3 سنوات من الإبادة واستهداف القطاع الصحي بغزة

حوار الصحة تكشف لـ شهاب أرقاما كارثية.. شلل تشخيصي وآلاف المرضى بانتظار العلاج وأزمات تهدد الحياة

مستشفى الشفاء في غزة (صورة أرشيفية)

خاص - شهاب

أكد زاهر الوحيدي، مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة الفلسطينية بغزة، أن المنظومة الصحية في القطاع تواجه واقعاً كارثياً غير مسبوق، جراء استمرار حرب الإبادة واستهداف المنشآت الطبية بشكل مباشر وممنهج على مدار ثلاث سنوات متواصلة.

وأوضح الوحيدي في حوارٍ خاص لوكالة (شهاب) أن هذا الاستهداف أدى إلى إخراج المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة المباشرة واحداً تلو الآخر، ليبقى القطاع الصحي يعمل برُمّته تحت وطأة عجز حاد وشلل شبه تام في مختلف القطاعات الحيوية، بدءاً من المشافي والأجهزة التشخيصية، وصولاً إلى أدوية الطوارئ والرعاية الموجهة للأمهات والأطفال الرضع.

وأوضح الوحيدي أن خريطة الخدمات الطبية في القطاع شهدت تقلصاً حاداً؛ حيث لا يعمل حالياً سوى اثنين وعشرين مستشفى فقط وبقدرات تشغيلية جزئية ومحدودة للغاية من أصل ثمانية وثلاثين مستشفى كانت تقدم خدماتها للسكّان قبل اندلاع الحرب.

وأشار إلى أن هذه المستشفيات العاملة تضم خمسة مستشفيات حكومية فقط، بينما توقفت باقي المشافي عن العمل بالكامل.

ولم يسلم قطاع الرعاية الأولية من هذا التدهور، حيث تراجع عدد المراكز العاملة إلى ثمانية وتسعين مركزاً من أصل مئة وسبعة وخمسين مركزاً، من بينها أربعة وعشرون مركزاً حكومياً وعشرة مراكز تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في حين تعتمد المراكز الباقية على تشغيل المؤسسات الدولية والأهلية. بحسب الوحيدي.

ولفت الوحيدي إلى أنه رغم تشغيل اثني عشر مستشفى ميدانياً خلال فترة الحرب لمساندة المنظومة المنهارة، فإن ثمانية مستشفيات ميدانية فقط هي التي لا تزال تعمل حتى اللحظة وبقدرات استيعابية محدودة تساند من خلالها مشافي وزارة الصحة.

وعن أزمة النقص الدوائي، بيّن مدير مركز المعلومات الصحية أن القطاع الصحي يئن تحت وطأة أزمات وكوارث متلاحقة تشمل شحاً خطيراً في الإمدادات والمستهلكات الطبية الأساسية.

وذكر أن نسبة العجز العام في الأدوية بلغت خمسة وأربعين بالمئة، مع تركز الأزمة في أدوية أقسام الطوارئ والعناية المركزة، وبروتوكولات العلاج الكيماوي المخصصة لمرضى الأورام، وأدوية الأمراض المزمنة التي تتجاوز نسبة العجز فيها ثمانية وأربعين بالمئة، فضلاً عن أصناف دوائية أخرى تجاوزت فيها النواقص هذه النسب بكثير.

وفي السياق ذاته، وصل العجز في المستهلكات الطبية إلى ستة وخمسين بالمئة، ولعل أبرز تلك العجوزات ما يتعلق بمستلزمات جراحة القلب المفتوح، والقسطرة القلبية، وجراحة العظام، ومستهلكات غسيل الكلى.

وكشف الوحيدي عن معاناة قطاع غسيل الكلى من شح حاد في مادة بيكربونات الصوديوم اللازمة لتشغيل الأجهزة، لاسيما أجهزة "فريسينيس" التي تشكل نحو ثمانية وأربعين بالمئة من إجمالي أجهزة الغسيل الكلوي في القطاع.

وعلى صعيد الأجهزة التشخيصية وتقنيات التصوير الطبي، كشف الوحيدي أن سلطات الاحتلال تنفذ حظراً شاملاً يمنع دخول أي جهاز طبي أو تشخيصي إلى القطاع منذ بداية الحرب، مبيناً أن هذه القيود كانت قد فرضت عملياً منذ عام 2017 وازدادت حدتها تدريجياً لترسخ واقعاً معقداً على الأجهزة المقطعية وأجهزة الرنين المغناطيسي.

وأشار إلى أن قطاع غزة كان يمتلك سبعة عشر جهازاً للأشعة المقطعية قبل الحرب، بينما لا يعمل منها اليوم سوى خمسة أجهزة فقط وبإمكانيات محدودة للغاية لخدمة أكثر من مليوني وثلاثمئة ألف نسمة، ما يفرض ضغطاً هائلاً على عمل الصيانة ويجعلها عرضة للتوقف المستمر في ظل انعدام قطع الغيار.

وأضاف الوحيدي أن الكارثة تتجلى بوضوح في شلل أجهزة الرنين المغناطيسي، حيث توقفت الأجهزة التسعة الموجودة في القطاع بالكامل عن العمل، وهو ما حرم الأطباء من إجراء التشخيصات الدقيقة لأمراض الأعصاب والعمود الفقري أو تحديد التدخلات الجراحية المناسبة، الأمر الذي انعكس سلباً على نجاعة العمليات الجراحية وزاد من طول قوائم الانتظار للمرضى الذين يتطلعون للتحويل الخارجي.

وفي ملف إجلاء المرضى والجرحى، شدد الوحيدي على أن المعاناة بلغت مستويات غير مسبوقة في ظل إغلاق المعابر، حيث يوجد حالياً واحد وعشرون ألف مريض بحاجة ماسة للإجلاء الطبي والعلاج خارج القطاع، من بينهم نحو خمسة آلاف وستمائة طفل، وألفان وثمانعمائة مريض أورام.

وتتضمن هذه الأعداد مئة وأربعاً وتسعين حالة تُصنف كحالات إنقاذ حياة عاجلة يتهددها الموت المباشر في حال لم تُنقل فوراً، إلى جانب ألفي حالة طارئة. وفق الوحيدي.

وأفاد الوحيدي بأن ألفين وسبعة وعشرين مريضاً قضوا نحبهم وهم ينتظرون فرصة السفر منذ إغلاق معبر رفح في الخامس من مايو 2024 وحتى اليوم، مؤكداً أنهم كانوا أصحاب فرصة حقيقية في التعافي لو تمكنوا من الخروج.

كما أشار إلى أن ألفاً وخمسمائة مريض سرطان توفوا خلال الحرب من أصل اثني عشر ألف مريض أورام مسجلين في القطاع، وكان من بينهم نحو ستمائة طفل، بينما لا يزال ألفان وثمانمائة مريض أورام ينتظرون فتح المعابر بفارغ الصبر.

وتابع مدير مركز المعلومات الصحية حديثه بالتركيز على الواقع الأليم الذي تكابده الفئات الأكثر هشاشة، والمتمثلة في الأمهات والأطفال. إذ أوضح أن المجاعة وسوء التغذية خلفا آثاراً تدميرية؛ حيث أودت المجاعة في عام 2025 بحياة اربعمائة وخمسة وسبعين شخصاً نتيجة سوء التغذية، من بينهم مئة وخمسة وستون طفلاً دون سن الخمس سنوات قضوا بشكل مباشر.

واستمرت هذه التداعيات في عام 2026 لتسجل إصابة ثلاثة وعشرين ألف طفل دون سن الخمس سنوات بسوء التغذية الحاد أو المتوسط، وتسجيل تسع حالات وفاة جديدة بين الأطفال للسبب ذاته.

وأكمل الوحيد قائلا إن الأمهات الحوامل يواجهن مخاطر صحية جسيمة جراء فقر الدم والأنيميا، حيث تلد ثلاثون بالمئة منهن ولادات مبكرة، مع ارتفاع ملحوظ في حالات تشوه الأجنة والإجهاضات التي سجلت أعلى معدلاتها في شهر مارس الماضي بواقع ثلاثمائة وسبع وسبعين حالة إجهاض لكل ألف ولادة.

ونوه الوحيدي إلى أن حركة الولادات شهدت تذبذباً حاداً، إذ تراجعت في بداية العام لتصل إلى ألفي ولادة فقط في شهر مارس (ما يمثل نصف المتوسط العام)، لكنها عادت لترتفع بشكل انفجاري بعد تسعة أشهر من فترة التهدئة وتوقف أوامر الإخلاء والنزوح، ليسجل الشهر الأخير ستة آلاف ومئة وسبعاً وسبعين ولادة.

وأكّد أن هذا الارتفاع المفاجئ أحدث ضغطاً واكتظاظاً شديدين على أقسام الحضانات وعناية حديثي الولادة؛ إذ لا يتوفر في القطاع حالياً سوى مئة وسبعة عشر سرير عناية وحضانة (تضم ثمانية وأربعين سرير عناية فائقة "نيكيو" من أصل أكثر من ثمانين سرير قبل الحرب، وتسعة وستين سرير عناية خاصة "سكبي") مقارنة بمئة وأربعة وتسعين سرير عناية كانت متوفرة سابقاً.

واستطرد الوحيدي مبيناً أن الوصول إلى هذه الأسرّة جاء بجهود شاقة بالتعاون مع منظمتي "اليونيسف" و"الصحة العالمية" بعد أن انخفض العدد في ذروة الحرب إلى أثنين وستين سريراً فقط، نتيجة تدمير وخروج مستشفيات رئيسية كانت تقدم هذه الخدمة الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى الأوروبي، ومستشفى النجار، ومستشفى الهلال الإماراتي، ومستشفى الدرة.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر