خاص / شهاب
في الوقت الذي تعيش فيه ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك أجواء كأس العالم 2026، وتتجه أنظار مليارات المشجعين إلى المنافسة على اللقب العالمي، تخوض الرياضة الفلسطينية مباراة من نوع آخر؛ معركة للبقاء في ظل حرب حوّلت الملاعب إلى أنقاض، واللاعبين إلى ضحايا.
وتأتي هذه النسخة من كأس العالم وسط واحدة من أكثر النسخ إثارة للجدل سياسياً وحقوقياً، إذ تتزامن مع استمرار الحرب على قطاع غزة، وما رافقها من انتقادات دولية للسياسات الأمريكية الداعمة لـ"إسرائيل"، في وقت تُرفع فيه شعارات السلام والوحدة التي لطالما ارتبطت بكرة القدم، بينما تتواصل عمليات استهداف الرياضيين الفلسطينيين وتدمير البنية التحتية الرياضية في القطاع.
قافلة الشهداء
وفي هذا المشهد المتناقض، انضم حارس مرمى نادي خدمات خانيونس، سليم خضر الأشقر (32 عاماً)، أمس الاثنين، إلى قافلة شهداء الحركة الرياضية الفلسطينية، بعدما استشهد برصاص قوات الاحتلال "الإسرائيلي" في بلدة القرارة شمال شرقي مدينة خانيونس، في جريمة جديدة تطال الأسرة الرياضية الفلسطينية.
وكان الشهيد الأشقر قد دافع عن ألوان نادي خدمات خانيونس، كما لعب خلال مسيرته الكروية مع ناديي الأقصى والمصدر، قبل أن تنهي رصاصات الاحتلال مسيرته الرياضية، بينما كان يستعد لاستقبال مولوده الأول بعد خمسة أشهر فقط على زواجه.
وأكد الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم أن الشهيد كان وحيد عائلته من الذكور بين سبع شقيقات، مشيراً إلى أن استشهاده يرفع عدد شهداء الحركة الرياضية الفلسطينية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 1009 شهداء، بينهم 567 شهيداً من أسرة كرة القدم الفلسطينية.
وبينما تتنافس المنتخبات على بلوغ الأدوار الحاسمة في كأس العالم 2026، وتعيش الجماهير فرحة الانتصارات والأهداف، تخوض كرة القدم الفلسطينية معركة مختلفة عنوانها البقاء، بعدما فقدت مئات اللاعبين والمدربين والحكام والإداريين، وتحولت ملاعبها إلى ركام، وتوقفت مسابقاتها الرياضية بفعل الحرب.
ولم يعد استشهاد الأشقر حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في مسلسل استهداف طال الحركة الرياضية الفلسطينية منذ اندلاع الحرب، وهو ما تعكسه الأرقام الصادرة عن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية.
ووفق تقرير صادر عن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية، ارتقى 1009 من أفراد الحركة الرياضية الفلسطينية في قطاع غزة بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 و30 يونيو2026، بينهم 45 سيدة. وشملت القائمة لاعبين ومدربين وحكاماً وإداريين وأعضاء مجالس إدارات وعاملين في الاتحادات والأندية والمؤسسات الرياضية والكشفية.
وبيّن التقرير أن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم كان الأكثر تضرراً بفقدان 567 من كوادره ومنتسبيه، يليه الاتحادات الأولمبية المختلفة بـ317 شهيداً، ثم جمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية بـ125 شهيداً.
كما وثقت تقارير رياضية فلسطينية استشهاد مئات لاعبي كرة القدم وحدهم، بينهم أطفال وناشئون كانوا يمثلون مستقبل الرياضة الفلسطينية.
ولم تقتصر الخسائر على العنصر البشري، إذ تعرضت البنية التحتية الرياضية في غزة لدمار واسع النطاق. وتشير أحدث إحصائيات اللجنة الأولمبية الفلسطينية إلى تضرر 265 منشأة رياضية، بينها 184 منشأة دُمّرت بالكامل و81 منشأة تعرضت لأضرار جزئية.
وشملت الخسائر ملاعب كرة القدم، والصالات الرياضية، والمقار الإدارية للأندية والاتحادات، وملاعب كرة السلة والطائرة والتنس، والمسابح، ومراكز اللياقة البدنية، إضافة إلى المضمار الوحيد لألعاب القوى في القطاع.
وفي تقديرات أخرى صادرة عن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في غزة، ارتفع عدد المنشآت الرياضية المتضررة كلياً أو جزئياً إلى نحو 269 منشأة، فيما لم يبق صالحاً للاستخدام سوى عدد محدود جداً من الملاعب.
فرصة للبقاء
وخلال الحرب، تحولت بعض أبرز الملاعب الفلسطينية إلى مراكز لإيواء النازحين بعد تدمير الأحياء السكنية. ومن بين هذه المنشآت ملعب اليرموك، وملعب فلسطين، وملعب الدرة، التي كانت تُعد من أهم المرافق الرياضية في القطاع قبل أن تتحول إلى أماكن تؤوي آلاف العائلات التي فقدت منازلها.
كما تعرض ملعب اليرموك، أحد أقدم الملاعب الفلسطينية، لأضرار جسيمة خلال الحرب، بعدما كان لسنوات مركزاً رئيسياً للأنشطة الرياضية والمباريات المحلية.
ويرى مسؤولون رياضيون فلسطينيون أن الخسائر تتجاوز الأرقام والإحصاءات، إذ أدت الحرب إلى تعطيل برامج إعداد الرياضيين، وتوقف البطولات والمسابقات، وحرمان آلاف الأطفال والشبان من حقهم في ممارسة الرياضة والتدريب.
وفي الوقت الذي تستضيف فيه الولايات المتحدة الجزء الأكبر من مباريات كأس العالم 2026، وتستقبل الجماهير والمنتخبات في أكبر احتفال كروي على مستوى العالم، لا يزال الرياضيون في غزة يبحثون عن ملعب صالح للتدريب، أو نادٍ قادر على استئناف نشاطه، أو حتى فرصة للبقاء على قيد الحياة.
وبينما يحتفل العالم بالأهداف والألقاب، وتُعزف الأناشيد الوطنية في ملاعب المونديال، تظل غزة شاهدة على واحدة من أكبر الكوارث التي أصابت قطاعاً رياضياً بأكمله في العصر الحديث. فهناك، لا تُكتب أسماء اللاعبين في قوائم المنتخبات، بل تُضاف تباعاً إلى قوائم الشهداء، في مفارقة تجسد الفجوة بين عالم يحتفي بكرة القدم، وواقع يحرم فيه الاحتلال "الإسرائيلي" الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في الحياة والرياضة.
