحتكار عبر فتح المعابر بشكل مستدام، والسماح بدخول 300 شاحنة يومياً على الأقل، وإعادة نظام المنافسة، لأن السوق المغلق لا ينتج إلا تجار أزمات.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر