يكشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "العربي الجديد" عن اتساع نشاط مليشيات محلية متهمة بالتعاون مع جهات مرتبطة بجيش الاحتلال الإسرائيلي، في إطار ما وصفه التحقيق بـ"حرب أمنية غير تقليدية" تستهدف المجتمع الغزي عبر نشر المخدرات، وخلق حالة فوضى أمنية منظمة داخل القطاع المحاصر.
وبحسب التحقيق، فقد ظهر عبر تسجيلات متداولة على هواتف الفلسطينيين في قطاع غزة رجل ملثم جالس على كرسي فخم، خلف مكتب تتصدره مفكرة تحمل كلمة “جامعة” وبجواره سلاح آلي من نوع “كلاشنكوف”، وهو يوجه تهديدات مباشرة لعناصر وضباط شرطة مكافحة المخدرات، متوعدًا بتصفيتهم، وعلى رأسهم الضابطان إيهاب الشيخ يوسف وأحمد العرعير.
ويشير التحقيق إلى أن هذا الملثم ينتمي إلى مليشيا يُطلق عليها اسم "أشرف المنسي" المتمركزة في شمال قطاع غزة، وأن تهديداته جاءت ضمن سلسلة استهدافات طالت جهاز مكافحة المخدرات، شملت – وفق مصادر التحقيق – وضع قائمة اغتيالات تضم سبعة ضباط، من بينهم العقيد نسيم القلزاني، مدير شرطة مكافحة المخدرات في خان يونس.
"حرب مخدرات"
ويربط التحقيق بين تصاعد هذه التهديدات وبين ما يعتبره "نمطًا من الحرب الهجينة"، حيث يتم استخدام المخدرات كأداة لإضعاف البنية الاجتماعية والأمنية في غزة، عبر استهداف فئة الشباب وتفكيك المجتمع من الداخل، بحسب ما نقل عن المحامي صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني .
ويشير التحقيق إلى أن المخدرات تُستخدم كأداة ضغط اجتماعي وأمني، إلى جانب الحصار والقصف، بهدف خلق بيئة فوضوية تدفع نحو الانهيار الاجتماعي، وصولًا إلى هدف أوسع يتمثل في التهجير.
بحماية الطائرات المسيّرة
ووفق التحقيق، فقد وثقت جهات أمنية فلسطينية أكثر من 11 محاولة لتهريب المخدرات إلى مخيمات النازحين منذ بداية العام الجاري، عبر مليشيات وُصفت بأنها “متعاونة مع الاحتلال”، بينها سبع محاولات خلال أشهر فبراير ومارس وأبريل.
وتشير المصادر إلى أن أساليب التهريب تنوعت بين إدخال المواد المخدرة عبر شاحنات المساعدات الإنسانية، أو من خلال طائرات مسيّرة (درون) تنطلق من مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وصولًا إلى ما يُعرف بـ”النقاط الميتة” داخل القطاع.
كما يؤكد التحقيق أن بعض أنواع المخدرات كانت تُوزع مجانًا على شبان بهدف استدراجهم للتعاون مع هذه المجموعات.
ويكشف التحقيق أن أنماط التهريب ازدادت تعقيدًا منذ بداية العام، مع انتشار مواد مخدرة متنوعة أبرزها “الكبتاغون” (روتانا محليًا)، و”الترامادول”، و”الحشيش”، و”البانجو”، إضافة إلى عقار “ليريكا”.
ويشير أطباء مختصون إلى أن دخول مواد مجهولة التركيب زاد من خطورة الوضع الصحي، في ظل تدمير المختبرات وتعطل أجهزة الفحص خلال الحرب.
كما لفت التحقيق إلى انخفاض حاد في أسعار المخدرات داخل غزة بنسبة تجاوزت 300%، ما يعكس – بحسب المصادر – زيادة العرض وتوسع شبكات التهريب.
ويرصد التحقيق مواجهات ميدانية بين مجموعات من المقاومة ومليشيات مسلحة خلال محاولات تهريب، خاصة في المناطق القريبة من ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو شريط يفصل بين مناطق السيطرة الإسرائيلية ومناطق السكان داخل غزة.
وفي إحدى الوقائع، أشار التحقيق إلى كمين نصبته قوة “رادع” لمجموعة تابعة لمليشيا حسام الأسطل في خان يونس، أعقبته استهدافات إسرائيلية لاحقة لموقع الاشتباك، في محاولة – وفق المصادر – لإخفاء معالم الحدث.
وفي حادثة أخرى، تدخل الطيران الإسرائيلي بعد اشتباك بين المقاومة ومجموعات مسلحة شرق رفح، ما أدى إلى مقتل أحد عناصر المقاومة.
ويحذر التحقيق من ارتفاع نسب الإدمان داخل القطاع بنسبة تتراوح بين 10% و15% مقارنة بما قبل الحرب، مع ظهور فئات عمرية جديدة من المدمنين، خاصة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و22 عامًا.
كما يشير إلى زيادة حالات الاضطرابات النفسية والذهانية نتيجة تعاطي مواد مخدرة قوية، في ظل انهيار القطاع الصحي ونقص الأدوية الخاصة بعلاج الإدمان.
وتؤكد مصادر طبية أن ما بين 5% و7% من الشباب المتعاطين تطورت لديهم حالات ذهان حاد نتيجة الاستخدام الطويل للمواد المخدرة.
شبكات تهريب منظمة
ويكشف التحقيق عن وجود شبكات تنسيق بين عناصر داخل “الخط الأصفر” وآخرين داخل المخيمات، تعمل على توزيع المخدرات ونقلها عبر مسارات متعددة، بعضها يتم تحت غطاء جوي من الطائرات المسيّرة.
كما أشار إلى اعتقال ستة من منسقي عمليات التهريب خلال الأشهر الماضية، وسط حديث عن احتجازهم في أماكن سرية بعد استهداف مقرات أمنية.
وبحسب ضابط أمني نقل عنه التحقيق، فإن جهات مرتبطة بالاحتلال تقدم مخدرات مجانًا للمليشيات باعتبارها شكلًا من أشكال “التمويل غير المباشر”، تستخدم لاحقًا في عمليات الترويج والتجنيد.
كما يشير التحقيق إلى أن أحد أبرز الأسماء المتهمة بإدارة هذه الشبكات هو أحمد الهنداوي، المنتمي إلى مليشيا يُزعم ارتباطها بالاستخبارات الإسرائيلية، والمتهم بتوزيع المخدرات بين المجموعات.
ويخلص التحقيق إلى أن انتشار المخدرات داخل غزة لم يعد مجرد ظاهرة جنائية، بل تحول إلى أداة ضغط سياسي وأمني، تستهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل، وضرب قدرته على الصمود في ظل الحرب والحصار.
