تحقيق ""هآرتس": منظومة رقابة داخل التعليم "الإسرائيلي" تستهدف المعلمين العرب وتخلق مناخاً من الخوف حول حرية التعبير”

ترجمة / شهاب

كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية،  صورة منظومة رقابة داخل وزارة التعليم "الإسرائيلية"، تعمل على تتبع معلمين وموظفين، خصوصاً من التيارات اليسارية والمعلمين العرب، على خلفية منشوراتهم السياسية ونشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

التحقيق يصف بنية إدارية وأمنية تعمل في الظل، تقوم بجمع معلومات عن المعلمين، وتقييم آرائهم السياسية، وتحويلها إلى ملفات قد تُستخدم لاحقاً في إجراءات تأديبية قد تصل إلى الفصل من العمل أو الإيقاف أو الاستجواب الرسمي.

مهام أمنية

بحسب الوثائق التي استند إليها التحقيق، فإن ما يُعرف داخل الوزارة باسم "لجنة التحريض" يشكل الذراع التنفيذي لهذا النظام الرقابي. ورغم أنها تتبع شكلياً لإدارة الإنفاذ في وزارة التعليم، فإن طريقة عملها—وفق المصادر—تشبه إلى حد كبير عمل أجهزة استخبارات داخل مؤسسة تعليمية.

اللجنة، التي تعمل من مكتب داخل مركز تجاري في القدس، لا تكتفي بالشكاوى الرسمية، بل تعتمد على تتبع حسابات فيسبوك، ورصد منشورات عامة، وأحياناً بيانات داخلية من أنظمة وزارة التعليم نفسها. التحقيق يشير إلى أن عملية جمع المعلومات تشمل توثيقاً دقيقاً للمنشورات، حتى لو كانت في إطار سياسي عام أو تعبير عن رأي.

اللافت، وفق ما أورده التحقيق، أن هذه المواد تُحوّل إلى “ملفات تقييم” تُصنّف فيها تصريحات المعلمين باعتبارها “تحريضاً” أو “تجاوزاً للحدود المهنية”، حتى عندما تكون في إطار النقد السياسي للحكومة.

مراقبة سياسية

من بين الملفات التي كشف عنها التحقيق، ملف يعود لمعلم يُدعى يارون أفني، أُعدّ له تقرير داخلي من 14 صفحة يحمل رقم (23-178). التقرير وثّق نشاطه على مواقع التواصل خلال فترة الاحتجاجات ضد التعديلات القضائية في إسرائيل.

أفني، وهو مستشار تربوي في مدرسة ديمقراطية، كان يشارك منشورات سياسية ناقدة للحكومة، مرفقة بتعليقات حادة ضد اليمين الإسرائيلي وسياساته. وبحسب الوثيقة، اعتبرت اللجنة هذه المنشورات “تحريضية”، رغم أنها كانت في سياق سياسي احتجاجي علني شهدته الشوارع الإسرائيلية نفسها.

التقرير لم يقتصر على تحليل المحتوى، بل شمل لقطات شاشة، وروابط، وتفاصيل دقيقة حول نشاطه الرقمي، في محاولة لتجميع صورة كاملة عن مواقفه السياسية.

لاحقاً، فُتحت بحقه إجراءات تأديبية بناءً على شكوى مجهولة المصدر، انتهت بجلسة استماع رسمية داخل وزارة التعليم، طُلب منه خلالها تقليص نشاطه على فيسبوك وتحويل حسابه إلى وضع خاص.

أفني من جانبه أكد أن ما قام به كان تعبيراً عن رأي سياسي مشروع، وأنه لم يتلق أي شكاوى مباشرة من طلاب أو أولياء أمور، معتبراً أن القضية تعكس مناخاً متزايداً من تقييد حرية التعبير داخل الجهاز التعليمي.

بحسب المعطيات التي أوردها التحقيق، فإن اللجنة جمعت خلال الفترة الممتدة من 2023 وما بعدها ملفات تتعلق بنحو 160 معلماً ومعلمة.

نصف هذه الملفات انتهى باعتبار المنشورات “تحريضاً أو عنصرية”، بينما شملت الإجراءات عقوبات متفاوتة، من الاستدعاء لجلسات استماع إلى الإيقاف المؤقت، وصولاً إلى الفصل في بعض الحالات.

التحقيق يشير أيضاً إلى أن جزءاً كبيراً من المستهدفين كانوا من المعلمين العرب، إلى جانب معلمين يهود من تيارات يسارية. وفي المقابل، لم تُسجل إجراءات مماثلة ضد منشورات تحريضية صادرة عن أطراف يمينية متطرفة، رغم وجود خطابات علنية تدعو للعنف ضد الفلسطينيين، بحسب ما نقلته “هآرتس”.

مصادر داخل الوزارة تحدثت للتحقيق عن أن هذه السياسة لا تعمل بمعزل عن التوجهات السياسية للقيادة. ويبرز في هذا السياق اسم مدير مكتب وزير التعليم يوآف كيش، الذي يوصف بأنه أحد أبرز المحركين لهذه السياسة.

وتشير الشهادات إلى أن المكتب يعتمد أساليب عمل مغلقة، من بينها منع إدخال الهواتف إلى الاجتماعات، واعتماد التواصل عبر تطبيقات مشفرة، في مؤشر على درجة الحساسية العالية داخل هذه الدوائر.

كما يربط التحقيق بين قرارات إدارية داخل الوزارة وبين اعتبارات سياسية تتعلق بالاحتجاجات ضد الحكومة، خصوصاً خلال أزمة التعديلات القضائية، حيث تصاعدت المواجهة بين الحكومة وقطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي.

استهداف ممنهج للعرب

أحد أبرز ما يكشفه التحقيق هو أن المعلمين العرب في إسرائيل كانوا في مقدمة الفئات التي تعرضت للإجراءات التأديبية.

فقد تم فتح ملفات ضد معلمين على خلفية منشورات قديمة، أو حتى إعجابات على محتوى سياسي، أو تعبيرات عامة مثل الدعوة لوقف الحرب. وفي بعض الحالات، جرى التعامل مع مواقف إنسانية أو تعاطف مع الضحايا باعتبارها “مؤشرات تحريض”.

كما أشار التحقيق إلى حالات فُسرت فيها منشورات غامضة أو غير مباشرة كدليل على “عدم الولاء”، ما أدى إلى استدعاءات وإجراءات إدارية مشددة.

من النقاط المثيرة التي يوردها التحقيق أن اللجنة تعمل، بحسب الوثائق، بالتنسيق مع جهات أمنية وإنفاذ قانون، وتستند أحياناً إلى مذكرات داخلية قديمة داخل الوزارة تقيّد حرية التعبير للمعلمين.

كما أُشير إلى أن بعض الإجراءات لم تكن معلنة بشكل رسمي لسنوات، وأن الإطار التنظيمي الكامل لعمل اللجنة لم يُعتمد إلا مؤخراً، رغم أن نشاطها كان قائماً منذ سنوات.

عبرت منظمات حقوقية ومحامون إسرائيليون عن قلقهم من طبيعة عمل هذه اللجنة، معتبرين أنها تمثل مساساً مباشراً بحرية التعبير، وتحوّل النظام التعليمي إلى مساحة مراقبة سياسية.

كما أشاروا إلى أن غياب الشفافية، وعدم الكشف عن هوية أعضاء اللجنة، يثيران تساؤلات جدية حول مدى قانونية الإجراءات المتبعة.

في المقابل، ترد وزارة التعليم بأن عمل اللجنة يقتصر على حالات “التحريض أو دعم الإرهاب”، وأن جميع الإجراءات تتم وفق القانون وبالتنسيق مع الجهات المختصة، نافياً أن تكون هناك أي ملاحقة سياسية.

لكن التحقيق يكشف تناقضاً في روايات الوزارة نفسها عبر السنوات، بين تأكيد سابق على أن اللجنة تعالج “جميع الشكاوى المتعلقة بالتصريحات السياسية”، وبين تصريحات لاحقة تحصر عملها في حالات التحريض فقط.

مناخاً من الخوف

الصورة التي يرسمها التحقيق هي لمنظومة رقابية داخل جهاز التعليم، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية، وتنعكس بشكل مباشر على حرية التعبير داخل المدارس.

وبحسب ما تنقله “هآرتس”، فإن هذه الآلية خلقت مناخاً من الخوف بين المعلمين، حيث بات كثيرون يتجنبون التعبير عن آرائهم السياسية على العلن، خشية أن تتحول منشوراتهم إلى ملفات تحقيق وتأديب.

في المحصلة، يطرح التحقيق أسئلة أوسع حول حدود الرقابة داخل المؤسسات التربوية، وحول الخط الفاصل بين ضبط السلوك المهني للمعلمين، وبين تحويل النظام التعليمي إلى مساحة مراقبة سياسية مغلقة.

المصدر : "هآرتس"

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر