تقرير – شهاب
لم يكن مصور قناة الجزيرة مباشر الصحفي أحمد وشاح يعلم، وهو يودّع شقيقه مراسل قناة الجزيرة مباشر الصحفي محمد قبل شهرين، أن زملاءه سيقفون قريبًا في المشهد ذاته لوداعه هو الآخر.
وظهر اليوم الأحد، شيّع فلسطينيون جثمان الصحفي أحمد، في دير البلح وسط قطاع غزة، بعد أن استشهد إثر غارة "إسرائيلية" استهدفت منزلاً في مخيم البريج مساء أمس السبت، لتنتهي رحلة شقيقين جمعتهما سنوات من تغطية الأحداث الميدانية ونقل معاناة الناس.
وانطلق موكب التشييع من مستشفى شهداء الأقصى وسط حالة من الحزن خيمت على زملائه وأقاربه، الذين استعادوا مشاهد وداع شقيقه محمد وشاح، الذي استشهد بغارة استهدفت مركبته في أبريل الماضي على شارع الرشيد الساحلي جنوب غربي مدينة غزة.
وتنقّل أحمد، ابن مخيم البريج، بعدسته بين مواقع القصف والمجازر، موثقًا مشاهد الألم الإنساني في قطاع غزة خلال الحرب، قبل أن يرتقي شهيدًا، بعد أن كان ينقل صور الشهداء ليصبح هو أحدهم.
وباستشهاد وشاح، يرتفع عدد الصحفيين الشهداء منذ بدء العدوان على غزة إلى 263 صحفيًا.
ومن جهتها، نددت شبكة الجزيرة الإعلامية باغتيال وشاح، ووصفت استهدافه بـ"الجريمة النكراء"، مؤكدة أن ما جرى يأتي ضمن سلسلة من الاستهدافات التي طالت صحفييها والعاملين فيها بقطاع غزة خلال الحرب المستمرة.
وقالت الشبكة، إن استشهاد أحمد جاء بعد شهرين فقط من اغتيال شقيقه محمد، مشيرة إلى أن عدد شهدائها في قطاع غزة ارتفع إلى 12 منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي تعليق على الجريمة، قال أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية د. رائد أبو بدوية، إن استشهاد المصور الصحفي أحمد وشاح يمثل حلقة جديدة في مسلسل استهداف الصحفيين في قطاع غزة، لكنه يعيد طرح سؤال بات أكثر إلحاحًا يتعلق بحماية من ينقلون الحقيقة عندما يصبحون هم أنفسهم أهدافًا للحرب.
وأوضح أبو بدوية، في تصريح خاص لوكالة شهاب، أن القانون الدولي لم يترك الصحفيين دون حماية، إذ تعتبرهم اتفاقيات جنيف مدنيين يتمتعون بحماية خاصة، كما أن الاستهداف المتعمد لهم قد يرقى إلى جريمة حرب تستوجب التحقيق والمساءلة، مشيرًا إلى أن المشكلة لم تعد في غياب النصوص القانونية أو المؤسسات، بل في غياب الإرادة السياسية لتفعيلها.
وأضاف أن الأسرة الدولية تملك أدوات عديدة تتجاوز بيانات الإدانة التقليدية، بدءًا من تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء لجان تحقيق مستقلة، وتحريك مبدأ الولاية القضائية العالمية، مرورًا بممارسة الضغط على الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف لتحمل مسؤولياتها القانونية، ووصولًا إلى فرض عقوبات فردية على المسؤولين عن الانتهاكات، وتفعيل دور اليونسكو والمؤسسات الصحفية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان للدفاع عن سلامة الإعلاميين.
وأكد أن استمرار سقوط الصحفيين واحدًا تلو الآخر دون إجراءات رادعة أو مساءلة فعلية يكشف أن الأزمة لم تعد أزمة حماية قانونية بقدر ما هي أزمة إرادة دولية، موضحًا أن العالم لا يعاني من نقص في القوانين أو غياب المؤسسات، بل من اتساع الفجوة بين الشرعية القانونية والمصالح السياسية، الأمر الذي يجعل حماية الصحفيين رهينة حسابات القوة والتحالفات أكثر من خضوعها لمبادئ العدالة والإنسانية.
وأشار إلى أنه حين يتحول الصحفي من شاهد على الحرب إلى ضحية لها، وحين تصبح الكاميرا هدفًا، لا يكون المستهدف فردًا بعينه، بل الحق الإنساني في معرفة الحقيقة، متسائلًا عن أسباب تعطيل أدوات العدالة عندما يكون الضحايا صحفيين فلسطينيين.
وشدد على أن استمرار استهداف الإعلاميين دون مساءلة لا يهدد حياة الصحفيين فحسب، بل يقوض أحد أهم أسس النظام الدولي المعاصر، وهو حق الشعوب والعالم في الوصول إلى الحقيقة، مبينًا أنه عندما يصبح حامل الكاميرا هدفًا ويكون الصمت الدولي هو الرد، فإن الأزمة لا تكون أزمة غزة وحدها، بل أزمة نظام دولي يفقد تدريجيًا قدرته الأخلاقية والقانونية على حماية المبادئ التي قام عليها.
ودعا إلى الانتقال من بيانات التعاطف إلى تفعيل الأدوات السياسية والحقوقية المتاحة، مؤكدًا أن حماية الصحفيين ليست امتيازًا مهنيًا، وإنما التزام قانوني وأخلاقي دولي، وأن استمرار الإفلات من العقاب لن يعني سوى منح الضوء الأخضر لمزيد من استهداف الحقيقة، وتحويل الصمت الدولي من موقف سلبي إلى شريك غير مباشر في تكريس ثقافة الإفلات من المساءلة.
بدورها، قالت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إن استمرار استهداف الاحتلال الصهيوني للصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين، وآخر هذه الاستهدافات مصور قناة الجزيرة مباشر أحمد وشاح، جريمة جديدة تضاف إلى سجل جرائمه بحق الإعلام الفلسطيني، ومحاولاته المتواصلة لإسكات الأصوات التي تنقل حقيقة ما يتعرض له شعبنا من قتل وتدمير وحرب إبادة.
وأشارت الحركة، في بيانها، إلى أن الصحفي الفلسطيني بات هدفاً مباشراً لآلة القتل الصهيونية، في إطار سياسة ممنهجة تستهدف طمس الحقيقة ومنع توثيق الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين الأبرياء في قطاع غزة، بعد أن نجح الإعلام الفلسطيني والعربي والإعلام الدولي الحر في فضح ممارسات الاحتلال وكشف حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها شعبنا أمام العالم.
وأكدت أن استهداف الصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية، رغم تمتعهم بالحماية المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية، يؤكد استخفاف الاحتلال بكل القوانين والأعراف الدولية، وإصراره على مواصلة جرائمه دون رادع أو مساءلة.
وطالبت الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية والإعلامية الدولية بتحمل مسؤولياتهم والتحرك العاجل لوقف جرائم الاحتلال بحق الصحفيين والمدنيين، وتوفير الحماية لهم، والعمل على ملاحقة قادة الاحتلال ومحاسبتهم على جرائمهم المتواصلة أمام المحاكم الدولية المختصة.
