تشير التحولات التي أعقبت الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران إلى أن التداعيات لم تتوقف عند حدود الخسائر الميدانية أو الحسابات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل إعادة رسم أوسع لموازين القوة على المستوى الدولي، في لحظة وُصفت بأنها من أكثر اللحظات حساسية في بنية النظام العالمي خلال السنوات الأخيرة.
فبحسب قراءات وتحليلات سياسية غربية، فإن هذه المواجهة التي قادها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم تحقق الأهداف التي رُوّج لها مسبقاً، بل انتهت – وفق هذه التقديرات – إلى نتائج عكسية ساهمت في إضعاف المكانة النسبية لكل من واشنطن وتل أبيب على الساحة الدولية، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ العالمي.
تراجع الهيبة الأمريكية
وتذهب هذه القراءات إلى أن الحرب، التي وُصفت بأنها غير محسوبة النتائج، لم تؤد فقط إلى إنهاك الأطراف المستهدفة، بل أطلقت أيضاً ديناميكيات سياسية واقتصادية واستراتيجية أوسع، من المرجح أن تنعكس على توازن القوى خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في ظل تصاعد مؤشرات تراجع الهيبة الأمريكية في أكثر من إقليم.
وفي هذا السياق، يلفت محللون إلى أن الصورة السياسية للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تعرضت لهزة واضحة، داخلياً وخارجياً، بعدما تراجعت نبرة الخطاب التي كانت تقوم على التهديد والاستعراض إلى خطاب أقل تأثيراً وأكثر ارتباكاً أمام تداعيات الحرب. كما تشير التقديرات إلى أن هذه التطورات انعكست على صورة القوة الأمريكية نفسها، التي لم تعد تُقدَّم بنفس القدر من الصلابة في مناطق متعددة، سواء في الشرق الأوسط أو في المحيطين الهندي والهادئ أو حتى داخل الفضاء الأوروبي.
وتذهب بعض التحليلات إلى أن التفاهمات أو المذكرات التي أعقبت الحرب، والتي جرى تقديمها باعتبارها إطاراً لاحتواء التصعيد، حملت في جوهرها – وفق توصيف منتقدين – طابعاً أقرب إلى إعادة ترتيب الشروط بين الأطراف أكثر من كونها تسوية مفروضة من موقع القوة. إذ تشير هذه التقديرات إلى أن إيران حصلت، مقابل الدخول في مسار تفاوضي يمتد لستين يوماً وفتح مضيق هرمز، على مكاسب اقتصادية واسعة، من بينها تسهيلات مالية وإفراج محتمل عن أصول وأموال مجمدة أو مقيدة.
كما تتضمن هذه التفاهمات، بحسب ما تم تداوله، منح إعفاءات مرتبطة بتصدير النفط الإيراني ومشتقاته والمنتجات البترولية والخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك العمليات المصرفية والتأمين والنقل، وهو ما يعكس تحولاً مهماً في طبيعة العقوبات المفروضة، وإعادة صياغة جزئية لها.
وفي المحصلة، يرى منتقدون أن هذه التطورات تعني أن الولايات المتحدة لم تحقق مكاسب ملموسة رغم ما تم إنفاقه من موارد ضخمة على الحرب، والتي كلفت عشرات المليارات من الدولارات وأسفرت عن خسائر بشرية، من بينها مقتل ما لا يقل عن 13 جندياً أمريكياً. ويضيف هؤلاء أن النتائج النهائية شملت استنزافاً في المخزون العسكري الأمريكي، وتراجعاً في صورة الردع، إضافة إلى توتر العلاقات مع عدد من الحلفاء، وفي مقدمتهم دول الخليج، مقابل تعزيز موقع الصين نسبياً في المشهد الدولي، وتعميق أزمة التضخم داخل الاقتصاد الأمريكي.
فاعل جيوسياسي
وبالتوازي مع ذلك، تشير التحليلات إلى أن إيران، التي كانت قبل ثلاثة أشهر ونصف تعيش عزلة وضغطاً اقتصادياً شديداً، استطاعت أن تعيد تموضعها كفاعل جيوسياسي أكثر حضوراً، مستفيدة من قدرتها على استخدام أوراق ضغط استراتيجية، أبرزها موقعها الجغرافي ودورها في التحكم بممرات الطاقة الدولية.
وفي مقدمة هذه الأوراق يأتي مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفق النفط في العالم، حيث يرى خبراء أن طهران باتت تمتلك قدرة فعلية على استخدام هذا الممر كورقة تفاوضية قادرة على فرض تنازلات من الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك دول الخليج، الأمر الذي يمنحها تأثيراً غير مسبوق على الاقتصاد العالمي.
ويؤكد مسؤولون سابقون في الاستخبارات الأمريكية وخبراء في الشأن الإيراني أن إدراك طهران لقوة هذا الممر البحري يمثل تحولاً استراتيجياً في سلوكها السياسي، إذ يمكن أن تستخدمه لتفكيك البنية التراكمية للعقوبات التي بدأت منذ التسعينيات في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وإعادة تشكيل مسار الضغط الدولي عليها.
وفي السياق نفسه، يلفت مراقبون إلى أن الرئيس الأمريكي السابق وصل إلى هذه المرحلة نتيجة اعتماده على خيار التصعيد العسكري الجوي، رغم التحذيرات الاستخباراتية المتكررة من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تنتهي إلى سيطرة إيران على نقاط ضغط استراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وتظهر مؤشرات التراجع أيضاً – بحسب التحليلات – في المشهد الدبلوماسي، لا سيما خلال الاجتماعات الدولية الأخيرة في فرنسا، حيث بدا أن ترامب اضطر إلى طلب دعم الحلفاء الأوروبيين لمذكرات التفاهم التي كانت محل جدل، في تحول لافت مقارنة بمواقفه السابقة تجاه هؤلاء الحلفاء، الذين كان يتبنى خطاباً انتقادياً حاداً تجاههم.
ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن المزاج السياسي داخل تلك الاجتماعات شهد تحولاً ملحوظاً، وأن دول مجموعة السبع، رغم تحفظاتها، وجدت نفسها مضطرة لدعم التفاهمات باعتبارها الخيار الأقل كلفة لإنهاء حرب لم تكن تحظى بإجماع دولي. كما يشير هؤلاء إلى أن هذه المرحلة كشفت هشاشة متزايدة في النظام الاقتصادي العالمي أمام أي اضطراب واسع في الشرق الأوسط.
وفي السياق ذاته، أفادت تقديرات دبلوماسية بأن ترامب وقّع خلال تلك الفترة التزاماً جديداً ضمن مجموعة السبع يتعلق بدعم أوكرانيا وتشديد العقوبات على روسيا، وهو ما اعتبره مراقبون تحولاً نسبياً في الموقف الأمريكي بعد فترة من التردد في الانخراط العميق في الملف الأوكراني، وميل سابق نحو تخفيف التوتر مع موسكو.
حساسية الأسواق
كما يرى محللون أن واحدة من أهم نتائج المرحلة المقبلة تتمثل في إدراك الأطراف الدولية، بما فيها إيران نفسها، لمواطن الضعف في السياسة الأمريكية، وعلى رأسها حساسية الأسواق المالية وتأثيرها المباشر على قرارات البيت الأبيض، وهو ما يجعل أي تهديد باضطراب اقتصادي عام عاملاً حاسماً في إعادة صياغة المواقف الأمريكية.
ولا تبتعد الصين عن هذا المشهد، إذ تُعد – بحسب التقديرات – الطرف الأكثر مراقبة لهذا التحول، حيث تسعى إلى استثمار أي تراجع في النفوذ الأمريكي لتوسيع هامش حركتها في ملفات حساسة، أبرزها تايوان، إلى جانب تعزيز موقعها في سلاسل الإمداد العالمية، واختبار حدود الالتزام الأمريكي في مواجهة الأزمات الكبرى.
وفي تصريح لافت، أقر ترامب خلال مؤتمر صحفي في فرنسا بأن هاجس تفادي الانهيار الاقتصادي كان عاملاً مؤثراً في قراراته، مشيراً إلى أن الأسواق المالية كانت في بعض الأحيان مؤشراً حاسماً في تقييم السياسات، في اعتراف اعتبره البعض دليلاً على تأثير البعد الاقتصادي في توجيه القرارات السياسية العليا.
وفي المقابل، تراجعت نبرة الخطاب الأمريكي من المطالبة بـ”الاستسلام غير المشروط” وتغيير النظام في إيران، إلى التأكيد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، في تحول يعكس إعادة ضبط في الأولويات الاستراتيجية.
كما تتضمن التفاهمات، وفق ما تم تداوله، التزاماً أمريكياً بالمشاركة في برنامج إعادة إعمار واسع النطاق تُقدّر كلفته بنحو 300 مليار دولار، يُتوقع أن تتحمل جزءاً كبيراً منه دول خليجية، إلى جانب رفع القيود المفروضة على صادرات النفط الإيراني بشكل فوري، مع فتح الباب أمام مفاوضات لاحقة لرفع معظم العقوبات أو كلها، بما في ذلك تلك التي فُرضت خلال ولاية ترامب الأولى.
ويشير هذا المسار إلى تباين واضح مع اتفاق 2015 النووي، الذي انسحب منه ترامب سابقاً واعتبره “أسوأ اتفاق تم التفاوض عليه”، إذ كان ذلك الاتفاق يعتمد على رفع تدريجي للعقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي، مع فرض رقابة دولية صارمة عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإخراج نحو 98% من اليورانيوم المخصب من داخل إيران، وهو ما كان يحد من قدرتها على إنتاج سلاح نووي.
أما التفاهمات الحالية، فتشير التقديرات إلى احتمال السماح بتقليص مخزون اليورانيوم المخصب داخل إيران تحت إشراف دولي، رغم أن دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم يُحسم بعد بشكل كامل ضمن الترتيبات النهائية.
وفي المقابل، يبرز البعد الإسرائيلي كأحد أكثر عناصر المشهد تعقيداً، إذ يرى مراقبون أن حكومة نتنياهو، التي كانت تسعى لإعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي، وجدت نفسها أمام نتائج غير متوقعة، بعدما ساهمت الحرب في إعادة تمكين إيران وتعميق التوتر مع الولايات المتحدة في الوقت نفسه.
ورغم أن إسرائيل حققت خلال السنوات الماضية سلسلة من العمليات العسكرية التي استهدفت البنية العسكرية والقيادات المرتبطة بإيران وحلفائها، إلا أن التطورات الأخيرة أعادت فتح النقاش حول حدود هذه المكاسب وإمكانية تحويلها إلى نفوذ سياسي مستدام.
كما ظهرت فجوات متزايدة في العلاقة مع واشنطن، لا سيما مع تصاعد الخلافات حول إدارة المواجهة مع إيران، والوجود العسكري في لبنان، ومستقبل الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى تزايد الانتقادات داخل الأوساط الأمريكية تجاه سياسات الدعم غير المشروط لإسرائيل.
وفي جلسات داخلية ضمن قمة مجموعة السبع، أشار مسؤولون أوروبيون إلى أن هناك إدراكاً متزايداً بأن النظام الاقتصادي العالمي بات أكثر هشاشة، وأن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة.
كما يرى دبلوماسيون أن الصين تستفيد من هذه اللحظة لإعادة تموضعها في النظام الدولي، مستغلة تراجع التركيز الأمريكي على إدارة الأزمات، سواء في آسيا أو في ملفات الاقتصاد العالمي، بما يعكس انتقال المنافسة بين القوى الكبرى إلى مرحلة أكثر تعقيداً وتشابكاً.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن نتائج الحرب الأخيرة لم تُغلق ملف المواجهة مع إيران بقدر ما أعادت فتحه على مسارات أكثر اتساعاً، تتداخل فيها السياسة بالأمن بالطاقة بالاقتصاد، في مشهد يعكس مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الدولية، حيث تتغير مواقع القوة تدريجياً لصالح أطراف صاعدة، مقابل ضغوط متزايدة على القوى التقليدية لإعادة تعريف أدوات نفوذها.
