بـ "كمائن صيّد الجنود" وتكتيك "تدمير رأس القافلة" ..

"حيُّ الزَّيتون".. عنوان الصُّمود الفلسطينيِّ والفشل الإسرائيليِّ الذَّريع

"حيُّ الزَّيتون".. عنوان الصُّمود الفلسطينيِّ والفشل الإسرائيليِّ الذَّريع

أسقط حي الزيتون في مدينة غزة خطط رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتهجير أهالي قطاع غزة وخاصة مدينة غزة وشمالها وكسر إرادة المقاومة وتفكيك كتائبها.

والعودة السابعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي المتوغلة بريًا والتي يؤازرها تحليق كثيف لطائرات الاستطلاع ومسيرات "كواد كابتر" المزودة بالرشاشات، لحي الزيتون بمدينة غزّة، كأنها الأولى من حيث قوة المقاومة ورباطة جأش مقاتليها.

فقد تحوّل الحيّ الذي يعد من الأحياء الكبيرة في مدينة غزة، إلى "كابوس" و"جحيم" لقوات الاحتلال التي تواجه كمائن واشتباكات عنيفة مع فصائل المقاومة.

الحي الذي استمد اسمه من رمز التجذر الفلسطيني في أرضه “شجرة الزيتون” نجح مراراً في كل معاركه السابقة مع الاحتلال الإسرائيلي، في توجيه ضربات قوية للاحتلال.

ومنذ إطلاق فصائل المقاومة الفلسطينية معركة “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، برز حي الزيتون كميدان صدام والتحام مباشر بين إرادة الصمود والتحدي الفلسطينية ورفض التهجير والاستبسال في القتال والمقاومة، وبين مخططات الاحتلال في تهجير الفلسطينيين وكسر وتفكيك كتائب المقاومة.

ويعد حي الزيتون أكبر أحياء مدينة غزة، من حيث المساحة، وتعداد السكان، ويمتد من قلب المدينة القديمة باتجاه الجنوب حتى “ما بات يعرف بمحور نتساريم” وشرقا حتى “الحدود مع الأراضي المحتلة عام 48”.

ويمثل الحي الذي يعود تاريخه لما قبل التاريخ، خزانا كبيراً لأعلام الشعب الفلسطيني والأمة مثل الإمام محمد بن ادريس الشافعي، والشاعر الكبير هارون هاشم رشيد، والطفل الشهيد فارس عودة أحد رموز انتفاضة الأقصى.

وعلى مدار سنوات الاحتلال الإسرائيلي لمدينة غزة، شهد الحي مواجهات مستمرة، وبرز كأحد أهم ميادين الانكسار العسكري الإسرائيلي بعد أن طاف أطفال الحي برؤوس الجنود الإسرائيليين الذين قتلتهم المقاومة في تفجير ناقلة جند عام 2004 وتناثرت أشلائهم على مساحة واسعة من الحي.

كما فشل الإرهاب الإسرائيلي في كي وعي المواطنين في حي الزيتون حي ارتكب مجزرة عائلة السموني عام 2008، والتي خلدها الشاعر تميم البرغوثي في قصيدته “نفسي الفداء لكل منتصر حزين”.

"حي الزيتون" في الطوفان

في معركة طوفان الأقصى، وبعد أن اجتاز المقاومون الحدود والحواجز العسكري الإسرائيلية على طول شرق وشمال قطاع غزة، ومنها الحدود شرق الزيتون، تعرض الحي لهجمات جوية إسرائيلية مركزة.

هدف الهجوم الإسرائيلي على حي الزيتون لتحقيق هدفين أساسيين، سيتبين لاحقا أنهم يشكلان أبرز الأهداف الإسرائيلية من العدوان على غزة.

الهدف الإسرائيلي الأول: تهجير السكان ودفعهم باتجاه جنوب القطاع، تمهيدا لطردهم إلى شبه جزيرة سيناء المصرية، وعمل الاحتلال على ذلك ببث رسائل تهديد تطالب السكان بالنزوح الاجباري تجاه الجنوب، وتكثيف قصف تجمعات السكان والنازحين، وارتكاب مجزرة المستشفى المعمداني في 17 أكتوبر، التي لجأ إليها سكان الحي.

والهدف الإسرائيلي الثاني: القضاء على كتائب القسام وتشكيلات المقاومة الأخرى في حي الزيتون، وتفكيكها، عبر التوغل البري المباشر والذي بدأ فعلا بعد ذلك بأيام “في 27 أكتوبر 2023″، باتجاه “محور نتساريم”.

فشل القضاء على المقاومة

وعلى مدار 11 شهرا من العدوان المستمر، ركز الاحتلال الإسرائيلي كل قوته العسكرية وخططه الأمنية، لتحقيق الهدفين “التهجير، والقضاء على المقاومة” في حي الزيتون.

وتمركزت دبابات الاحتلال في أطراف الحي الجنوبية والشرقية، ونفذت أكبر عدد من التوغلات البرية في مساعي للقضاء على المقاومة التي نجحت في صدها جميعا والاستمرار في تنفيذ الهجمات المميتة والقاتلة ضد جنود الاحتلال.

المقاومة الشرسة في حي الزيتون، أجبرت الناطق باسم جيش الاحتلال على الاعتراف بصعوبة المعارك مع المقاومة، فيما قال الجنود للصحافة العبرية إنهم يقاتلون أشباحا لا يمكن رؤيتهم.

وبعد أن تمترس نتنياهو بأهمية بقاء الجيش في محور نتساريم، زاد جيشه الضغط العسكري على الحي الذي تنطلق منه معظم هجمات المقاومة على المحور.

وبدأ جيش الاحتلال منذ 11 يوما محاولة لتوسيع التوغل البري في الحي، وصولا إلى ما بعد شارع 8، ودوار دولة، إلا أن تنفيذ المقاومة لعملياتها في الخطوط الخلفية للجيش وفي عمق المنطقة التي يتمركز فيها الجيش “عملية مسجد عليين” وعملية مسجد علي بن أبي طالب”، أحبط أهداف الجيش، ودفع الجنرالات لإعلان استحالة تأمين المحور أو القضاء على المقاومة في المنطقة.

خبراء يتحدثون عن "كتيبة الزيتون" وتكتيكات "المقاومة" النوعيّة

عن تكتيكات المقاومة، يقول الخبير العسكري اللواء واصف عريقات، إن داخل الحيّ تتمترس كتيبة الزيتون، التابعة لكتائب القسام، التي تملك خبرة في حرب الشوارع والعصابات؛ ما تسبّب في أن الجيش ما زال في الجزء الجنوبي الشرقي؛ حيث الكثافة السكانية متدنية.

وأشار إلى، أن حي الزيتون متداخل مع أحياء أخرى من الغرب والشمال؛ ما يسمح بهامش واسع من حرية الحركة والتنقل والتمركز للمقاتلين الفلسطينيين.

وبحسب عريقات، يتبع المقاتلون تكتيك تدمير رأس القافلة الإسرائيلية المدرّعة وهي تندفع داخل الأزقة الضيقة لوقف تَقَدُّم باقي الرتل العسكري؛ ثم اصطياد الجنود داخل مدرعاتهم؛ لذلك اعتمدت إسرائيل على تغيير خطتها بالاندفاع داخل شوارع أوسع، مثل شارع صلاح الدين وشارعي "8" و"10".

كذلك شكّلت الفصائل ما يسمّى بـ"الفريق القتالي"، وهو مكون من 4 مقاتلين مسلحين يُكلفون بمهمات، ويختفون في الأزقة والشوارع الضيقة ضمن أساليب حرب العصابات.

وفي تحليل سابق، يقول الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء فايز الدويري، إن جيش الاحتلال الإسرائيلي لن يستطيع القضاء على كتيبة الزيتون -التي تعتبر إحدى الكتائب الضاربة للقسام- ولن يستطع السيطرة والتثبت وسيجبر على الانسحاب للخلاص من معركة خاسرة.

ويضيف الدويري -خلال تحليله للجزيرة- أن ضراوة المعارك في الزيتون تؤكد أن المقاومة تدير المعركة الدفاعية بنجاعة، وبناء على السيناريو الأسوأ رغم القوة العسكرية الساحقة للاحتلال.

ويلفت إلى أن حي الزيتون بحالة اشتباك مباشر مع قوات الاحتلال منذ اليوم الأول للمعركة البرية خاصة القاطع الجنوبي منه لأنه على تماس مباشر مع وادي غزة موطن قوات وآليات الاحتلال، مشيرا إلى أن طبيعة الأرض تساعد المقاومة على خوض معارك خلف خطوط العدو وتمنحها فرصة لمهاجمة الموجات اللاحقة من قوات الاحتلال.

ويلفت إلى أن درجة الضرر التي لحقت بفصائل المقاومة في الحرب الحالية لو كانت بليغة مثلما يدعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لانهارت هذه الكتائب، لكن هذا لم يحدث مستدلا بتصريحات لجنرالات سابقين بجيش الاحتلال.

ما أهمية حي الزيتون؟

حي الزيتون هو أكبر أحياء مدينة غزة من حيث المساحة، وثاني أكبرها من حيث عدد السكان. يقع في قلب المدينة ويحتلّ نصفها الجنوبي تقريبًا.

ويُعرف حي الزيتون ببسالة عائلاته المقاومة التي قدّمت الشهداء في كثير من الحروب على قطاع غزة، لعلّ أبرزها مجزرة عائلة السموني عام 2009، حين أمرت قوات الاحتلال 100 فرد من العائلة على التجمّع في أحد المنازل، وقصفتهم بشكل مباشر في مجزرة وُصفت بـ"الإعدام الجماعي"، استشهد على إثرها حوالي 70 فردًا، وفق تقديرات الهلال الأحمر الفلسطيني.

تتكرّر حكاية صمود الحي خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث وقف سدًا منيعًا أمام محاولات الاحتلال اقتحام مدينة غزة من المنطقة الشرقية الجنوبية.

لكنّ المقاومة أجبرت جيش الاحتلال على العودة إلى حي الزيتون مرة أخرى.

ويُعتبر حي الزيتون قريبًا من مناطق تمركز الاحتلال في جحر الديك وسط قطاع غزة، كما أنّه المنطقة الأقرب إلى الفاصل الجغرافي الذي تعمل عليه إسرائيل لفصل الشمال عن الجنوب.

وينظر الاحتلال إلى عملية حي الزيتون على أنّها "محاكاة" أو "نموذج" لتطبيق نواياه في تقسيم القطاع إلى مناطق أمنية والسيطرة على مرافق الحياة المدنية واستبعاد المنظمات الإنسانية الدولية، وإنشاء قيادة مدنية تُدير توزيع المساعدات الإنسانية.

لكن التاريخ يُثبت أن كل محاولات إسرائيل لإقامة أشكال حكم فلسطيني أو عربي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى في لبنان (جيش لبنان الجنوبي)، قد أخفقت اخفاقًا ذريعًا.

وهو ما سيتكرّر هذه المرة أيضًا، حيث تؤكد "حماس" أنّ الخطط الإسرائيلية هي "نوع من العبث والتخبط ولن تنجح بأي حال من الأحوال".

بـ "القتل" والمجازر.. تهجير قسري بحق سكانه 

وفيما يتعلق بهدف الاحتلال تهجير سكان غزة وحي الزيتون، عملت قوات الاحتلال على ضرب كل المرافق المعيشية والخدمية في الحي، وارتكاب المجازر لكسر إرادة الصمود لدى المواطنين.

ووثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم قتل عشوائي في حي “الزيتون” في جنوب شرق مدينة غزة، بهدف فرض تهجير قسري جديد على المدنيين واستكمال خطط تدمير وتفريغ مدينة غزة وشمالها من سكانها.

وأبرز الأورومتوسطي أن العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي في حي “الزيتون” تضمنت توغلًا بريًّا بآليات عسكرية وغارات جوية ومدفعية كثيفة، ما أجبر مئات العائلات على النزوح القسري، لا سيما في ظل عمليات نسف لمربعات سكنية.

وارتكبت قوات الاحتلال مجازر عديدة في الزيتون، بينها مجزرة المستشفى المعمداني، ومجازر مدرسة الفلاح، وصفد، ومدرسة جعفر، ومجزرة دوار الكويتي، ومجازر الطحين، التي قتلت فيها المواطنين الساعي للحصول على الطحين والمساعدات الغذائية، ومجزرة عائلة أبو زور، وعائلة كشكو.

كما سعى الاحتلال لتأليب عائلات الحي على المقاومة، بعد أن جوع الفلسطينيين، وحاول ابتزازها بمقايضة “الخبز” مقابل رفض حماس والمقاومة، لكنه فشل فشلا ذريعا.

الفشل الإسرائيلي عبر عنه أحد المشاركين في الوفود التي التقت وجهاء عائلات الحي، حينما نقل لقادة الاحتلال رد مختار إحدى كبرى عائلات الزيتون على الطلبات الإسرائيلي بقوله: “حماس والمقاومة ولادنا.

 

المصدر : شبكة الصحافة الفلسطينية + وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر