"ما بين نزهة صيفية" أم "مسرح للهزيمة المصيرية"، لا تزال التكهنات حول مصير "التصعيد" والهجمات "المتبادلة" والتي توصف بـ "الأعنف" في تاريخ المواجهات بين حزب الله و"إسرائيل"، على الجبهة الشمالية مع لبنان، يثير عواصف من التساؤلات حول إن كان حزب الله لا يزال قادراً على إيلام "إسرائيل" وإلحاق الضرر الكبير بها.
من جهته، أكّد الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء ركن متقاعد فايز الدويري أن حزب الله لا يزال قادرًا على إدارة المعركة الدفاعية بنجاعة وقوة رغم الضربات الإسرائيلية التي أضرت بالبعد البشري، لكنها لم تقوض قدراته القتالية.
وأوضح الدويري -خلال تحليله المشهد العسكري في لبنان- أن حزب الله وجّه اليوم 5 رشقات صاروخية كبيرة رغم الحملة الجوية الإسرائيلية المكثفة وعمليات الاغتيال التي طالت قادة عسكرين بارزين، بينهم فؤاد شكر وإبراهيم عقيل، وتفجيرات أجهزة البيجر وووكي توكي.
ووفق الخبير الإستراتيجي، فإن التنظيمات المقاتلة التي تخوض حربا لا متناظرة مع جيش نظامي يملك مقدرات كبيرة "يكون في حساباتها التعرض لضربات مؤلمة قد تجهض قوتها القتالية إذا اتجهت للنسق التقليدي".
وبناء على ذلك، توجد تعليمات ثابتة للمقاتلين بأنه في لحظة ما قد يتم فقد الاتصالات وضرب سلسلة القيادة عبر اغتيالات مركزة، "ولكن هذا لا يعني انهيار القوة القتالية، فالتخطيط مركزي ولكن التنفيذ لا مركزي"، وفق المتحدث.
وتطرق الخبير العسكري إلى المقدرات القتالية التي يمتلكها حزب الله، وفي مقدمتها القدرة الصاروخية بسبب تأثيرها على إسرائيل، إضافة إلى المدفعية والمسيرات والقوات الميدانية المنتشرة بالجنوب والبقاع الأوسط والهرمل، بجانب قوة الرضوان التي صممت لتنفيذ عمليات داخل فلسطين المحتلة.
وتتراوح القوة الصاروخية لحزب الله بين 100 ألف و200 ألف صاروخ، 80% منها غير موجه -وفق الدويري- الذي قال إن الحزب لم يستخدم بعدُ صواريخ متوسطة وبعيدة المدى.
في الجهة المقابلة، يعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما حققه -حتى اللحظة- من ضربات استباقية واغتيالات مكثفة وتفجيرات أجهزة الاتصالات واللاسلكي "إنجازات عسكرية قد تتلاشى حال دخل في حرب برية"، وفق الدويري.
ويضيف الخبير العسكري أن حزب الله -بعد 18 عاما من حرب 2006- لديه حضور كبير بالجنوب اللبناني، ونجح بتطويع الطبيعة الجغرافية لخدمة خطته الدفاعية، مشيرا إلى أنها تتركز على السيطرة على العقد القتالية بجانب بنك أهدافه.
وخلص إلى أن دخول جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى جنوب لبنان "لن يكون نزهة صيفية"، لافتا إلى أن ضربات إسرائيل استهدفت قدرات حزب الله وبيئته الحاضنة، حتى الآن، "لذلك يسير الحزب على حبل مشدود بين الحفاظ على موازنة الردع وعدم الانجرار لحرب برية".
وفي هذا السياق، قال المراسل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، يوسي يهوشع، إنّ حزب الله في عام 2006 كان يتوعد بـ "ما بعد ما بعد حيفا"، والآن "هو قادر على الإطلاق إلى ما بعد ما بعد تل أبيب أيضاً".
ورأى المراسل العسكري أن "على عكس ما يمكن توقعه، فإنّ نطاق النيران ونوعيتها لا يمثلان القدرات الكاملة لحزب الله"، مضيفاً "إنّها حرب بلا شك، لكنها ليست قريبة بعد مما يمكن أن تكون عليه".
ولكن، مع ذلك، أكّد أن "الضربات الأخيرة" التي تلقاها حزب الله على أهداف حيوية واستخبارية، لا تعني أنّه فقد القدرة على إلحاق ألم كبير بـ "إسرائيل"، مشدّداً على أن "حزب الله لم يستخدم بعد إلا 10% من قوته لاعتباراته الخاصة".
ولذلك، قال إن "النشوة التي يمكن رؤيتها بين صنّاع القرار وجزء من الجمهور يجب إعادتها إلى العليّة"، مشدّداً على أن "الوضع لا يزال معقداً وقابلاً للاشتعال، وبعض الإنجازات العظيمة لا تمحو سنة من الإخفاقات والفشل وأزمة الثقة".
فيما حذر الجنرال الإسرائيلي في الاحتياط، يتسحاق بريك، من "انهيار إسرائيل في جميع المجالات" في حال استمرار الحرب، التي وصفها بأنها حرب استنزاف.
وقال بريك لإذاعة 103FM، إن قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، "مواصلة القتال في غزة، وفي حال استمرار حرب الاستنزاف هذه (التي اتسعت مؤخرا بشكل مكثف مع حزب الله) لسنة أخرى، يوجد احتمال مرتفع بانهيار إسرائيل في جميع المجالات".
وأضاف بريك، إن (إسرائيل) الآن تزداد عزلة في هذا العالم، وعزلتها تتفاقم يوماً بعد يوم، وقد حصلنا على كل ذلك بجدارة تحت قيادة بنيامين نتنياهو ومقاولَيه المنفذَين، يوآف غالانت وهرتسي هليفي، الذين ارتكبا ويرتكبان كل خطأ ممكن لإبعاد أصدقائنا عنا.
وشدد نبي الغضب، على أنّ لا شيء سوى استبدال هؤلاء سيتيح الخروج من هذه الضائقة.
وأردف اللواء المتقاعد، "لن تتمكن "إسرائيل" من البقاء لفترة طويلة من دون مساعدة العالم الغربي المتنور المتمثل في أمريكا ودول أوروبا، لكن هؤلاء أيضاً، بدلاً من تقديم المساعدة، فقد بدأوا يبتعدون عنا، وحتى الدول الصديقة تقرر فرض حظر أسلحة على (إسرائيل) وعقوبات اقتصادية".
وأضاف أن "تفجير أجهزة البيجر عزز بشكل هائل التأكيد على استمرار حرب الاستنزاف هذه مع خطر حقيقي لحرب إقليمية متعددة الجبهات وقد تشارك فيها إيران أيضا، وهذا تحوّل سيسرع تدهور إسرائيل".
وتابع بريك أن "تفجير أجهزة البيجر وأجهزة الاتصالات التابعة لعناصر حزب الله هو حدث تكتيكي مذهل بكافة المواصفات ويدل على قدرات استخباراتية وتكنولوجية بمستوى عال جدا. وإسرائيل لم تتحمل مسؤولية ذلك لكن حزب الله يتهمها ويتعهد برد شديد جدا، ولأسفي البالغ فإنه في هذا الحدث التكتيكي لا يوجد تغيير للواقع الإستراتيجي الخطير الذي نتواجد فيه".
وقال بريك إنه التقى مع نتنياهو ست مرات، خلال الحرب، وأن "دوافع نتنياهو ليست عقلانية، وإنما انطلاقا من رغبته بالبقاء بكل ثمن. وهو مستمر في الحرب التي ليس بمقدور إسرائيل الانتصار فيها على العالم العربي. والإرهاب بدأ يسيطر على الأردن بدعم إيران وحزب الله".
وأضاف أنه "تعين على نتنياهو أن يتخذ القرار بوقف القتال غير المجدي والذي نخسر فيه مقابل حماس وألا يقرر القتال مقابل العالم العربي كله. وإسرائيل لا يمكنها الصمود لفترة طويلة من دون العالم الغربي المتنور والذي يبتعد عنا".
وفي وقت سابق، قال اللواء احتياط الجنرال "الإسرائيلي" إسحاق بريك، إن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو يحاول التّغطية على فشله أمام حركة حماس عن طريق استعراض عبثي للانتصار على حزب الله.
وأكد بريك في مقال له في صحيفة "هآرتس" العبرية، أن تصعيد حكومة الاحتلال على لبنان، رسالةُ واضحة من أن المستوى السياسي والأمني "ينثرون الرماد في العيون".
ورأى الجنرال الذي يلقب بـ"نبي الغضب الإسرائيلي" بسبب توقعه بهجوم السابع من أكتوبر، أنه "في الوقت الذي يحتفل فيه العلمانيون فإنهم لا يلاحظون جبل الجليد الضخم الذي يقترب من سفينتنا التي تبحر في بحر عاصف، وبعد قليل ستتحطم على ضلع هذا الجبل".
وأضاف "هم لا يرفعون رؤوسهم لرؤية ما يوجد حولهم وفهم وفحص ما الذي تغير ولماذا. على رأس الدولة تقف قيادة أمنية وسياسية مهووسة، أنزلت علينا كارثة 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهي لا تستثني أي خدعة أو حيلة كي تبقى وتتمسك بكرسي السلطة".
وأوضح أن الوضع الاستراتيجي لدى الاحتلال يتدهور بوتيرة سريعة في كل مجالات الحياة: الأمن، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والمناعة الاجتماعية، والتعليم والصحة".
وأكد بريك أن "إسرائيل" لم تحقق أيًا من أهداف الحرب في غزة، و"نحن لم نحقق أي هدف من الأهداف التي وضعناها لأنفسنا في بداية الحرب: القضاء على حماس وتحرير الأسرى.
ولفت إلى أن هذه حرب بدون اتجاه أو أهداف أو جدوى، وبدون قدرة على الانتصار فيها، باستثناء التدمير الذاتي الذي نتسبب به لأنفسنا إزاء عدم القدرة على الخروج من هذا المضيق".
وأوضح أنه حتى "بعد تفجير البيجرات لحزب الله وقتل قيادته العليا فإن نيران صواريخه تستمر بلا توقف". "هناك شعارات يتم إطلاقها في الهواء في قنوات الإعلام، وتتم تغذيتها بأكاذيب المستوى السياسي والمستوى الأمني التي تريد التغطية على الفشل أمام حماس عن طريق استعراض عبثي للانتصار على حزب الله".
وشدّد بريك على أنه إذا واصلت حكومة الاحتلال هذا النهج فلن تكون هنا. الطريقة الوحيدة التي بقيت لنا هي التوصل إلى اتفاق وإطلاق سراح الأسرى ووقف القتال".
وختم مؤكدًا "كل ذلك على أمل أن يوقف حزب الله أيضًا إطلاق النار. هذا الوضع سيمكن من استبدال القيادة العسكرية والسياسية بالانتخابات والانطلاق إلى طريق جديدة".
