خاص / شهاب
بعد أكثر من ألف يوم على حرب الإبادة في قطاع غزة، لم تتراجع معاناة آلاف العائلات في تأمين أبسط احتياجات أطفالها. فما يزال حليب الأطفال، الذي يمثل الغذاء الأساسي لكثير من الرضع، سلعة نادرة في أوقات كثيرة، ومرتفعة الثمن في معظمها، لتجد الأسر نفسها في سباق يومي بحثًا عن عبوة قد لا تجدها، أو تضطر لشرائها بأسعار تفوق قدرتها على الاحتمال.
وتجد الأسر نفسها أمام احتياج لا يمكن تأجيله، فالطفل الذي يعتمد على الحليب الصناعي يحتاج إلى عدة عبوات شهريًا، بحسب عمره وحالته الصحية، ما يضيف عبئًا جديدًا على عائلات أنهكتها الحرب، وتراجع الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولا تتوقف المعاناة عند ارتفاع الأسعار، فغياب بعض الأنواع من الأسواق يدفع الأمهات إلى البحث لساعات بين الصيدليات ونقاط البيع، وسط مخاوف دائمة من عدم العثور على الحليب المناسب لأطفالهن، في أزمة أصبحت جزءًا من يوميات آلاف العائلات في القطاع.
أي نوع
منذ ولادة طفلها، لم تكن معاناة رنا القصاص (29 عامًا) مرتبطة فقط بتوفير احتياجاته اليومية، بل أصبحت مرتبطة بسؤال يتكرر كلما اقتربت عبوة الحليب من النفاد: أي نوع ستجد هذه المرة؟ وهل سيكون مناسبًا لطفلها أم سيزيد من معاناته؟
وتقول القصاص إنها تضطر في كثير من الأحيان إلى شراء أي نوع متوفر في السوق، بعد أن تعجز عن العثور على الحليب الذي اعتاد عليه طفلها، الأمر الذي ينعكس على صحته بشكل مباشر. فمع تغيير الأنواع بصورة متكررة، يعاني طفلها من مغص واضطرابات في المعدة، فيما تبقى هي في حيرة بين تأمين الغذاء له والخوف من تأثير هذه التغييرات على راحته ونموه.
وتواجه الأم، إلى جانب أزمة توفر الحليب، أزمة أخرى تتمثل في ارتفاع أسعاره مقارنة بظروف الأسرة الاقتصادية الصعبة. فمع تراجع مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت كل عبوة حليب تمثل عبئًا جديدًا، وتجعلها في حسابات مستمرة بين توفير غذاء طفلها وتأمين باقي احتياجات الأسرة.
وتقول: "أحيانًا أخاف أن تنتهي العبوة قبل أن أجد غيرها، فأبقى أبحث وأسأل في كل مكان، لأنني لا أريد أن أضطر إلى إعطاء طفلي أي نوع قد يسبب له التعب، لكنني لا أملك دائمًا خيارًا آخر."
أما فاتن أبو جلالة (27 عامًا)، فتقول إن فرحتها الكبيرة بقدوم طفليها التوأم سرعان ما اصطدمت بواقع يومي أكثر قسوة، بعدما وجدت نفسها في مواجهة أزمة توفير الحليب المناسب لهما، في ظل نقص الأصناف وارتفاع الأسعار.
وتوضح فاتن أنها تحتاج إلى كميات أكبر من الحليب مقارنة بالأسر التي لديها طفل واحد، فالتوأم يحتاجان إلى تغذية منتظمة ومتابعة مستمرة، إلا أن الحصول على الحليب أصبح مهمة شاقة، خاصة مع اختفاء بعض الأنواع التي تناسب أعمارهما.
ومع تكرار أزمة نقص الحليب، حاولت فاتن البحث عن بدائل تخفف اعتماد طفليها عليه، فتوجهت إلى إعداد بعض الأطعمة المنزلية المناسبة للرضع، مثل الفواكه المهروسة، إلا أنها اصطدمت بعقبات جديدة، أبرزها غياب كثير من أصناف الفواكه من الأسواق، وندرة الأغذية المخصصة للأطفال، التي كانت تعتمد عليها الأمهات خلال المراحل الأولى لإدخال الطعام إلى غذاء الرضع.
وتؤكد أن محاولاتها لم تكن بهدف الاستغناء عن الحليب، وإنما لتوفير بدائل آمنة تساعدها في تلبية احتياجات طفليها، لكنها وجدت أن الخيارات المتاحة محدودة للغاية، فحتى الأغذية المساعدة للأطفال أصبحت صعبة المنال في ظل الظروف الحالية.
وفي أحدث التحذيرات، أكدت رئيسة قسم التغذية العلاجية في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، إسراء النجار، نفاد حليب الأطفال رقم (1) ورقم (2) بالكامل من مستودعات المجمع، فيما أصبحت الكميات المتبقية من الحليب العلاجي محدودة للغاية، ولا تكفي إلا للحالات الحرجة.
تهديدًا مباشرًا للرضع
وحذرت النجار من أن استمرار نقص الحليب والمكملات الغذائية، إلى جانب غياب الفواكه والخضروات عن موائد كثير من الأسر، يهدد حياة الأطفال الرضع ويؤثر في نموهم الجسدي والعقلي، خصوصًا خلال الأشهر الأولى من العمر، التي تُعد المرحلة الأهم في بناء أجسامهم.
ولا تتوقف المخاطر عند نقص الحليب، إذ يشير مدير مستشفى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، إلى أن الأزمة تجاوزت مجرد ارتفاع الأسعار أو صعوبة الحصول على العبوات، لتصبح تهديدًا مباشرًا لصحة الرضع.
ويوضح الفرا أن كثيرًا من الأمهات لم يعد بإمكانهن الاعتماد على الرضاعة الطبيعية بسبب سوء التغذية الذي يعانين منه، الأمر الذي يجعل الحليب الصناعي الوسيلة الوحيدة لتغذية أطفالهن، محذرًا من أن نقص التغذية خلال السنوات الأولى من العمر قد يترك آثارًا صحية ونمائية يصعب تعويضها لاحقًا.
وتدعم هذه التحذيرات الطبية أرقام الهيئات الدولية، إذ تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى تسجيل 5119 حالة سوء تغذية حادة بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات خلال شهر مايو/أيار 2025 وحده، من بينها 636 حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أخطر أشكال سوء التغذية وأكثرها تهديدًا للحياة. وتمثل هذه الأرقام ارتفاعًا بنسبة 150% مقارنة بشهر فبراير/شباط من العام نفسه، عندما كان دخول المساعدات أكثر انتظامًا خلال فترة الهدنة. كما حذرت المنظمة من أن أكثر من 320 ألف طفل دون سن الخامسة باتوا معرضين لخطر سوء التغذية، في ظل التراجع المستمر في توافر الأغذية العلاجية وحليب الأطفال المتخصص.
ولا يقتصر أثر الأزمة على المستشفيات، بل ينعكس أيضًا داخل الصيدليات التي أصبحت الوجهة الأولى للأمهات الباحثات عن أي عبوة حليب متوفرة.
رضع بلا غذاء
ويؤكد الصيدلي رامي العمصي أن ما تواجهه الأمهات أصبح مشهدًا يوميًا داخل الصيدليات، موضحًا أن السوق يشهد اختفاءً متكررًا لأنواع متعددة من حليب الأطفال، بالتزامن مع ارتفاع أسعار العبوات إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، الأمر الذي يدفع كثيرًا من الأسر إلى شراء أي نوع متوفر، حتى وإن لم يكن مناسبًا لعمر الطفل أو حالته الصحية، خشية أن يبقى الرضيع بلا غذاء.
ومع استمرار القيود على دخول الإمدادات، وتآكل المخزونين الطبي والغذائي في قطاع غزة، لم يعد نقص حليب الأطفال مجرد أزمة إمداد أو سلعة يصعب الحصول عليها، بل تحول إلى تهديد مباشر لصحة آلاف الرضع الذين يعتمدون عليه بوصفه مصدرهم الأساسي للتغذية. ز
ويحذر الأطباء من أن استمرار نقص الحليب العلاجي، إلى جانب تراجع الإمدادات الغذائية والطبية، يرفع من خطر سوء التغذية والمضاعفات الصحية بين الأطفال، في وقت تواصل فيه آلاف الأمهات خوض معركة يومية لتأمين "الرضعة التالية" بعد أكثر من ألف يوم من الإبادة.
