في تطور قضائي وسياسي لافت داخل بريطانيا، يواجه القاضي جيريمي جونسون، الذي يرأس محاكمة عدد من الناشطين المنتمين إلى مجموعة “فلسطين أكشن”، شكوى رسمية تتهمه بالتحيز والسلوك التمييزي، وذلك قبيل أيام من جلسة مرتقبة للنظر في طلب الدفاع تنحيته عن القضية على خلفية ما يصفه بـ“التحيز الظاهر” وإساءة استخدام الإجراءات القانونية.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن الشكوى، التي وقّعها أكثر من 3 آلاف شخص، تضم خبراء قانون ومحامين وأساتذة قانون وضباط شرطة متقاعدين وقضاة صلح سابقين، وتتضمن اتهامات مباشرة للقاضي جونسون بإظهار “عداء شخصي تجاه المتهمين والقضية الفلسطينية”، بما يتعارض – بحسب مقدميها – مع مبدأ الحياد القضائي وضمان العدالة.
ووفقاً للصحيفة، تعتزم مجموعة “الدفاع عن هيئات المحلفين” تقديم الشكوى رسمياً إلى مكتب السلوك القضائي يوم الجمعة، وذلك قبل جلسة مقررة يوم الاثنين للنظر في طلب المتهمين استبعاد القاضي جونسون من نظر القضية، استناداً إلى مزاعم تتعلق بوجود تحيز ظاهر ووقوع تجاوزات إجرائية خلال سير المحاكمة.
وتشمل القضية كلاً من شارلوت هيد، وليونا كاميو، وصامويل كورنر، وفاطمة راجواني، الذين يواجهون احتمال إصدار أحكام بحقهم باعتبارهم مرتبطين بقضايا تصنف على أساس “الإرهاب” في 12 يونيو، رغم أن إدانتهم جاءت من هيئة محلفين بتهم جنائية وليست تهمًا إرهابية مباشرة. كما سبق أن شملت القضية الناشطين جوردان ديفلين وزوي روجرز، اللذين تمت تبرئتهما من بعض الاتهامات.
وتشير “ميدل إيست آي” إلى أن الشكوى تعتبر أن القاضي جونسون، خلال المحاكمتين المرتبطتين بالقضية، “تخلى عن الموضوعية” وأظهر موقفاً عدائياً تجاه المتهمين ودوافعهم السياسية المرتبطة بمعارضة الحرب على الفلسطينيين، معتبرة أن هذا السلوك، في حال ثبوته، يتعارض مع المعايير الأساسية لاستقلال القضاء.
وتعود خلفية القضية إلى اقتحام ناشطين مصنعاً تابعاً لشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية قرب مدينة بريستول في 6 أغسطس 2024، في خطوة أعلن المشاركون أنها استهدفت تعطيل أو تدمير معدات عسكرية يُعتقد أنها تُستخدم في العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين. وترى الشكوى أن تعامل القاضي مع هذه الدوافع منذ البداية جاء باعتبارها عاملاً مشدداً للعقوبة، وليس كخلفية سياسية أو أخلاقية يُفترض السماح بعرضها أمام المحكمة.
وكشفت الصحيفة أن القاضي جونسون أصدر حكماً تمهيدياً في مارس 2025، أشار فيه إلى ما وصفه بوجود “صلة إرهابية” في القضية، على أساس أن النشطاء سعوا، عبر تقويض وصول “إسرائيل” إلى الأسلحة، إلى التأثير على سياساتها الحكومية. وتقول مجموعة “الدفاع عن هيئات المحلفين” إن هذا التوصيف قد يشكل سابقة قانونية غير مسبوقة في بريطانيا، إذ قد تُفرض عقوبات ذات طابع إرهابي على متظاهرين دون إدانتهم بجرائم إرهابية أو ثبوت استخدامهم العنف.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن مسألة “الصلة الإرهابية” لم تُعرض على هيئة المحلفين، بل بقيت ضمن صلاحيات القاضي وحده عند إصدار الحكم، وهو ما تعتبره الشكوى إخلالاً بمبدأ المحاكمة العادلة. وتقارن الشكوى هذا التوجه بقضية أحمد حسن، المعروف إعلامياً بـ“مفجر بارسونز غرين”، باعتباره الحالة الوحيدة الأخرى التي صدرت فيها أحكام على أساس “صلة إرهابية” دون توجيه تهمة إرهابية مباشرة.
وكان أحمد حسن قد حُكم عليه بالسجن المؤبد عام 2018 بعد تفجير عبوة ناسفة داخل قطار أنفاق في لندن، ما أدى إلى إصابة 51 شخصاً، فيما ترى الشكوى أن المقارنة بين هذه القضية وقضية ناشطين متهمين بإتلاف منشأة صناعية تكشف، بحسب تعبيرها، عن “خلل في التقدير” ووجود “موقف تمييزي” تجاه المتهمين.
وفي مايو الماضي، أدانت هيئة محلفين في محكمة وولويتش كراون كورت أربعة من المتهمين بتهمة الإضرار الجنائي على خلفية الهجوم على مصنع “إلبيت سيستمز”، بينما تمت تبرئة جوردان ديفلين وزوي روجرز من التهم نفسها. كما أُدين صامويل كورنر بتهمة إلحاق أذى جسدي جسيم دون نية، على خلفية الاعتداء على ضابط شرطة.
وأشارت الصحيفة إلى أن المتهمين الستة كانوا قد خضعوا لمحاكمة سابقة استمرت عدة أشهر، أمضوا خلالها ما يصل إلى 18 شهراً في الحبس الاحتياطي، وهي مدة تتجاوز المعتاد في قضايا مشابهة داخل النظام القضائي البريطاني. وخلال تلك المحاكمة، تمت تبرئتهم من تهمة السطو المشدد.
كما تمت تبرئة فاطمة راجواني وجوردان ديفلين وزوي روجرز من اتهامات تتعلق بالشغب العنيف، في حين لم تتوصل هيئة المحلفين إلى حكم نهائي بشأن تلك التهمة بحق بعض المتهمين الآخرين.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن إحدى المحلفين في المحاكمة الأولى، مود درومغول، قولها إن تطبيق مفهوم “الصلة الإرهابية” دون إبلاغ هيئة المحلفين لا ينسجم مع مبدأ ترك القرار لها. وأضافت أن ما يجري، من وجهة نظرها، يعكس محاولة لـ“تطويع القانون” بهدف جعل المتهمين عبرة للآخرين.
ولا تقتصر الشكوى على مسألة “الصلة الإرهابية”، إذ تتضمن أيضاً انتقادات لقرار القاضي جونسون إحالة كبير محامي الدفاع، راجيف مينون، إلى إجراءات تتعلق بازدراء المحكمة، وهو ما تقول الشكوى إنه ترك أثراً سلبياً على سير الدفاع وأدى إلى إرباك داخل الفريق القانوني، دفع بعض المتهمين لاحقاً إلى تقديم مرافعاتهم بأنفسهم.
كما تتناول الشكوى ما تعتبره تجاهلاً من القاضي لتصريحات علنية سابقة اعتبرها الدفاع مؤشراً على انحياز، من بينها تصريحات لوزيرة الداخلية السابقة إيفيت كوبر، معتبرة أن عدم التعامل معها يعزز – بحسب مقدمي الشكوى – نمطاً من السلوك غير المحايد.
وتنتقد الشكوى كذلك قرار إعادة المدانين إلى السجن بعد صدور الأحكام، رغم قضائهم فترات طويلة في الحبس الاحتياطي وصلت إلى 18 شهراً، واصفة القرار بأنه “قاسٍ وانتقامي” ويعكس نهجاً عقابياً استثنائياً في التعامل مع القضية.
وتخلص الشكوى، بحسب ما نقلته الصحيفة، إلى أن مجمل القرارات والإجراءات لا يمكن قراءتها بشكل منفصل، بل تشكل “نمطاً متكاملاً من السلوك المنحاز والتمييزي”، على حد تعبير مقدميها، الذين يرون أن المراقب المحايد لا ينبغي أن يكون قادراً على استنتاج مواقف سياسية للقاضي من طريقة إدارته للجلسات، إلا أن ما جرى – وفق قولهم – يترك انطباعاً معاكساً.
وفي موازاة ذلك، أعلنت مجموعة “الدفاع عن هيئات المحلفين” عزمها تنظيم ما وصفته بـ“تحرك جماعي واسع للعصيان المدني” بالتزامن مع جلسة النطق بالحكم في محكمة وولويتش كراون كورت في 12 يونيو، في خطوة مرشحة لزيادة حدة الجدل داخل بريطانيا حول حدود الاحتجاج السياسي، وكيفية تعامل القضاء مع القضايا المرتبطة بالحراك المؤيد لفلسطين في ظل تداخلها مع قوانين الإرهاب والأمن العام.
