خاص / شهاب
تجد مريضات سرطان الثدي في قطاع غزة أنفسهن عالقات أمام نقص في أجهزة الفحص الطبي، أو انتظار طويل للحصول على نتيجة الخزعة، أو عجز عن توفير الجرعة الدوائية المطلوبة، قبل أن يدخلن في دوامة جديدة مرتبطة بالتحويلة الطبية وإمكانية السفر للعلاج في الخارج.
وفي الوقت الذي يحتفي فيه العالم خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول بحملات التوعية بسرطان الثدي وأهمية الكشف المبكر، تواجه النساء في غزة واقعًا مختلفًا، إذ لا تتوفر لهن في كثير من الحالات منظومة علاج متكاملة تبدأ بالفحص ولا تنتهي عند الجراحة. وبين كل مرحلة وأخرى، يمر وقت قد يغير طبيعة العلاج والمرض والخيارات المتاحة أمامها.
انتظار مميت
استغرق الوصول إلى تشخيص ورم رولا، البالغة من العمر 30 عامًا، نحو ثلاثة أشهر. وخلال هذه الفترة، بقيت تنتقل بين الفحوص والمراجعات، قبل أن تتأكد إصابتها وتبدأ مرحلة البحث عن العلاج.
بعد التشخيص، واجهت رولا نقصًا في الأدوية، إذ لم تكن الجرعات الكيماوية المطلوبة متاحة بصورة منتظمة، كما لم تجد مسكنات جيدة تساعدها على تخفيف الألم. ولم تصدر لها حتى الآن تحويلة طبية للسفر خارج قطاع غزة، الأمر الذي أبقاها في انتظار مفتوح من دون موعد واضح لبدء العلاج.
وتقول رولا لـ"شهاب": "الانتظار مميت أكثر من المرض؛ فأن تجد أن حياتك مرهونة بإجراءات احتلالية قاسية، أمر في غاية القهر والذل، لا سيما وأنك تعرف أن العالم كله يسمع عن معاناة أهل غزة، وأن الحلول لكل أزمات المرضى هي حلول إنسانية يكفلها القانون الدولي والإنساني، لكن هذا العالم المتخاذل لا يستطيع أن يبذل إنسانيته لإنقاذ غزة".
وتضيف رولا أن صدور التحويلة ليس نهاية المشكلة، وإنما بدايتها؛ فهي تعرف أن الحصول عليها لا يعني بالضرورة مغادرة القطاع، أو الوصول إلى مستشفى قادر على استقبالها في الوقت المناسب. وتخشى أن يطول الانتظار إلى درجة تضيق معها الخيارات أمامها، خصوصًا أنها تواجه احتمال الخضوع لاستئصال كامل للثدي.
وتنوه إلى أنها لا تملك معلومات كافية عن البدائل العلاجية التي قد تجنبها هذه العملية، أو عن الأسباب التي تجعل الاستئصال مطروحًا أمامها. ويزيد نقص المعلومات من قلقها، إذ لا تتعامل فقط مع تشخيص السرطان، بل مع قرار طبي مصيري لا تعرف تفاصيله كاملة.
ولا يمكن اعتبار تأخر التشخيص ثلاثة أشهر دليلًا قاطعًا على أن الورم وصل إلى مرحلة متقدمة، فذلك يحتاج إلى تقرير طبي يحدد نوع الورم ومرحلته. غير أن هذه المدة تكشف الصعوبة التي تواجهها المريضة في الوصول إلى الفحص والتشخيص.
تبدأ رحلة علاج سرطان الثدي عادةً من الفحص والتصوير، قبل الانتقال إلى أخذ العينة وتحديد طبيعة الورم. لكن هذه المراحل تواجه صعوبات كبيرة في غزة بسبب تضرر الأجهزة وخروج عدد من المراكز المتخصصة عن الخدمة.
ووفقًا لاستشارية الأشعة آلاء الهسي، تضررت معظم أجهزة الأشعة، فيما بقيت أجهزة التصوير المتخصصة محدودة داخل القطاع. ولا يتوفر جهاز "الماموغرام" في عدد من المستشفيات التي تستقبل المريضات، ما يضطر الطواقم إلى تحويلهن بين المرافق الصحية بحثًا عن جهاز متاح.
وتوضح الهسي أن التصوير التلفزيوني يساعد على تحديد طبيعة الكتلة وانتشارها داخل منطقة الثدي، بينما تحتاج المريضة إلى فحوص أخرى لمعرفة مدى انتشار المرض في بقية الجسم. وبعد ذلك تؤخذ العينة لتحديد ما إذا كان الورم حميدًا أو سرطانيًا، ثم توضع الخطة العلاجية وفق النتيجة.
لكن انتقال المريضة بين أكثر من مستشفى لا يعني فقط زيادة عدد المواعيد، بل يضيف وقتًا جديدًا إلى رحلة التشخيص. وفي ظل نقص الطواقم والأجهزة والمواد الطبية، قد تنتظر المريضة موعد التصوير أو الخزعة، ثم تنتظر بعد ذلك نتيجة الفحص وتحديد موعد العلاج.
نساء صغيرات
وتشير الهسي إلى أن غالبية الحالات تصل في الفترة الحالية بعد تأخر نسبي، مقارنة بما كان يحدث قبل الحرب، عندما كانت المريضات يصلن في مراحل أبكر من المرض. كما ترصد وصول إصابات بين نساء في أعمار أصغر، بعضهن في الثلاثينيات والأربعينيات، في حين كانت الحالات تُسجل غالبًا في أعمار أكبر. ويسجل قسم الأشعة في مجمع الشفاء الطبي قرابة ثلاث حالات إصابة بسرطان الثدي من أصل كل 15 حالة مراجعة يجري فحصها.
ولا يرتبط هذا التغير بالمرض وحده، إذ إن تعطل برامج الكشف المبكر وتوقف المراكز المتخصصة يحدان من فرص اكتشاف الورم في بدايته. وكلما تأخر الوصول إلى الفحص، أصبح من الصعب معرفة المرحلة الدقيقة للمرض ووضع خطة علاجية مبكرة.
في حين تعيش مروة، البالغة من العمر 44 عامًا، خوفًا مختلفًا. فقد سبق أن أصيبت بسرطان الثدي وتعافت منه، لكنها تواجه الآن انقطاعًا في المتابعة والعلاج الهرموني الذي تحتاج إليه.
تقول مروة إن توقف العلاج والمتابعة جعلها تعيش في قلق دائم من عودة المرض. وكلما سمعت قصة عن مريضة عاد إليها السرطان أو تدهورت حالتها، ازداد خوفها من أن تكون الأعراض التي تشعر بها مرتبطة بانتكاسة جديدة.
لم تحصل مروة على تحويلة طبية للسفر، بعدما صُنفت ضمن حالات المتابعة، بحسب ما أُبلغت، في ظل كثرة أعداد المرضى ووجود حالات تحتاج إلى تدخل عاجل. ومع استمرار انقطاع العلاج، تتدهور حالتها النفسية، ولا تعرف متى ستتمكن من العودة إلى الفحوص الدورية أو استعادة العلاج الهرموني.
لا تطلب مروة علاجًا جديدًا بقدر ما تطلب استكمال المسار الذي بدأته سابقًا. فالناجية من سرطان الثدي تحتاج إلى مراجعات منتظمة وفحوص متابعة، وقد تحتاج إلى علاج هرموني يمتد لفترة طويلة بحسب نوع الورم وخطة الطبيب. وعندما ينقطع هذا المسار، تبقى المريضة من دون إجابة واضحة عن وضعها الصحي.
وتأمل مروة في الحصول على تحويلة تنهي حالة الخوف المستمر، لكنها لا تعرف إن كان الانتظار سيطول أكثر. وبالنسبة إليها، لا يكمن الخطر في عودة المرض فقط، بل في احتمال اكتشافه متأخرًا بسبب غياب المتابعة.
ويشرح استشاري جراحة الأورام محمد عيد لـ«شهاب» أن الطواقم الطبية شكلت لجنة مشتركة بين مستشفيي الشفاء وناصر لتقييم الحالات ووضع الخطط العلاجية، لكن جزءًا من العلاجات والفحوص اللازمة غير متوفر داخل القطاع.
وتشمل هذه الفجوة العلاج الإشعاعي، وبعض العلاجات المناعية، والفحوص الجينية، إلى جانب فحوص الأنسجة والمختبرات التي تساعد الأطباء على اختيار العلاج المناسب لكل ورم. وفي ظل هذا النقص، تعتمد الطواقم بصورة أساسية على ما هو متاح من الجراحة والعلاج الكيماوي والهرموني، ما يعني أن المريضة لا تحصل دائمًا على جميع مراحل العلاج التي تفرضها حالتها.
ويقدّر عيد عدد الإصابات السنوية بسرطان الثدي في قطاع غزة بنحو 400 إصابة، مع ارتفاع نسبة المصابات في أعمار أصغر. غير أن هذه الأرقام تحتاج إلى تحديث رسمي، خصوصًا أن الحرب أضعفت خدمات التسجيل وأثرت في قدرة المؤسسات الصحية على الاحتفاظ ببيانات منتظمة عن المرضى.
هرموني أو مناعي
ويؤكد عيد أن علاج السرطان يجب أن يتم في الوقت المناسب، لأن الخطة العلاجية لا تقوم على الجراحة وحدها. فقد تحتاج المريضة إلى علاج إشعاعي بعد العملية، أو إلى دواء هرموني أو مناعي، أو إلى فحوص تحدد قدرتها على الاستجابة للعلاج. وعندما يغيب أحد هذه العناصر، يضطر الطبيب إلى اتخاذ القرار ضمن مساحة محدودة من الخيارات.
وصلت يسرى، البالغة من العمر 41 عامًا، إلى مرحلة طرح فيها الأطباء الاستئصال خشية انتشار المرض، وخضعت للعملية بعد حصولها على تحويلة طبية. وكانت تعتقد أن صدور التحويلة سيفتح أمامها فرصة للسفر وتلقي العلاج، لكن السفر لم يتم.
اضطرت يسرى في النهاية إلى استئصال الثدي، لتبدأ بعد العملية مرحلة أخرى من المعاناة. فهي تحتاج إلى استكمال العلاج، كما تنتظر فرصة لإجراء عملية ترميم تعيد إليها جزءًا من شكلها السابق، أو وصول معدات ووفود طبية قادرة على إجراء العملية داخل القطاع.
وبحسب استشاري جراحة الأورام، قد تعتمد الطواقم في بعض الحالات على استئصال جزئي، يتبعه علاج كيماوي، مع منح المريضة فترة للسفر وتلقي العلاج الإشعاعي غير المتوفر داخل غزة. وإذا تعذر السفر، فقد يصبح الاستئصال الكامل مطروحًا في حالات معينة، بحسب مرحلة الورم وطبيعته واستجابة المريضة للعلاج.
ولا يتوقف الأمر عند قرار الاستئصال، إذ تواجه المريضات بعد العملية نقصًا في مواد الترميم، من بينها الحشوات والمواد اللازمة لإعادة بناء الثدي. وقد تضطر الطواقم، عند غياب هذه المواد، إلى استخدام أنسجة من البطن أو الظهر لإجراء ترميم أكثر تعقيدًا يحتاج إلى وقت أطول في غرفة العمليات وفترة أطول للتعافي.
وبحسب عيد، تجتمع معاناة مريضات السرطان كافةً في نقطتين، رغم اختلاف مراحل المرض لديهن: الأولى، غياب العلاجات المناعية والعلاج الإشعاعي والفحوص الجينية؛ وبالتالي، لا تحصل المريضات على العلاج الأمثل بحسب البروتوكولات العالمية.
والثانية أن التحويلة الطبية في هذه الحالات لا تكفي وحدها لإنقاذ المريضة. فبعد إصدارها، تحتاج المريضة إلى موافقة على السفر، وموعد في مستشفى خارج القطاع، وقدرة على الوصول إلى المعبر، فضلًا عن إمكانية العودة لاستكمال العلاج.
غير مضمونة
وتقول المعلومات الميدانية إن غياب العلاج الإشعاعي يدفع الطواقم إلى محاولة منح بعض المريضات وقتًا للسفر بعد الجراحة والعلاج الكيماوي. لكن استمرار إغلاق المعابر أو تعذر خروج المرضى يجعل هذه الخطط غير مضمونة، وقد يضع المريضة أمام خيارات أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
يحل أكتوبر الوردي منذ ثلاثة أعوام في غزة بواقع صحي يجعل رسائله التقليدية ناقصة؛ فالدعوة إلى الكشف المبكر لا تكتمل من دون أجهزة فحص ومراكز عاملة، والحديث عن العلاج لا ينفصل عن توفر الأدوية والفحوص والعلاج الإشعاعي، فيما تبقى المتابعة مرتبطة بإمكان السفر وفتح المعابر. لذلك لا يظهر أكتوبر في القطاع بوصفه شهرًا للتوعية فقط، بل تذكيرًا بالحاجة إلى استعادة مسارات علاج سرطان الثدي كاملةً، من التشخيص الأول حتى ما بعد الجراحة.
