خاص / شهاب
في الوقت الذي يواصل فيه قطاع غزة مواجهة الحرب والحصار والتجويع، تتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي دعوات وتحركات يصفها أهل غزة بـ"المشبوهة"، حيث يقف خلفها عدد من الناشطين والشخصيات المثيرة للجدل، من بينهم عبد الحميد عبد العاطي ورمزي حرز الله وحمزة المصري وآخرون، في التفاف واضح وراء دعوات الاحتلال والعصابات العملية لحراك ما يسمى بـ26 يونيو.
أدوار"مشبوهة"
وتثير هذه الدعوات نقاشًا واسعًا حول طبيعة الخطاب الذي يركز على مهاجمة المؤسسات المحلية والأجهزة الشرطية في غزة، في وقت تتعرض فيه تلك المؤسسات والعاملون فيها للاستهداف "الإسرائيلي" المباشر، الأمر الذي يدفع أهل غزة إلى رفض هذه الخطابات التي تمثل بنظهرهم نعرات حزبية لأشخاص مارسوا طيلة الحرب أدوارًا "مشبوهة" تتماشى مع أهداف تسعى "إسرائيل" إلى تحقيقها داخل المجتمع الفلسطيني.
وتطرح هذه الدعوات "المشبوهة" تساؤلات عدة، في ضوء ما كشفته دراسات وتحقيقات إعلامية تناولت عمل منظمات إسرائيلية متخصصة في ما يسمى "الدبلوماسية الشعبية" و"التطبيع المجتمعي"، والتي تعتمد على بناء شبكات من المؤثرين والإعلاميين والنشطاء القادرين على الترويج للرواية "الإسرائيلية" بلغات محلية ومن داخل المجتمعات العربية نفسها.
وحول كيف تصنع إسرائيل أصواتًا تدافع عنها ، يقول الصحفي والباحث الأكاديمي الاسكتلندي "آلان ماكلويد" : إن "إسرائيل" لا تكتفي بالدفاع عن نفسها عبر مؤسساتها الرسمية، بل تعمل على بناء شبكة واسعة من الشخصيات العربية والإسلامية المؤثرة القادرة على الترويج لروايتها في الإعلام والجامعات ومراكز الأبحاث.
ويشير إلى أن هناك منظمات متخصصة تعمل فى هذا الاتجاه منها على سبيل السرد لا الحصر منظمة "شراكة" و التى تستثمر في الزيارات والبرامج الأكاديمية والعلاقات الدولية لتكوين نخب جديدة تتبنى خطابًا متعاطفًا مع إسرائيل وتدافع عنها في المحافل المختلفة، بما يمنح الرواية الإسرائيلية مصداقية أكبر عندما تُطرح بأصوات عربية لا إسرائيلية.
ووفق تلك التحقيقات، لا تقتصر الجهود الإسرائيلية على الدعاية التقليدية، بل تمتد إلى صناعة شخصيات ومنصات قادرة على إعادة إنتاج الخطاب "الإسرائيلي" بصياغات عربية، والتركيز على القضايا والخلافات الداخلية، بما يسهم في إضعاف الجبهة المقابلة وتحويل الأنظار عن سياسات الاحتلال ومسؤوليته المباشرة.
وفي هذا السياق، جاءت الانتقادات الأخيرة لعبد الحميد عبد العاطي بعد حديثه عن نشر أسماء ومعلومات تتعلق بعناصر من الشرطة الفلسطينية في غزة، وهي خطوة اعتبرها كتاب وناشطون تجاوزًا خطيرًا قد يعرّض حياة أشخاص للخطر في ظل الحرب المستمرة.
ويرى منتقدوه أن استهداف الشرطة أو التشكيك المستمر بالمؤسسات المدنية والأمنية خلال الحرب ينسجم مع أحد الأهداف الرئيسية التي تسعى "إسرائيل" إلى تحقيقها داخل قطاع غزة، والمتمثلة في إضعاف البنية المجتمعية والمؤسساتية وإشاعة الفوضى والانقسام الداخلي.
وفي خضم الجدل الدائر حول الدعوات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حذرت فصائل المقاومة الفلسطينية من "الدعوات المشبوهة"، وأكدت أن هذه التحركات تستهدف إرباك الجبهة الداخلية الفلسطينية وتقويض حالة التماسك المجتمعي، من خلال استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي يمر بها سكان قطاع غزة جراء الحرب والحصار والتجويع المستمر.
رفع الغطاء العائلي
واعتبرت فصائل المقاومة أن أخطر ما تحمله هذه الدعوات هو سعيها إلى إضعاف النسيج المجتمعي وإحداث تصادمات داخلية تخدم الاحتلال وتمنحه فرصة للتنصل من مسؤولياته أمام المجتمع الدولي.
ولم تقتصر المواقف الرافضة لهذا الحراك على الفصائل الفلسطينية فحسب، بل امتدت لتشمل طيفًا واسعًا من العائلات والعشائر الفلسطينية في قطاع غزة، إلى جانب التجمع الوطني للقبائل والعشائر الفلسطينية، حيث أصدرت عشرات العائلات والوجهاء بيانات أكدت فيها تمسكها بالوحدة الوطنية ورفضها لأي دعوات من شأنها إثارة الفتنة أو تعميق الانقسام الداخلي.
وشددت هذه البيانات على أن الاحتلال الإسرائيلي يبقى العدو الأول للشعب الفلسطيني والمسؤول الرئيسي عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة جراء الحرب والحصار والتدمير الواسع. ورفعت العائلات الغطاء العائلي عن أي فرد من أبنائها يشارك في هذه التحركات، معتبرة أن أي نشاط يسهم في زعزعة الجبهة الداخلية أو صرف الأنظار عن مواجهة الاحتلال.
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي إسماعيل الريماوي أن أحد أكثر الجوانب إثارة للانتباه في الدعوات الأخيرة للحراك يتمثل في حجم الترويج الذي حظيت به من قبل صفحات إسرائيلية رسمية ناطقة باللغة العربية، بينها منصات تتبع لمؤسسات حكومية وأمنية وعسكرية إسرائيلية.
ويؤكد أن هذا التبني العلني لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلًا هامشيًا، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأهداف التي تخدمها هذه التحركات في ظل الحرب الدائرة على قطاع غزة.
ويضيف الريماوي أن المشهد يصبح أكثر وضوحًا عند ملاحظة حالة الاصطفاف التي أبدتها المجموعات المسلحة المحلية والميليشيات إلى تأييد الدعوات للحراك والترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويرى أن هذا التلاقي بين خطاب تلك المجموعات وبين الخطاب الذي تروج له المنصات "الإسرائيلية" الرسمية ليس أمرًا يمكن تجاهله، خاصة في ظل الاتهامات الواسعة التي وُجهت لهذه المجموعات خلال الأشهر الماضية بالعمل على تقويض الاستقرار المجتمعي، واستغلال حالة الحرب والفوضى، والتورط في استهداف النسيج الداخلي الفلسطيني.
ويلفت الريماوي إلى مفارقة أخرى يراها شديدة الدلالة، تتمثل في أن العديد من الأصوات التي تتصدر الدعوة إلى هذا الحراك تلتزم الصمت حيال ما تشهده الضفة الغربية من اعتداءات يومية ينفذها المستوطنون بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، حيث باتت أحداثًا شبه يومية في كل مدن الضفة الغربية، ومع ذلك لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تخصصه تلك الأصوات لمهاجمة المقاومة في غزة.
تساؤلات مشروعة
ويؤكد أن هذا الاختلال في توجيه الخطاب السياسي والإعلامي يثير تساؤلات مشروعة حول أولويات هذه الحملات والرسائل التي تسعى إلى تكريسها داخل الرأي العام الفلسطيني.
في حين يؤكد الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن أي حراك أو خطاب سياسي يتجاهل الجرائم اليومية التي يرتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين، أو يسعى إلى التقليل من مسؤوليته المباشرة عن المأساة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها قطاع غزة، يثير بطبيعته تساؤلات مشروعة حول مآلاته الحقيقية والأهداف التي يمكن أن يخدمها في هذه المرحلة الحساسة.
ويضيف أن هذه التساؤلات تزداد أهمية عندما تحظى بعض هذه التحركات أو الخطابات باهتمام ملحوظ أو ترحيب من وسائل إعلام "إسرائيلية" ومعلقين مقربين من دوائر صنع القرار في الاحتلال، إذ ينظر كثير من هؤلاء إلى أي حالة انقسام أو توتر داخلي فلسطيني باعتبارها فرصة لإضعاف المجتمع الفلسطيني واستنزافه من الداخل.
ويشير القرا إلى أن الاحتلال لطالما سعى، عبر أدواته السياسية والإعلامية والأمنية، إلى نقل الصراع من مواجهة مع الاحتلال إلى صراعات داخلية فلسطينية، لأن ذلك يخفف من الضغوط الواقعة عليه ويمنحه فرصة للتنصل من مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية.
ويرى القرا أن خطورة هذه الخطابات لا تكمن فقط في مضمونها المباشر، وإنما في النتائج التي يمكن أن تترتب عليها على مستوى الوعي العام والتماسك المجتمعي، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، حيث تصبح المحافظة على الوحدة الوطنية وتعزيز صمود المجتمع أولوية وطنية لا تقل أهمية عن مواجهة العدوان نفسه.
