ابنه حبيب غيّر حياته

تقرير المهندس أحمد ديب من غزة ابتكر عالمه الافتراضي من لا بتوب مستعار

المهندس أحمد ديب من غزة ابتكر عالمه الافتراضي من لا بتوب مستعار

خاص – شهاب

من لا بتوب كان يستعيره من أصدقائه، بدأ المهندس أحمد محمد فيصل ديب رحلته في عالم صناعة الألعاب، قبل أن يصل إلى تطوير ألعاب لمنصات عالمية، والعمل في الواقع الافتراضي والمحاكاة، وتدريب الأطفال والطلبة، وصولًا إلى إنشاء مركز للبيئة الافتراضية والواقع الافتراضي في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.

رحلة بدأت بشغف طفل في غزة بألعاب مثل "GTA" و"IGI"، وانتهت بمشروع يسعى من خلاله إلى تعليم جيل جديد صناعة التكنولوجيا، لا استهلاكها فقط. وبين البداية والوصول، مرّ ديب بالدراسة، وضيق الإمكانات، والعمل الحر، ثم الزواج والأبناء، والحرب والنزوح، لكنه ظل متمسكًا بفكرته.

منذ طفولته، كان لدى ديب شغف كبير بالكمبيوتر والألعاب. كان يلعب ألعابًا مثل "GTA" و"IGI"، لكنه لم يكن يتعامل معها كلعبة فقط، بل كان دائمًا يسأل نفسه: كيف صنعوا هذا العالم؟ كيف برمجوا حركة الشخصيات والسيارات؟ وكيف بنوا المهمات والذكاء الموجود داخل اللعبة؟

ظلت هذه الأسئلة تكبر معه، وكل لعبة جديدة كان يراها تزيد فضوله وحماسه للدخول إلى هذا العالم.

بعد اجتيازه الثانوية العامة، التحق ديب بالكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، ودرس تخصص البرمجيات وقواعد البيانات بدرجة الدبلوم. ومنذ بداية دراسته، زاد شغفه عندما بدأ يتعرف إلى كتابة الأكواد، وتخزين البيانات واسترجاعها، وصناعة صفحات الويب، وحماية المعلومات، وكيفية اتصال الأجهزة ببعضها من خلال بروتوكولات مثل "TCP" و"UDP".

لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما درس مادة متعلقة بصناعة الألعاب باستخدام محرك "Unity". وقتها شعر أنه بدأ يفهم الإجابة عن السؤال الذي رافقه منذ طفولته: كيف تُصنع الألعاب؟

بدأ يتعلم كيف تتحول الفكرة إلى لعبة، وكيف يُبنى العالم الافتراضي، وكيف تتم برمجة الحركة والتفاعل والشخصيات والمراحل، واتسعت رؤيته للمجال، وأصبح يرى أن صناعة الألعاب ليست مجرد ترفيه، بل عالم يمكن استخدامه في التعليم والتدريب والعلاج والمحاكاة.

لا بتوب الأصدقاء

لم يكن الطريق سهلًا، إذ لم يكن لدى ديب في ذلك الوقت جهاز لا بتوب قوي أو مناسب لتطوير الألعاب بسبب الظروف المادية.

ويقول ديب، في حديث خاص لوكالة شهاب، إن والديه كان لهما الدور الأكبر في استمراره، إذ كانا يقتطعان من راتب الشؤون الاجتماعية لتوفير ما يحتاجه من أجل مواصلة تعليمه.

وكان يستعين أحيانًا بلا بتوب أحد أصدقائه لإنجاز مهامه وتطبيق ما يتعلمه، فيما كانت الكلية الجامعية توفر مختبراتها وأجهزتها للطلبة، لأنها كانت تعرف أن كثيرًا من الطلاب لا يستطيعون شراء أجهزة خاصة.

ويؤكد ديب أن هذا موقف لا ينساه للكلية، لأنها لم تقدم لهم العلم فقط، بل وفرت الأدوات التي ساعدتهم على الاستمرار.

وتخرج من الدبلوم عام 2015، لكن التخرج بالنسبة إليه لم يكن نهاية الدراسة، فبدأ يبحث على الإنترنت ويتعلم بنفسه ويطور قدراته في البرمجة وصناعة الألعاب.

وفي عام 2016، أكمل دراسته مع أحد أصدقائه للحصول على درجة البكالوريوس من جامعة فلسطين، وتخرج عام 2019.

وخلال سنوات الدراسة، كان يعمل في العمل الحر، وحصل أيضًا على عقد سنوي للعمل في المحكمة الشرعية، فكان يدرس ويعمل ويحاول التوفيق بين مسؤولياته، دون أن ينطفئ شغفه بصناعة الألعاب.

وكان يتابع المطورين وصناع الألعاب، ويتواصل معهم ويسألهم، ويقول إن كثيرًا منهم ساعدوه في الشرح وفهم المشكلات التي كانت تواجهه، وكان مؤمنًا بأن كل مشكلة يحلها تقربه خطوة من حلمه.

أولى الألعاب

في عام 2017، تمكن ديب من صناعة أول لعبة سباق سيارات، كما عمل على لعبة للزومبي.

ويقول إن هذه المشاريع ربما كانت بسيطة بالنسبة لغيره، لكنها بالنسبة إليه كانت إنجازًا كبيرًا، لأنها كانت أول مرة يرى فيها أفكاره تتحول إلى ألعاب حقيقية يمكن تشغيلها وتجربتها.

وفي الفترة نفسها، بدأت تقنيات الواقع الافتراضي بالانتشار، وهو ما جذبه إليها، فلم يكتفِ بمشاهدة الفيديوهات عنها، بل بدأ يبحث ويتعلم ويجرب، ويفكر في كيفية إدخال هذه التقنية إلى غزة وتعريف الناس والطلبة بها.

وبعد محاولات كثيرة، استطاع شراء نظارة "Oculus Rift" من مصر. وعندما وصلت النظارة، شعر أن حلمًا كبيرًا بدأ يتحقق، فنظم أول فعالية له في إحدى القاعات خلال احتفالات رأس السنة، وبدأ الناس يجربون الواقع الافتراضي لأول مرة.

ويذكر أنه كان سعيدًا وهو يرى الدهشة والفرحة على وجوه الناس، ويسمع أسئلتهم وتعليقاتهم، ومن تلك الفعالية بدأ اسمه ينتشر أكثر في مجال الألعاب والواقع الافتراضي.

لعبة تصل إلى منصات عالمية

واصل ديب تطوير الألعاب والمشاريع، فعمل على ألعاب عادية وألعاب جماعية "Multiplayer"، وألعاب ألغاز وألعاب استراتيجية وألعاب شبيهة بألعاب الحلوى، إلى جانب تجارب مختلفة في المحاكاة والواقع الافتراضي.

وفي عام 2019، دخل مرحلة جديدة من حياته، فتزوج، وبعدها رزقه الله بابنه البكر حبيب. وبعد فترة، عرف أن حبيب من أطفال طيف التوحد.

ويقول إن وجود حبيب في حياته غيّر نظرته إلى أشياء كثيرة، وأصبح ينظر إلى التكنولوجيا بشكل مختلف، ويفكر في كيفية استخدام الألعاب والواقع الافتراضي لمساعدة الأطفال، وليس فقط للترفيه.

ومن هنا بدأ يعمل ويفكر في مشروع يوظف الألعاب والتقنيات التفاعلية في دعم أطفال التوحد ومتابعة استجاباتهم، مع قناعته بأن أي مشروع علاجي يجب أن يتم بالتعاون مع المختصين في المجال الصحي والنفسي.

بعدها عمل ديب على لعبة "Master Hero" لصالح شركة سعودية، ووصلت اللعبة إلى منصات متعددة، منها "PlayStation وXbox وSteam" ومنصات أخرى.

ويبين أن دوره لم يكن مجرد تصميم لعبة بسيطة، بل دخل في تفاصيل تطوير اللعبة وبرمجة أدوات التحكم وتجهيزها للعمل على منصات الألعاب المختلفة، والتعامل مع متطلبات النشر وسيرفرات سوني.

وبحسب ما كان معروفًا ومتاحًا حوله في ذلك الوقت، كان من أوائل المطورين في غزة الذين خاضوا تجربة تطوير لعبة لمنصة "PlayStation"، وبرمجة وحدات التحكم، وتجهيز اللعبة للنشر على أنظمة وسيرفرات سوني.

ووصلت قيمة عمله في المشروع إلى نحو "35 ألف دولار"، وكان هذا أكبر مبلغ يحصل عليه من مشروع واحد في ذلك الوقت.

ويشير إلى أن قيمة المبلغ بالنسبة إليه لم تكن في الرقم فقط، بل كانت دليلًا على أن التعب والتعلم المستمر يمكن أن يتحولا إلى فرصة حقيقية، وأن مطورًا من غزة يستطيع العمل مع شركات خارجية وإنتاج مشروع يصل إلى منصات عالمية.

من تطوير الألعاب إلى تدريب الأطفال

في عام 2021، رزق ديب بابنه الثاني كنان، وكانت ولادته رزقة وفرحة جديدة في حياته.

وفي تلك المرحلة، توسع عمله أكثر، وعمل مع عدد من الشركات والجهات، كما عمل مع مؤسسة عبد المحسن القطان في تدريب الأطفال على كيفية صناعة الألعاب.

ويقول إن هذه التجربة كانت قريبة جدًا إلى قلبه، لأنه كان يرى نفسه في هؤلاء الأطفال، ويتذكر كيف كان صغيرًا يلعب ويسأل: كيف صنعوا هذه اللعبة؟ والآن أصبح هو الشخص الذي يساعد طفلًا آخر حتى يجد الإجابة ويصنع لعبته الأولى.

ويضيف، "أسست أيضًا شركة ومكانًا للتدريب باسم تكنو يونتي، كان هدفي ألا أحتفظ بما تعلمته لنفسي، بل أدرب الطلبة وأستقطب المواهب المهتمة بصناعة الألعاب وأوفر لهم بداية أفضل".

وكان يعرف شعور الطالب الذي لديه شغف وفكرة، لكنه لا يمتلك جهازًا قويًا أو لا يجد شخصًا يرشده، لذلك كان يحاول أن يكون لهؤلاء الطلبة الشخص الذي كان يتمنى وجوده بجانبه في بداية الطريق.

ومنذ عام 2019، بدأ التدريس في الجامعات وتقديم الدورات التدريبية في "Unity" وصناعة الألعاب.

ويقول إن التدريس بالنسبة إليه لم يكن مجرد وظيفة، بل وسيلة لنقل التجربة، وكان يحاول إيصال فكرة للطالب بأن البرمجة ليست أكوادًا تُحفظ للامتحان، وإنما أداة يمكن من خلالها صناعة لعبة أو تطبيق أو تجربة تحل مشكلة حقيقية.

المحاكاة والواقع الافتراضي

في عام 2020، توسع ديب أكثر في تعلم برامج وأنظمة المحاكاة، وكيفية إنشاء الصالات والغرف التفاعلية وتجارب المحاكاة والواقع الافتراضي.

وفي عام 2023، سافر إلى مصر وعمل مع شركة "Epark" في مجال المحاكاة والغرف التفاعلية والواقع الافتراضي.

ويقول إن هذه التجربة أضافت له الكثير، لأنها نقلته إلى مستوى مختلف في فهم المشاريع الكبيرة وربط البرمجة بالأجهزة وبالتجربة التي يعيشها المستخدم.

وفي العام نفسه، بدأ العمل في الكلية الجامعية مدرسًا للواقع الافتراضي، وشعر وقتها أنه عاد إلى المكان الذي بدأ منه حلمه، لكن هذه المرة مدرسًا يحمل خبرة سنوات ويحاول فتح الطريق أمام طلبة جدد.

وفي أكتوبر 2023، تغير كل شيء عندما شنت "إسرائيل" حربها المجنونة على قطاع غزة، فكان النزوح وانقطاع الكهرباء والإنترنت وفقدان بيئة العمل من أكبر التحديات التي واجهته.

وفي ظل هذه الظروف، كان السؤال بالنسبة إليه: هل النزوح والحرب وقلة الإمكانيات ستوقفه عن متابعة التكنولوجيا والعمل؟ وكان جوابه: لا.

ويقول إن الحرب عطلت المكان والأجهزة والمشاريع، لكنها لم تستطع إيقاف الفكرة، فواصل المسير والتعب والعمل والاجتهاد، وحافظ على تواصله مع أصحاب العمل والشركات خارج غزة، وحاول أن ينجز ما يستطيع إنجازه ضمن الإمكانيات المتوفرة.

ويشير إلى أن الأمر كان صعبًا جدًا، فالمطور يحتاج إلى جهاز قوي وكهرباء وإنترنت وهدوء ومكان مناسب، وهذه كلها أصبحت أشياء صعبة المنال، لكنه كان يحاول في كل مرة أن يجد بديلًا، حتى لو كان أبطأ وأصعب.

وخلال الحرب، أكرمه الله بابنه الثالث سند. يقول إن اسمه حمل معنى كبيرًا بالنسبة إليه: "ففي وسط النزوح والخوف والتعب، جاء سند ليكون فرحة وأملًا جديدًا في حياته، ويذكره بأن الحياة يجب أن تستمر مهما كانت الظروف".

مركز البيئة الافتراضية

وفي ظل هذه الظروف، وقفت الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية إلى جانب ديب، ووفرت له مكانًا مناسبًا لتسجيل المحاضرات، وساعدته في مواصلة التدريس والوصول إلى الطلبة.

ويقول إن هذا الدعم أكد له أن علاقته بالكلية لم تكن مجرد علاقة موظف بمؤسسة، بل كانت شراكة حقيقية هدفها استمرار العملية التعليمية وعدم ترك الطلبة وحدهم وسط الظروف الصعبة.

ورغم الحرب وقلة الأجهزة وصعوبة إدخال تقنيات جديدة إلى غزة، بقيت الكلية متمسكة بفكرة إيصال تقنيات الواقع الافتراضي إلى الطلبة.

ومن هنا جاءت خطوة إنشاء "مركز البيئة الافتراضية والواقع الافتراضي في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية".

وخلال فصل دراسي واحد، استطاع المركز تنفيذ عشر ورش تدريبية، خمسًا للطلاب وخمسًا للطالبات، وشملت البرمجة ومحرك "Unity" والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي وتصميم واجهات وتجربة المستخدم "UI/UX"، إضافة إلى التصوير والمونتاج.

ويوضح أنه لم يكن الهدف أن يتعلم الطالب تشغيل نظارة الواقع الافتراضي فقط، بل أن يعرف كيف يبني تجربة كاملة بنفسه، بدءًا من الفكرة، ثم التصميم والبرمجة، وصولًا إلى الاختبار والتطوير.

ويقول، عمل الطلبة على مجموعة من المشاريع، منها تجربة التجول الافتراضي داخل المسجد الأقصى، والفصل الدراسي الافتراضي، ومشروع لتوثيق تراث غزة والأماكن التاريخية والرمزية، إلى جانب مشروع تفاعلي للتعريف بعمادات الكلية وخدماتها.

ويشدد ديب على أن هذه المشاريع أكدت لهم أن الطالب الفلسطيني قادر على إنتاج التكنولوجيا وصناعة محتوى يخدم مجتمعه ويحافظ على هويته، حتى في أصعب الظروف.

ويشير ديب إلى أن أكثر ما أسعده لم يكن عدد الورش أو المشاريع فقط، بل التحول الذي رآه في الطلبة.فقد كان الطالب يبدأ بالسؤال: كيف تعمل هذه التقنية؟ وبعد التدريب والمتابعة يصبح قادرًا على القول: أنا أستطيع أن أبني تجربة بنفسي، لافتًا إلى أن هذا بالنسبة إليه هو الإنجاز الحقيقي.

اليوم، يعمل ديب مع الكلية على تشكيل فريق طلابي مبدع داخل المركز، مع التخطيط لإنشاء استوديو طلابي لصناعة الألعاب، حتى يتعلم الطالب جميع مراحل إنتاج اللعبة أو التطبيق، من الفكرة إلى التصميم والبرمجة والاختبار، ثم النشر على المتاجر.

كما يريد فتح فرص أمام الطلبة للعمل الحر، وأن يستطيعوا مستقبلًا تأسيس مشاريعهم وشركاتهم التقنية الخاصة.

ويطمح كذلك إلى توظيف الواقع الافتراضي في التمريض والتعليم والصحة النفسية والتوحد، وفي توثيق الأماكن التاريخية والأثرية التي تضررت أو أصبح الوصول إليها صعبًا.

وفي الوقت الحالي، يعمل ديب أيضًا على لعبة "كلمتي"، إلى جانب برامج ومشاريع تقنية تساعد النازحين وتسهم في تنظيم الخدمات والبيانات، ويواصل إرشاد الطلبة ومتابعة مشاريعهم وتطوير قدراتهم.

ويشعر ديب بالفخر عندما يرى مركزًا للواقع الافتراضي وطلبة يصنعون مشاريعهم بأيديهم، ويقول إنه يعرف أن كل تعب مروا فيه كان له معنى.

ووجّه رسالته إلى الطلاب بألا ينتظروا الظروف المثالية، لأنها قد لا تأتي، وأن يبدأوا بما هو موجود بين أيديهم، حتى لو كان قليلًا، وأن يسألوا ويتعلموا ويجربوا، ولا يخجلوا من الخطأ.

فهو بدأ من جهاز مستعار وإمكانيات محدودة، ثم وصل إلى تطوير الألعاب والعمل مع شركات خارجية، والمشاركة في إنتاج لعبة وصلت إلى منصات عالمية، وتدريب الأطفال والطلبة، ثم إنشاء مركز يساعد جيلًا جديدًا على دخول هذا المجال.

ويؤكد المهندس أن حلمه لا يتوقف عند مركز أو لعبة واحدة، بل أن يرى في غزة وفلسطين جيلًا لا يستهلك التكنولوجيا فقط، بل يصنعها وينافس بها، ويحكي من خلالها قصته، ويحافظ على هويته، ويقدم حلولًا حقيقية لمجتمعه.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر