خاص - شهاب
في غزة، لم تعد الكرة مجرد أداة للعب. كرة القدم التي كانت في متناول الأطفال والرياضيين بعشرات الشواكل، أصبحت، حين تتوفر، تباع بمئات الشواكل، فيما لجأ أطفال نازحون إلى صناعة بدائل من الورق وأكياس النايلون، وشدّ حبل بين خيمتين لصنع شبكة للكرة الطائرة.
ويكشف شح المعدات الرياضية وألعاب الأطفال، إلى جانب تدمير المنشآت الرياضية، حجم الأزمة التي تواجه ممارسة الرياضة واللعب في غزة.
ارتفاع خيالي في الأسعار
تجلت آثار شح المواد في قفزات كبيرة بأسعار الأدوات الرياضية وألعاب الأطفال؛ إذ ارتفع سعر كرة القدم، مقاس 5 ومن نوعية جيدة، من نحو 30 إلى 50 شيكلاً قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى ما بين 500 و1000 شيكل خلال الحرب، حين تتوفر.
ولم تكن كرات الطائرة والسلة بأفضل حالاً، إذ كانت تباع سابقاً بنحو 40 إلى 60 شيكلاً، قبل أن تتجاوز خلال الحرب 400 شيكل للكرة الواحدة.
أما ألعاب الأطفال والدمى البسيطة، التي كانت تتراوح أسعارها بين 5 و15 شيكلاً، فأصبحت شحيحة أو غائبة عن الأسواق، فيما تباع الكميات المحدودة المتوفرة منها بأسعار تفوق قدرة كثير من العائلات النازحة.
وفي إعلان نُشر في 25 أغسطس/آب عبر فيسبوك، عرض أحد المواطنين كرة قدم جديدة للبيع، وكتب: "متوفر أخر كرة قدم جديدة.. الحالة: جديدة ولم تُستخدم، المقاس: 5.. السعر غالي للناس اللي بتفهم فيهم". وفق تعبيره.

أزمة الكرة.. صرخة الرياضيين
مع إعلان انطلاق بطولة "الألف شهيد" التنشيطية في غزة، ظهرت أزمة نقص الكرات في منشورات الإعلاميين والرياضيين.
وكتب الإعلامي الرياضي أحمد أبو دياب عبر فيسبوك، قبيل انطلاق البطولة: "قريباً في غزة مع وصول سعر كرة القدم 1000 شيكل".
فيما كتب الإعلامي الرياضي مؤمن الكحلوت (أمس) تحت عنوان "بكرة مُرقّعة.. وملعب مدمر": "اليوم تنطلق بطولة 'الألف شهيد'، كنت أتمنى أن تكون المباراة الافتتاحية في غزة، على ملعب ترابي، والجماهير تقف حول الملعب دون مدرجات، وأن تكون ضربة البداية بكرة رديئة، حتى تصل الرسالة كما هي: 'غزة أصبحت بلا ملاعب، بلا مدرجات، وكرة القدم فيها مفقودة'".
وفي منشور سابق، أوضح الكحلوت جانباً من الأزمة داخل الأندية، قائلاً: "أندية غزة تبحث عن كرة للاستعداد للمشاركة في البطولة التنشيطية.. نادي كبير يتدرب بكرة واحدة فقط، بعد شهر ونص من الانتظار للحصول عليها.. لا حول ولا قوة إلا بالله".
وتوالت التعليقات على منشوراته، فقال محمد البراوي: "أي عودةٍ للرياضة نتحدث عنها، وغزة ما زالت تبحث عن ملاعبها تحت الركام؟ غزة لا تحتاج كلمات تضامنية، وإنما تحتاج موقفاً وفعلًا وإعماراً حقيقياً لرياضتها".
وقال صائب جندية، قائد منتخب فلسطين السابق والمدرب الوطني: "نبحث عن منازل نسكن فيها عن علاج وعن تعليم وعن طعام وعن حياة كريمة في غزة بجانب البحث عن الكورة والنشاط.. أعتقد الأمور أكثر من كورة، أتمنى أن تظهر صورة غزة المدمرة في جميع المجالات... أنا بدور على كورة أيضاً عشان نلاعب فيها القدامى واللاعبين والأبناء".
وعلق محمد غنام: "بدون مبالغة ميزانية البطولة ما بتكفي ثمن كور وأدوات رياضية، ضرب من الخيال الكورة بـ500 شيكل".
وكتب محمد سالم: "لكل الموجهين اللي بقعدوا اجتماعات وبوافقوا ع هيك بطولات.. هينا في الآخر مش لاقين كورة نتمرن فيها"، فيما قال عماد أبو صلاح: "تخيل نوادي تعمل تغيير ومجالس إدارة جديدة ومسميات وبالآخر ما في رياضة ولا نوادي ولا حتى كورة يلعبوا فيها".
أما عواد خطاب فكتب: "إذا بقي الحال نفس الحال البطولة القادمة ستكون بالكرة الشراب بعد استهلاك الكور جميعها".
كرة طائرة من ورق ونايلون
ولم تقف الأزمة عند كرة القدم، إذ نشر لاعب منتخب فلسطين لكرة الطائرة خالد العرقان مقطع فيديو لمجموعة من الأطفال في مخيمات النزوح وسط غزة، شدّوا حبلاً بين خيمتين ليصنعوا شبكة، ولعبوا بكرة صنعوها من أوراق ملفوفة داخل أكياس نايلون.

وعلّق عبد الناصر البرقوني: "الأدوات البديلة حاضرة في الكرة الطائرة مع الارتفاع الباهظ للكرات.. فيديو جميل ومُعبر وله ما بعده".
وقال عبد الرحمن طافش: "الشغف لا يتوقف، للأسف الدمار أيضاً لا يتوقف".
وكتب محمود محمد: "بوجعني أشوف أطفالنا بيلعبوا بكرة من ورق ونايلون، بس بفخر فيهم أكثر لأنه رغم كل الظروف لسه بنحلم ولسه متمسكين بشغفنا.. يمكن اليوم ملعبهم خيمة وحبل، وبكرة واحد منهم يوقف بملعب كبير ويلبس قميص فلسطين".
دمار يطال الرياضة
ولا تقتصر أزمة الرياضة في غزة على نقص المعدات والكرات، إذ تعرضت المنشآت الرياضية والعاملون في القطاع الرياضي لخسائر واسعة منذ بدء الحرب.
وبحسب بيانات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية، استشهد 1014 من أفراد الأسرة الرياضية والشبابية والكشفية في فلسطين من بينهم 999 في قطاع غزة، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى تاريخ نشر هذا التقرير.
كما تضررت 265 منشأة رياضية، بينها 184 منشأة دُمرت بالكامل، وفق البيانات نفسها، وشملت الأضرار ملاعب وصالات رياضية ومقرات أندية ومنشآت لمختلف الألعاب.
وتشمل قائمة الرياضيين الذين استشهدوا أسماء بارزة في الرياضة الفلسطينية، من بينهم سليمان العبيد ومحمد بركات ومصطفى عطوان وهاني المصدر.



