تقرير - شهاب
أجمع محللون سياسيون على أن فشل ما يسمى بـ"حراك 26 يونيو" في قطاع غزة عكس تمسك الشعب الفلسطيني بوحدته الداخلية وثوابته الوطنية، ورفضه الانجرار إلى تحركات مشبوهة تصب في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي، رغم الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.
وأكدوا أحاديث خاصة لوكالة شهاب، أن الوعي الشعبي والحاضنة الوطنية أسهما في إفشال الحراك، مشيرين إلى أن أهالي قطاع غزة ميّزوا بين المطالب المعيشية المشروعة وبين الدعوات المشبوهة التي تخدم الاحتلال.
مناعة وطنية
الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، قال، إن ما سُمّي بثورة السادس والعشرين من يونيو انتهى إلى حقيقة سياسية لا يمكن القفز فوقها، وهي أن المجتمع الغزي رغم الجوع والحصار والنزيف ما زال يمتلك مناعة وطنية عالية وقدرة استثنائية على التمييز بين الحراك المطلبي المشروع وبين محاولات توظيف المعاناة في سياق هندسة سياسية تخدم أجندات خارجية.
وأوضح شاهين، أن بعض الجهات راهنت على ما أسماه في أدبيات الصراع بـ"تعب السكان واستنزاف الإرادة الوطنية"، وظنت أن البيئة الإنسانية القاسية ستتحول تلقائياً إلى بيئة قابلة للاختراق السياسي، لكن الذي حدث هو العكس تماماً، إذ أرسل أهل غزة رسالة واضحة مفادها أن الألم لا يعني السقوط في فخ الفوضى، وأن الجوع لا يعني منح شرعية لمشاريع إعادة تشكيل الوعي الوطني وفق الرؤية "الإسرائيلية".
وأضاف أن الرسالة الثانية تتمثل في أن الشعب الفلسطيني يدرك جيداً مفهوم التوقيت السياسي، ففي لحظات الحروب الوجودية يصبح أي اشتباك داخلي هدية استراتيجية للخصم، ولذلك رفضت قطاعات واسعة من المجتمع الانجرار إلى معركة جانبية تنقل مركز الصراع من الاحتلال إلى الداخل الفلسطيني.
وأشار إلى أن الرسالة الثالثة تؤكد أن الحاضنة الشعبية ما زالت تنظر إلى الوحدة المجتمعية باعتبارها أحد أصول القوة الوطنية، موضحاً أن الدول والمجتمعات لا تنهار فقط بالقصف، وإنما تنهار عندما تفقد مناعتها الداخلية وتتحول إلى جماعات متصارعة.
وأكد شاهين أن الرسالة الأخيرة والأهم هي أن غزة قالت لكل غرف العمليات الإعلامية ولكل من راهن على تفجير الداخل إن المجتمع الفلسطيني ليس كتلة قابلة للتوجيه عن بعد، وأن الشرعية الشعبية لا تصنعها الحملات الإلكترونية ولا غرف التأثير النفسي ولا عمليات التضليل الإعلامي.
وبين أن "حراك 26 يونيو" سقط لأنه افتقد الحاضنة الوطنية واصطدم بوعي جمعي أدرك أن معركة اليوم ليست فقط معركة خبز ودواء، وإنما معركة هوية وإرادة وسيادة والتفاف حول خيار الصمود والمقاومة التي كفلتها القوانين والتشريعات الدولية، ورسالة واضحة أن القرار الوطني الفلسطيني محصن وطنياً ويقف مع من ضحى وناضل وصمد، وهي بمثابة استفتاء غير مباشر يؤكد صوابية خيار المقاومة والرضى الشعبي العام عنه رغم الآلام والتضحيات، وكذلك وحدت الفصائل والمخاتير ومكونات الشعب ضد هذا الحراك المرفوض جماهيرياً".
كشف زيف الحسابات الممولة
بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، إن ما جرى في غزة من فشل للحراك أو ما يسمى " ثورة 26 يونيو" الذي دعا إليه الاحتلال الإسرائيلي، وروّجت له بعض الأصوات غير الواعية وغير الوطنية، يحمل رسالة سياسية مهمة مفادها أن الحاضنة الشعبية في قطاع غزة، رغم الحرب والتجويع والتشريد، ما زالت متمسكة بثوابتها الوطنية ولم تنجرّ إلى مشاريع مشبوهة، كما كشف حجم الفجوة بين ما يُضخ عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الحسابات الممولة والوهمية، وبين المزاج الحقيقي في الشارع الفلسطيني، مؤكداً أن محاولات تحريض الفلسطيني على الفلسطيني سقطت، وأثبت شعبنا أن عدوه الحقيقي هو الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح المدهون، أن فشل هذا الحراك يعود إلى عدة أسباب، أولها أن الخوف الذي منع الناس من الخروج لم يكن خوفًا من قوات الأمن أو من وزارة الداخلية كما يروّج البعض، بل كان خوفًا من الوقوع في دائرة العار الوطني، ومن أن يُحسب المشاركون ضمن مشروع يخدم الاحتلال ويمنحه مكاسب سياسية وإعلامية، مشيرًا إلى أن أهالي غزة أدركوا أن توقيت هذه الدعوات، والجهات التي دعمتها وروّجت لها، يثير كثيرًا من علامات الاستفهام، فاختاروا عدم الاستجابة لها.
وأضاف أن السبب الثاني يتمثل في الوعي الجمعي الفلسطيني وقدرته على التمييز بين الصوت الوطني الصادق، وبين الأصوات التي تستغل معاناة الناس لخدمة أجندات أخرى، مبينًا أن أهل غزة يدركون أن أي انزلاق إلى الفوضى أو الاقتتال الداخلي لن يخدم إلا الاحتلال، وسيضاعف معاناة الشعب ويفكك جبهته الداخلية.
وأشار إلى أن السبب الثالث يتمثل في أن الفلسطينيين ما زالوا يرون أن الاحتلال هو المسؤول الأول عن القتل والدمار والحصار، وأن أي مواجهة يجب أن تكون معه لا داخل البيت الفلسطيني، كما يميز شعبنا بين المطالبة المشروعة بالحقوق، وبين التحركات التي قد تُستغل لإشعال الانقسام وخدمة الاحتلال.
ولفت إلى أن موقف العشائر والعائلات والمخاتير والنخب الفلسطينية، إضافة إلى موقف الفصائل الفلسطينية الرافض لهذا الحراك، ساهم في إسقاطه سياسيًا وشعبيًا، بعدما اعتبرته تحركًا مشبوهًا لا يخدم المصلحة الوطنية.
وذكر أن هذه النتيجة يجب أن تدفع كل من راهن على هذه الدعوات إلى مراجعة موقفه، وتوجيه جهوده نحو تعزيز صمود شعبنا ووحدته، لا نحو استغلال آلامه في مشاريع تفتح أبواب الفوضى وتمنح الاحتلال ما عجز عن تحقيقه بالحرب.
وشدد على أن شعبنا يمر بمرحلة تُعدّ من أخطر مراحل تاريخه، وهو أحوج ما يكون إلى الوحدة، ورصّ الصفوف، وتحمل المسؤولية، وأن الواجب الوطني اليوم هو حماية الجبهة الداخلية، وإفشال كل المحاولات الرامية إلى بث الفتنة والانقسام، وتوجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي، وهو الاحتلال الإسرائيلي.
ومن جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور أمجد بشكار، إن فشل الحراك في غزة هو رسالة للعملاء والمأجورين أن شعب قطاع غزة منتمي لأرضه ووطنه، وأن الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية ما زالت فاعلة رغم كل ما مر به الشعب من ظروف.
وأضاف بشكار، أن جميع المؤثرين والنشطاء والوكالات الداعمين للحراك سقطوا في توقعهم بداية ثورة من قبل المأجورين على المقاومة، مؤكداً أن الحاضنة الشعبية لهذا الوطن وأبنائه ومقاومته أكثر فعالية وجدية، وأنه سقط زعم أن المقاومة تحكم غزة بالقوة.
