تقرير عام على وقف إطلاق النار.. غزة تحت إدارة الموت وحربٌ لم تنتهِ

عام على وقف إطلاق النار.. غزة تحت إدارة الموت وحربٌ لم تنتهِ

تقرير - شهاب

بعد عام على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تشير الأرقام والوقائع الميدانية إلى نهاية الحرب، بل إلى انتقالها من القصف واسع النطاق إلى قتل واستنزاف يومي، ومن الدمار المباشر إلى حصار يؤخر عودة النازحين ويعطل الإعمار.

 

وقف النار أوقف الحرب الواسعة.. ولم يوقف الموت

قال المحلل السياسي إياد القرا إن الفلسطيني لا يحتاج إلى خبير ليعرف ما إذا كانت الحرب انتهت، إذ تكفيه رؤية أعداد الشهداء بعد الاتفاق، والخيام الممتدة فوق أنقاض الأحياء، والبيوت التي ما زالت تهدم أو تنهار، والمستشفيات التي تعمل بنصف قدرتها.

وأفادت وزارة الصحة في غزة، وفق الأرقام التي أوردها القرا، باستشهاد أكثر من 1402 فلسطينيين وإصابة 4881 آخرين منذ إعلان الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى 23 سبتمبر/أيلول 2026.

وفي تحديث لاحق، أفادت الوزارة باستشهاد 1431 فلسطينياً وإصابة 5026 آخرين حتى 30 سبتمبر/أيلول 2026، إضافة إلى انتشال جثامين 834 شهيداً من تحت الأنقاض خلال الفترة نفسها.

وقال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن القطاع لم يشهد وقفاً فعلياً لإطلاق النار بأي معيار عسكري أو إنساني، واصفاً ما جرى بأنه إعادة تموضع تكتيكي واستنزاف منخفض الكثافة، لا إنهاء للأعمال العدائية.

 

5147 خرقاً و318 يوماً من الهجمات

وثق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة 5147 خرقاً إسرائيلياً خلال عام الاتفاق، بينها القصف وإطلاق النار والاعتقالات، وفق بيان أصدره بمناسبة مرور عام على الهدنة، كما أظهر تحليل لشبكة الجزيرة أن القطاع تعرض لهجمات في 318 يوماً من أصل 354 يوماً، ولم تمر سوى 36 يوماً من دون تسجيل شهيد أو مصاب أو اعتداء.

وقال الثوابتة في حديث خاص لوكالة شهاب إن الطيران الإسرائيلي المسيّر، الاستطلاعي والهجومي، واصل التحليق على مدار الساعة، كما استمر إطلاق النار على المزارعين والصيادين والمواطنين القريبين من خطوط التماس.

وأفادت وزارة الصحة في غزة بأن ليلة 28-29 أكتوبر/تشرين الأول 2025 شهدت استشهاد 104 فلسطينيين، بينهم 46 طفلاً و20 امرأة، في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ بدء الاتفاق.

 

دمار واسع وعودة مؤجلة

قال إياد القرا إن التدمير لم يتوقف بعد توقيع الاتفاق. وأفادت الأمم المتحدة، حتى منتصف يونيو/حزيران 2026، بتضرر نحو 201 ألف مبنى، أي ما يقارب 82% من مباني القطاع، بينها أكثر من 134 ألف مبنى مدمر، إضافة إلى تضرر أكثر من 328 ألف وحدة سكنية.

وأضاف القرا أن 94% من سكان غزة ما زالوا بحاجة إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى والاحتياجات الأساسية، وأن 65% من الأسر تعيش في خيام أو مساكن مؤقتة، فيما تعرقل القيود على المعدات ومواد البناء وقطع الغيار والمولدات الانتقال من الإغاثة إلى التعافي.

وقال الثوابتة إن أكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون في خيام متهالكة، محذراً من أن 162 ألف خيمة من أصل 270 ألفاً باتت غير صالحة للاستخدام، فيما تهدد 255 بناية متصدعة بالانهيار.

 

«الخط الأصفر».. قضم بطيء للقطاع

وحذّر الثوابتة من أن الخط الأصفر تحول إلى أداة لتقليص مساحة قطاع غزة، عبر إقامة مناطق عازلة وشق طرق أمنية ونصب سواتر ترابية وإنشاء نقاط تمركز عسكرية، ما أدى إلى فصل مناطق القطاع عن بعضها.

وقال إن تمدد الخط ترافق مع تجريف أراضٍ زراعية وهدم أحياء سكنية ومنع سكانها من العودة، معتبراً أن الهدف هو تحويل غزة إلى معازل جغرافية غير قابلة للحياة وتكريس احتلال جغرافي دائم تحت ذرائع أمنية.

وأظهرت بيانات أممية أن نحو ثلث الوفيات وقعت في مناطق قريبة من الخط الأصفر، فيما قال المكتب الإعلامي الحكومي إن معظم الشهداء سقطوا داخل الأحياء السكنية.

 

مساعدات تمنع الانهيار ولا تعيد الحياة

أفاد المكتب الإعلامي الحكومي بأن 72826 شاحنة دخلت غزة خلال عام الاتفاق من أصل 210600 شاحنة إغاثة وإعمار كان يفترض دخولها، أي بنسبة تقل عن 35%. وحتى منتصف أبريل/نيسان 2026، لم تتجاوز شاحنات الوقود 1366 شاحنة من أصل 9200، وفق المصدر نفسه.

وقال القرا إن المستشفيات والمدارس وشبكات المياه تعمل بمنطق الطوارئ، فيما أجلت منظمة الصحة العالمية، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، 3172 مريضاً برفقة 5398 مرافقاً عبر معبري رفح وكرم أبو سالم منذ بدء الاتفاق.

 

مرحلة سياسية معلقة وهدنة بلا سيادة

وأفادت المعطيات المعلنة بشأن المرحلة الثانية من الاتفاق، التي يفترض أن تشمل انسحاباً إضافياً لقوات الاحتلال ونزع السلاح وإطلاق الإعمار، بأنها بقيت معلقة، فيما لم تنتشر قوة الاستقرار الدولية ولم تنسحب قوات الاحتلال، بل اتسعت سيطرتها الميدانية داخل القطاع.

وقال القرا إن ما سُمّي «مجلس السلام» لم يتحول إلى تغيير يلمسه الفلسطينيون في حياتهم اليومية، وإن الخطط بقيت أكبر من الإنجازات، بينما ظلت أسئلة التمثيل الفلسطيني والسيادة والإعمار والانسحاب بلا إجابات واضحة.

 

واشنطن تملك الضغط.. ولا تفرض السلام

ويرى المحلل السياسي صادق أبو عامر أن حرب غزة لم تُنهِ الهيمنة الأميركية، لكنها كشفت حدود قدرة واشنطن على إدارة النظام الدولي بالقوة والنفوذ وحدهما. وتظهر تجربة وقف إطلاق النار، وفق قراءته، أن الولايات المتحدة تملك القدرة على الضغط لوقف القتال، لكنها لم تنجح في تحويل الهدنة إلى تسوية سياسية مستقرة أو حماية فعلية للمدنيين.

وأظهرت دراسة «مشروع كلفة الحرب» في جامعة براون أن المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل بلغت 21.7 مليار دولار بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2025، فيما استخدمت واشنطن حق النقض في مجلس الأمن ضد مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار في غزة، وفق سجلات المجلس.

وقال أبو عامر إن هذا الانحياز أضعف الثقة بالنظام الدولي، لأن القانون الدولي بدا قابلاً للتطبيق على أطراف دون أخرى، مضيفاً أن القضية الفلسطينية عادت إلى قلب النقاش العالمي، لكن التحدي الفلسطيني هو تحويل التعاطف الدولي والفرص القانونية والدبلوماسية إلى حقوق ومكاسب فعلية.

 

غزة لا تريد هدنة تدير معاناتها

يخلص القرا إلى أن غزة انتقلت من الحرب المفتوحة إلى «إدارة طويلة للأزمة»: قتل أقل كثافة لكنه مستمر، نزوح لم ينتهِ، وإعمار مؤجل، ومساعدات تمنع الانهيار ولا تعيد الحياة. ويؤكد أن وقف إطلاق النار الحقيقي لا يبدأ عندما تصمت المدافع الكبيرة فقط، بل عندما يتوقف الموت، ويعود النازحون إلى بيوتهم، وتستعيد المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء عملها الطبيعي.

أما الثوابتة، فيطالب المجتمع الدولي بمغادرة مربع الصمت والانتقال من دور المراقب إلى دور الفاعل، وتوثيق التحولات الجغرافية والضغط لإنهاء القصف والحصار وسياسة قضم الأراضي.

وبعد عام، تقول أرقام وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي إن وقف إطلاق النار خفّض كثافة الحرب لكنه لم ينهِها، فيما يحذر القرا من أن تتحول آثار الحرب وقيودها إلى واقع دائم يحمل اسم وقف إطلاق النار.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر