خاص/ شهاب
داخل الممرات المزدحمة لمستشفيات غزة، لا يتوقف المرضى عند حدود المعاناة الجسدية، بل يواجهون نظامًا صحيًا يترنح تحت ضغط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتراجع واضح في القدرة على إجراء الفحوصات الأساسية التي تُحدد مسار العلاج.
وخارج جدران المستشفيات، يمتد مشهد آخر لمعاناة لا تقل قسوة؛ مرضى كُثر ينتظرون على قوائم طويلة للحصول على "تحويلة طبية" إلى خارج قطاع غزة، فيما يعلق آخرون فرص نجاتهم على وقع كارثة أكبر تتمثل في السماح لهم بالخروج من غزة عبر معبر رفح، وسط القيود والإجراءات العقابية التي تشددها "إسرائيل" على كل سكان قطاع غزة بين الفينة والأخرى.
ومع غياب أي علاج أو فحص مخبري أو تأخر في الإجلاء الطبي، تتراجع فرص العلاج، وتتقدم حالة المرض خطوة إضافية نحو التعقيد، في واقع بات فيه الزمن جزءًا من معادلة الخطر، لا مجرد انتظار لبوابة أمل.
نهاية متشابهة
لا تأتي المعاناة الصحية بصيغة واحدة لكل المرضى، لكن نهايتها تبدو متشابهة، حيث يتقاطع الألم بين مصابين بالسرطان وأمراض الكلى والقلب وجرحى الحرب ومرضى المناعة والأمراض النادرة، ليجدوا أنفسهم أمام واقع واحد تتشابه فيه التفاصيل رغم اختلاف التشخيصات.
ويرى المرضى أن الطريق داخل المنظومة الصحية يبدو واحدًا: تأخر في الإجلاء الطبي، وانهيار متسارع في قدرات المستشفيات داخل القطاع، وتراجع مستمر في فرص العلاج. ومع عجز واسع في المستلزمات المخبرية ومواد الفحص، مما يقلل قدرة الأطباء على التشخيص الدقيق والمتابعة، لتصبح رحلة المرضى أكثر تعقيدًا، وكأن اختلاف الأمراض لا يغيّر من النتيجة النهائية التي تفرضها ظروف العلاج: أسباب متعددة، ومصير واحد يقترب ببطء.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فإن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" سمحت بسفر 6,845 فلسطينياً فقط من أصل 19,600 كان من المفترض تمكينهم من مغادرة قطاع غزة عبر معبر رفح، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 35%، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أوضاع المرضى وذوي الحالات الإنسانية الذين ينتظرون فرصة للعلاج خارج القطاع.
وبحسب المكتب الإعلامي، فإن هذا القيد المستمر على حركة السفر يحدّ من قدرة المرضى على الوصول إلى خدمات طبية غير متوفرة داخل غزة، ويضاعف من معاناتهم في ظل تدهور المنظومة الصحية وصعوبة توفير العلاج اللازم داخل المستشفيات المحلية.
وأضاف المكتب الإعلامي أن استمرار القيود على السفر والإجلاء الطبي، رغم التفاهمات المعلنة، يعمّق الأزمة الإنسانية في القطاع، في وقت لا يزال فيه آلاف المرضى عالقين بين الحاجة للعلاج وعدم القدرة على مغادرة غزة، مع استمرار ما وصفه بخرق الاحتلال لبنود الاتفاق.
من جانبه، قال مدير عام المستشفيات في قطاع غزة، الدكتور محمد زقوت، إن المنظومة الصحية في القطاع تعيش انهيارًا واسعًا وغير مسبوق، بعد خروج 18 مستشفى حكوميًا وخيريًا عن الخدمة بشكل كامل منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، ما يعكس حجم التدهور الذي أصاب القطاع الصحي وقدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للمرضى والجرحى.
وأوضح زقوت لـ"شهاب"، أن هذا الانهيار يترافق مع أزمة حادة في ملف الإجلاء الطبي، مشيرًا إلى أن نحو ألف مريض فقط تمكنوا من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج في الخارج من أصل 19,600 مريض يحتاجون إلى تحويلات طبية منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما يترك الغالبية العظمى من المرضى أمام خيارات محدودة داخل قطاع يعاني من نقص حاد في الإمكانيات.
وأضاف أن تراجع عدد الأسرة المتاحة داخل المستشفيات، إلى جانب تدمير المرافق الطبية ومنع إدخال المعدات والمستلزمات، فاقم من صعوبة تقديم الرعاية الصحية، خاصة في ظل استمرار القيود على سفر المرضى والجرحى للعلاج خارج القطاع، ما يضع آلاف الحالات في دائرة الخطر المستمر.
عجز حاد
وأشار زقوت إلى أن هذه التحديات لا تتعلق بجانب واحد من المنظومة الصحية، بل تمتد لتشمل انهيارًا متكاملاً في القدرة على التشخيص والعلاج والاستجابة، في وقت تتزايد فيه أعداد المرضى وتتقلص فيه فرص النجاة يومًا بعد يوم.
من جانبها، حذرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة من تدهور صحي شامل مع استمرار النقص الحاد في المستلزمات المخبرية ومواد الفحص، والذي بلغ نحو 87%، في ظل قيود مفروضة على إدخال الإمدادات الطبية.
وقالت الوزارة في بيان لها إن هذا العجز الحاد ينعكس بشكل مباشر على قدرة المختبرات في غزة على تقديم خدماتها التشخيصية للمرضى والجرحى، ويحدّ من إمكانية إجراء الفحوصات الأساسية التي يعتمد عليها الأطباء في تحديد مسارات العلاج.
وأضافت أن نقص أجهزة الفحص ومواد المختبرات يضاعف التحديات اليومية التي تواجه الطواقم الطبية، في وقت تتزايد فيه أعداد المرضى وتتعقد فيه الحالات الصحية داخل القطاع.
وأشارت الوزارة إلى أن الأزمة ليست جديدة، إذ كانت قد حذّرت قبل أشهر من وصول العجز في مواد الفحص إلى نحو 86%، قبل أن يتفاقم الوضع لاحقًا، ما يعكس تسارع الانهيار في قدرة المختبرات وبنوك الدم على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، وسط بيئة صحية توصف بأنها "كارثية" بحسب تقارير منظمات دولية.
وأكدت وزارة الصحة أن استمرار هذا النقص يهدد استمرارية الخدمات الطبية الأساسية، خاصة في أقسام الطوارئ والعمليات والمرضى المزمنين والجرحى، داعيةً إلى تدخلات عاجلة وفعّالة لضمان وصول الإمدادات الطبية والمخبرية بشكل منتظم، بما يتيح الحد الأدنى من استمرار العمل داخل المرافق الصحية.
فجوة كبيرة
وفي سياق متصل، يعاني القطاع الصحي في غزة من ضغط متزايد على بنوك الدم، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وحدات الدم مع استمرار سقوط الجرحى، رغم ما يشهده القطاع من أزمات إنسانية وصحية متراكمة.
وتتزامن هذه التحذيرات مع استمرار القيود المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية والطبية إلى القطاع، رغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار، حيث تشير منظمات دولية إلى فجوة كبيرة بين التعهدات المعلنة على المستوى الدولي وبين ما يصل فعليًا إلى السكان على الأرض، في وقت لا تزال فيه الاحتياجات الأساسية غير ملباة بشكل كافٍ.
