خاص /شهاب
تحوّل الركام بالنسبة إلى عشرات الشبان في قطاع غزة إلى مصدر للعمل والدخل، إذ يقضون ساعات طويلة في نبشه بحثًا عن كل ما يمكن استخراجه والاستفادة منه، وفي مقدمة ذلك قضبان الحديد المدفونة داخل كتل الباطون.
ويخوض هؤلاء الشبان هذا العمل رغم مخاطره الكبيرة، في ظل احتمالات انهيار أجزاء من المباني المدمرة في أي لحظة، فضلًا عن وجود قنابل ومخلفات غير منفجرة بين الركام قد تنفجر أثناء عمليات الحفر والهدم، ما يجعل العمل وسط هذه الأكوام محفوفًا بخطر الإصابة أو الموت.
مهنة متداولة
وباتت هذه المهنة متداولة في مناطق مختلفة من القطاع، حيث يشغّل أصحاب بعض الورش عمالًا لنبش الركام واستخراج الحديد منه، قبل نقله إلى الورش لإعادة تقويمه وتجهيزه واستخدامه من جديد. ويأتي ذلك في ظل غياب كثير من المواد الأساسية عن الأسواق وصعوبة إدخال مواد البناء، إلى جانب ارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل، ما دفع الغزيين إلى البحث في المباني المدمرة عما يمكن إنقاذه وتحويله إلى مصدر رزق أو مادة يحتاجون إليها في حياتهم اليومية.
توفيق طوطح، 23 عامًا، يقضي ساعات يومه بين أنقاض المباني المدمرة، ممسكًا بمهدة ثقيلة يضرب بها كتل الباطون بحثًا عن قضبان الحديد العالقة في داخلها. يقول إن الحرب أغلقت أمامه أبواب العمل، وإن قلة المال دفعته إلى هذه المهنة، رغم ما تتطلبه من جهد وما تحمله من مخاطر.
ويحتاج إخراج القضيب الواحد إلى ضربات متواصلة لتكسير الباطون المحيط به، قبل سحبه من بين الأنقاض. ويقول طوطح إن ما يجمعه من الحديد ويبيعه يوفر له دخلًا يساعده في تدبير يومه، ولذلك يواصل العمل يومًا بعد آخر رغم التعب.
ويقول إن أكثر ما يقلقه هو عدم معرفة ما تخفيه طبقات الركام، فالمبنى الذي يبدو ساكنًا قد ينهار جزء منه مع أولى الضربات، كما يمكن أن تكون مخلفات الحرب مدفونة تحت الأنقاض. ويضيف أن العامل يضطر إلى التوقف أحيانًا ومراقبة حركة الكتل المحيطة به قبل أن يواصل التكسير.
أما أحمد عويضة، 35 عامًا، فوصل إلى هذا العمل بعد بحث طويل عن فرصة يستطيع من خلالها إعالة أسرته. يقول إن الحرب أوقفت أعمالًا كثيرة، وإنه طرق أبوابًا عدة بحثًا عن مصدر دخل، لكن دون جدوى، حتى وجد في الركام فرصة للعمل.
ويقول عويضة إن امتلاك مهدة وبعض القدرة على تحمل العمل الشاق يكفيان للبدء في هذه المهنة، إذ يتولى العامل تكسير الباطون واستخراج الحديد ثم بيعه لمن يجمعونه وينقلونه إلى الورش. ويضيف أن العائد، مهما كان محدودًا، أفضل من البقاء من دون دخل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويؤكد أن العمل لا يخلو من الخطر، فالعامل يتعامل مع مبانٍ فقدت أجزاء كبيرة من بنيتها، ولا يستطيع معرفة مدى ثبات ما تبقى منها، كما أن احتمال وجود قنابل أو مخلفات غير منفجرة بين الأنقاض يظل قائمًا. لكنه يقول إن الحاجة إلى إعالة الأسرة تجعل التراجع عن العمل أمرًا صعبًا.
ويضيف عويضة أن كثيرًا ممن يعملون في هذا المجال لم يختاروه، وإنما وجدوا أنفسهم فيه بعد فقدان أعمالهم ومصادر دخلهم، فأصبح الركام بالنسبة إليهم مكانًا للبحث عن لقمة العيش، رغم كل ما يحمله من مشقة وخطر.
فى حين يقول حسام الحداد، صاحب ورشة لتعديل الحديد، أنه اتجه إلى تشغيل عدد من الشبان بأجر يومي لنبش الركام واستخراج الحديد، بعدما شحّت المواد الخام وتوقفت كميات كبيرة من الحديد عن الوصول إلى قطاع غزة.
ويقول الحداد إن العمال ينقبون بين كتل الباطون لاستخراج القضبان، ثم تنقل إلى ورشته، حيث يجري تقويمها وتعديلها وفرزها بحسب الطول والسماكة والجودة. وبعد ذلك تباع لاستخدامها في أعمال مختلفة، منها إقامة هياكل الخيام والمعرشات، وإصلاح الأبواب والنوافذ، وترميم أجزاء من المنازل، إلى جانب أعمال أخرى تحتاج إلى الحديد.
كلفة ومشقة
ويقول إن العمل بهذه الطريقة أكثر كلفة ومشقة من الحصول على الحديد الجاهز، سواء بالنسبة للعامل الذي يقضي ساعات في تكسير الباطون، أو لصاحب الورشة الذي يحتاج إلى إعادة تجهيز القضبان قبل بيعها، لكن "لا خيارات أمامنا".
ويضيف الحداد أن ما يحدث في ورشته ليس حالة منفردة، بل صورة عن حال أصحاب مهن كثيرة في القطاع، الذين يبحثون عن بدائل للمواد التي لم تعد متوفرة. ويقول إن الناس باتت تستخدم ما تستطيع الحصول عليه، حتى لو كان الوصول إليه يتطلب جهدًا مضاعفًا وكلفة أكبر.
ويؤكد أن تشغيل الشبان في نبش الركام يوفر لهم دخلًا يوميًا، وفي الوقت نفسه يؤمن للورش مادة خام لم تعد متاحة بالطرق المعتادة، لتنشأ بذلك حلقة جديدة من العمل تبدأ من بين الأنقاض وتنتهي في الورش والمنازل والخيام.
ولا يقتصر ما يجري تحت الركام على محاولات فردية للبحث عن الحديد أو تأمين دخل يومي، بل بدأ يتشكل منه نشاط اقتصادي فرضته ظروف الحرب، بحسب الاقتصادي أحمد أبو قمر، الذي يرى أن حجم الدمار وانهيار سوق العمل دفعا آلاف الغزيين إلى التعامل مع ما تبقى من المباني المدمرة باعتباره مصدرًا للرزق والمواد في آن واحد.
ويقول أبو قمر إن ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الركام" نشأ مع اتساع الدمار وفقدان الناس لمصادر دخلهم، فأصبح الركام نفسه مجالًا للعمل، يبحث فيه الغزيون عن الحديد والأخشاب وقطع السباكة والأدوات والإلكترونيات وغيرها من المواد التي يمكن بيعها أو إعادة استخدامها، في محاولة لتعويض جزء من مصادر الدخل التي فقدوها خلال الحرب.
ويشير إلى أن هذا النشاط خلق حركة اقتصادية تمتد إلى أكثر من طرف، تبدأ بالعامل الذي ينقب بين الأنقاض، ثم تنتقل المواد إلى جامعيها وأصحاب الورش، قبل فرزها وتعديلها وإعادة بيعها أو استخدامها، ما يجعل الركام مصدرًا لسلسلة من الأعمال الصغيرة التي لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل الحرب.
ويرى أبو قمر أن إعادة استخدام هذه المواد توفر بدائل في ظل النقص الحاد في المواد الخام وارتفاع أسعار ما هو متوفر منها، كما تخفف من حجم المواد التي تبقى ملقاة في مناطق الدمار. ويقول إن بعض ما يستخرج اليوم من تحت الركام يمكن أن يدخل مجددًا في احتياجات الحياة اليومية، بدل أن يبقى جزءًا من الأنقاض.
لكن هذا النشاط، وفق أبو قمر، لا يعكس تعافي الاقتصاد بقدر ما يكشف حجم الانهيار الذي أصابه. فمع تراجع الناتج المحلي بنحو 83% وتوقف قطاعات إنتاجية واسعة، وفقدان أعداد كبيرة من الفلسطينيين أعمالهم، اضطر الناس إلى البحث عن مصادر دخل خارج الأنشطة الاقتصادية المعتادة، حتى وصل الأمر إلى استخراج مواد الرزق من بين أنقاض منازلهم وأحيائهم المدمرة.
ويصف أبو قمر "اقتصاد الركام" بأنه اقتصاد اضطراري ولد من الحاجة وليس من التخطيط، موضحًا أن العامل وصاحب الورشة والمواطن لا يملكون في كثير من الأحيان بدائل أخرى، ولذلك يلجؤون إلى ما هو متاح، مهما كانت مشقة الحصول عليه أو كلفته.
ويشير إلى أن استمرار هذا الوضع ليس حلًا طويل الأمد للبطالة أو للأزمة الاقتصادية، لكنه يمكن أن يتحول لاحقًا إلى جزء من عملية إعادة الإعمار إذا جرى تنظيم جمع وفرز المواد القابلة لإعادة الاستخدام، وإنشاء مشاريع متخصصة في إعادة تدويرها والاستفادة منها.
اقتصاد الركام
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى وجود ما بين 61 و66 مليون طن من الركام في قطاع غزة، في ظل تضرر أو تدمير نحو 371,888 وحدة سكنية، فيما قد تستغرق إزالة هذا الركام نحو سبعة أعوام في أفضل الظروف، وقد تمتد العملية إلى ما بين 10 و20 عامًا أو أكثر إذا استمرت القيود على إدخال الآليات والوقود.
وفي المقابل، تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة في قطاع غزة تجاوز 80% خلال عام 2025، بعدما كان نحو 45% قبل الحرب، مع انهيار قطاعات الإنتاج وتوقف آلاف المنشآت وفقدان مئات آلاف العاملين مصادر دخلهم.
وبين عامل يحمل مهدته ويدخل إلى مبنى مدمر بحثًا عن قضيب حديد، وورشة تعيد تقويمه، وأسرة تستخدمه في خيمتها أو لإصلاح باب منزلها، تتشكل ملامح اقتصاد جديد فرضته الحرب على سكان غزة فما كان في السابق جزءًا من مبنى أو منزل، أصبح اليوم مادة خامًا، وما خلفه القصف من حديد وخشب وأدوات بات مصدرًا للعمل والدخل، في وقت يحاول فيه الغزيون استخراج ما يمكن إنقاذه من بين الأنقاض، لا لإزالة آثار الدمار فحسب، وإنما لانتزاع لقمة العيش من مدينة مدمرة.
