أيقونة الصبر والاحتساب

تقرير رحيل القامة الطبية والأكاديمية الدكتور جمال نعيم بعد صراع مع المرض

الشهيد الدكتور جمال نعيم

تقرير - شهاب

أُعلن أمس الأحد في العاصمة القطرية الدوحة، عن وفاة القامة الأكاديمية والطبية الفلسطينية البارزة، الدكتور جمال نعيم "أبو أحمد"، عميد كلية طب الأسنان السابق ونقيب أطباء الأسنان الأسبق، بعد صراع طويل مع المرض وتاريخ حافل بالعطاء والتضحية، ليرحل ملتحقا بركب عائلته التي سبقتْه شهيدةً في قطاع غزة.

وفور انتشار نبأ الوفاة، خيّمت حالة عارمة من الحزن والتعاطف بين النشطاء والرواد الذين استذكروا المواقف المشرفة للطبيب الراحل، وما تكبده من تضحيات وفقدان فادح لعائلته خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، معتبرين رحيله خسارة كبيرة لأحد أعمدة العمل الأكاديمي والمهني.

وكان الدكتور باسم نعيم قد نعى شقيقه الأصغر الراحل في تدوينة مؤثرة كتب فيها: "انتقل إلى رحمة ربه في الدوحة عاصمة قطر شقيقي الأصغر والحبيب، الدكتور جمال نعيم (أبو أحمد)، عميد كلية طب الأسنان في جامعة فلسطين ونقيب أطباء الأسنان سابقاً، والد الشهداء، الرجل الصالح ولا نزكيه على الله، بعد صراع طويل مع المرض، لم نر منه إلا الصبر والثبات وحب الدين وأهله وحب فلسطين".

وأعاد رواد العالم الافتراضي تداول منشور سابق ومؤثر خطّه الدكتور جمال بصلابة وااحتساب ينعي فيه والدته وبناته وأحفاده الذين ارتقوا في مجزرة إسرائيلية، حيث قال حينها: "أخذوا مني أقماري السبعة، ولكنني بإذن الله ربحت جناناً سبعاً في الآخرة، وكرامة وعزة وفخراً في الدنيا بأن أكون ممن دفع قسطه – وراضٍ بذلك – في معركة العز التي سيكتبها التاريخ بماء الذهب، الموت ليس آخر المطاف.. ولا يعرف ذلك إلا من عرف أنها دنيا فانية مقابل خلود بلا موت في الآخرة… هانت يا أهل غزة، الفرج قادم أسرع مما تتخيلون".

وتعود تفاصيل الفاجعة التي ألمّت بالطبيب الراحل إلى السادس من يناير/كانون الثاني 2024، حين قصف طيران الاحتلال المنزل الذي نزحت إليه عائلته في مدينة دير البلح وسط القطاع، مما أسفر عن استشهاد 7 من أفراد أسرته، وهم: الشقيقتان سماح وطفلتها لارا، وشيماء وطفلها تيسير، وشقيقتهما بتول (17 عاماً)، وجدتهما المسنة رسمية (87 عاماً).

ومنذ تلك المجزرة البشعة، رافقت عبارة "أقماري السبعة" المنشورات والصور المحدثة للدكتور جمال على صفحته الشخصية، مستحضراً بألم وفخر عائلته التي ارتقت إثر القصف الغاشم.

الناشط محمد الشريف، كتب عبر منصة إكس: "لقد أتعبه القهر والشوق! الدكتور الصابر د جمال نعيم، في ذمة الله بعد صراع مع المرض و فواجع متتالية أثقلت قلبه، باستشهاد أمه و بناته الثلاث وأحفاده الثلاثة، خلال حرب الابادة الإسرائيلية عرفته في عالمنا الأزرق هذا، وقد حدثنا كثيرا عن عظيم خساراته بارتقاء بناته ورفيقاته في الحياة والمهنة، وكيف أن رحيلهن أثقلن روحه وقلبه ، لكنه كان صابرا محتسبا راضيا بأقدار الله كل حرف في منشوراته، كان حزنا عميقا، كنت أتساءل كثيرا: كيف يحتمل الإنسان كل هذا الفقد دفعة واحدة، ليجد المرء نفسه وحيدا بعد أن اشتعل الرأس شيبا إنه الحزن الذي يأكل الروح ويقتل القلب، حتى وإن كان ظاهره جبلا أشم رحمك الله دكتور ، وتقبلك مع الشهد.اء وقد كنت شاهدا على الابادة ، وشاهدا على الحق ثابتا عليه ومبلغا ومدافعا عنه حتى الرمق الأخير رحمك الله وقد كنت إن الموت ليس نهاية الحياة، بل بداية الخلود مع أحبابك ولا حول ولا قوة إلا بالله".

وغرّدت هدى نعيم، ابنة أخ الدكتور جمال: "فقدت عائلتي فجر هذا اليوم صرحاً عظيماً أباً وصديقاً وحبيباً عمي الغالي الطبيب جمال نعيم من فقد في الحرب ٣ من بناته و٣ من أحفاده وجدتي والدته! وخرج من تحت الأنقاض محتسباً مصاباً صابراً ثابتاً! رحل اليوم بعد أن هاجمه المرض اللعين وحاربه كما حارب غربته التي خرج لها مضطراً لعلاج مصابيه ومصابه الشخصي.. فقد في غزة كل ما يملك وأغلاهم حبات عينيه بناته أو كما كان يسميهم أقماري السبعة من الشهداء.. رحل في دولة قطر ونحسبه عند الله شهيداً باذن الله".

كما تداول ناشطون بالتزامن مع رحيله مقطع فيديو يعتصر القلوب، يوثق اللحظات القاسية والوداع الأخير الذي احتضن فيه الطبيب الراحل حفيدته الشهيدة عقب قصف استهدف المنزل الذي نزحوا إليه سابقاً في مدينة خان يونس.

وأجمع المغردون في رثائهم على أن فلسطين وغزة خسرتا برحيل الدكتور نعيم "أحد رجالاتها العظام" وأعمدتها الأكاديمية والطبية؛ حيث عُرف كطبيب أسنان بارز حظي بمحبة وثقة وإجماع كل من قصد عيادته في القطاع.

ووصف أطباء ونشطاء الراحل بأنه "أيقونة في الصبر والاحتساب"؛ إذ ضرب مثلاً يُحتذى به في مقارعة المحن، ولم يقتصر ثباته على تحمل أوجاع المرض العضال وآلام الغربة، بل تجسد في صموده أمام فاجعة فقدان عائلته وهدم كل ما يملك في غزة، دون أن ينكسر أمله ويقينه بزوال الاحتلال ونيل الحرية.

الدكتور منير البرش مدير عام وزارة الصحة بغزة، كتب عبر حسابه في (إكس): "الدكتور جمال نعيم… سيرةُ علمٍ وصبر بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، وبحزنٍ عميق يعتصر النفوس، ننعى الدكتور جمال نعيم، عميد كلية طب الأسنان، وأحد الوجوه الأكاديمية والطبية المشهود لها بالعلم والخُلُق والعطاء. لقد كان الراحل الكريم ابنًا لعائلةٍ عُرفت بالعلم والعلماء والأطباء والشهداء، فجمع في مسيرته بين رسالة العلم، ونبل المهنة، وصدق الانتماء، وعاش عمره حاملًا همَّ التعليم وخدمة الناس، تاركًا أثرًا طيبًا في نفوس طلابه وزملائه وكل من عرفه".

وتابع "رحل الدكتور جمال بعد معاناةٍ مع مرضٍ عضال، لكنه رحل بصبر المؤمنين وهدوء العلماء، بعد حياةٍ حافلةٍ بالعطاء والعمل والاحترام، وكان أبًا ووالدًا وجدًّا للشهداء، فاجتمع له شرفُ العلم ووجعُ الفقد وصبرُ المحتسبين (....) نسأل الله تعالى أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يلهم أهله ومحبيه وطلابه الصبر والسلوان. رحم الله الدكتور جمال نعيم، ورحم شهداءنا جميعًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

ونشر الصحفي الفلسطيني إسلام بدر "الانسان موقف .. يرحل الدكتور الطيب جمال نعيم شهيد مرضه وغربته .. وفي صحيفته الكثير من الخصال المحمودة .. من سيرة عمله وجودة مهنته وحسن أخلاقه .. لكن موقف الصبر والاحتساب رغم المصاب العظيم .. يبقى الدرس الذي يجب أن نتعلمه ونفهمه .. رحمه الله .. لقد كان قدوة ومَثَلاً بين الناس".

أما الناشط معين الكحلوت فكتب في نعيه للدكتور جمال "عندما تتأمل حكاية الدكتور جمال نعيم الذي توفيّ اليوم بعدما ودعّ سبعة من أبنائه وأحبائه وترك مصاباً وحيداً مريضاً، تدرك أن صبر النبوة لا يستأثر فيه أيوب وإبراهيم ويونس عليهم وعلى فقيدنا السلام".

 

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر