أكدت الأمم المتحدة أن الانتهاكات الجنسية التي يرتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" بحق الفلسطينيين تشكل جزءًا من نمط أوسع من العنف الممنهج، يشمل استخدام العنف الجنسي بوصفه أحد أشكال التعذيب، وذلك في وقت دعت فيه إلى توفير الحماية للضحايا، وضمان المساءلة، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب.
جاء ذلك خلال جلسة عقدها مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، لمناقشة التقرير السنوي للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، باميلا باتن، بعنوان "الوفاء بوعود القانون الدولي للناجيات والناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات".
وقالت باتن في إحاطتها إن هناك العديد من القضايا التي يصعب على الدول وأعضاء مجلس الأمن الاتفاق بشأنها، إلا أن إنهاء العنف الجنسي في النزاعات يجب ألا يكون موضع خلاف، مؤكدة أن المجلس أقر خلال السنوات الماضية ما لا يقل عن ستة قرارات أممية تتعلق بهذا الملف، وأن المطلوب اليوم هو إرادة سياسية حقيقية وموارد كافية لتحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات عملية، وسد الثغرات في مجالات الحماية والمساعدة والمساءلة.
وأوضحت أن مكتبها، الذي أُنشئ قبل سبعة عشر عامًا، جاء استجابة لما وصفته آنذاك بـ"أكثر جرائم الحرب صمتًا وأقلها إدانة"، مشيرة إلى أن تقرير هذا العام وثّق 9788 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاعات خلال عام 2025، وهي الحالات التي تمكنت الأمم المتحدة من التحقق منها فقط، مؤكدة أن العدد تضاعف مقارنة بالعام السابق، لكنه لا يعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات بسبب صعوبة الوصول إلى الضحايا واستمرار القيود الأمنية.
وبيّن التقرير أن الأمم المتحدة رصدت 77 طرفًا متورطًا في ارتكاب انتهاكات جنسية مرتبطة بالنزاعات، من بينها 62 جهة من غير الدول، فيما صنفت أكثر من 65% من هذه الأطراف ضمن الجهات التي ترتكب هذه الانتهاكات بصورة مستمرة منذ خمس سنوات أو أكثر دون اتخاذ إجراءات تصحيحية بحقها. كما أضاف التقرير هذا العام "إسرائيل" وروسيا إلى قائمة الأطراف الحكومية الواردة في الملحق.
وفيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية، كشف التقرير عن تمكن الأمم المتحدة من التحقق من 31 حالة تعرض فيها فلسطينيون لعنف جنسي مرتبط بالنزاع، بينهم 14 رجلًا، و7 نساء، و9 أطفال ذكور، وطفلة واحدة، رغم القيود التي يفرضها الاحتلال "الإسرائيلي" على حركة العاملين الدوليين وصعوبة الوصول إلى الضحايا.
وأوضح التقرير أن هذه الانتهاكات وقعت داخل معتقلات الاحتلال "الإسرائيلي"، وعلى الحواجز العسكرية، وأثناء المداهمات والعمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن بعضها شمل الاغتصاب وغيره من أشكال الاعتداء الجنسي، وأن هذه الممارسات تندرج ضمن نمط أوسع من العنف الجنسي الذي يستخدمه الاحتلال بحق الفلسطينيين باعتباره أحد أساليب التعذيب.
وأكدت باتن أن ما وثقته الأمم المتحدة لا يمثل سوى جزء محدود من الواقع، مشيرة إلى أن القيود المفروضة على الوصول، وانعدام الأمن، وانهيار أنظمة الرعاية الصحية، وتقليص بعثات الأمم المتحدة، إضافة إلى الوصمة الاجتماعية التي تحيط بالضحايا، كلها عوامل تحول دون توثيق العدد الحقيقي للحالات.
وأضافت أن تقديرات العاملين في المجال الإنساني تشير إلى أن الحصيلة الفعلية أعلى بكثير، موضحة أنه "مقابل كل حالة تصل إلى العيادات، هناك ما بين 10 و20 حالة لا يتم الإبلاغ عنها ولا تحصل على أي رعاية".
ولفت التقرير إلى أنه يوثق انتهاكات في 21 دولة ومنطقة نزاع حول العالم، تتضمن أنماطًا واسعة من الجرائم، تشمل الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والاستعباد الجنسي، والزواج القسري، والاتجار بالبشر، مؤكدة أن هذه الممارسات تُستخدم عمدًا كأدوات للحرب والإرهاب والتعذيب والقمع السياسي، سواء من قبل جهات حكومية أو جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة.
وأكدت المسؤولة الأممية أن كل حالة موثقة تعكس فشلًا مزدوجًا؛ الأول في حماية المدنيين، والثاني في محاسبة الجناة، وهو ما يؤدي إلى استمرار الجرائم واتساع نطاقها.
وأشارت إلى أن النساء والفتيات يشكلن نحو 90% من ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، بينما يتعرض الرجال والفتيان بصورة خاصة لهذه الانتهاكات أثناء الاحتجاز، حيث يُستخدم العنف الجنسي ضدهم وسيلة للعقاب والإذلال وانتزاع الاعترافات والمعلومات بالقوة.
وأضافت أن أعمار الضحايا تتراوح بين عام واحد وأكثر من سبعين عامًا، موضحة أن التقرير وثق ما يقارب 3000 حالة اعتداء ضد أطفال خلال عام 2025، بزيادة بلغت 37% مقارنة بالعام السابق، وهو ما يترك آثارًا نفسية عميقة تمتد عبر الأجيال.
وربطت باتن الارتفاع الكبير في أعداد الحالات بتوسع رقعة النزاعات المسلحة عالميًا، وتصاعد الإنفاق العسكري الذي يقترب من 3 تريليونات دولار سنويًا، إلى جانب ارتفاع معدلات النزوح القسري، وتفاقم الانقسامات الجيوسياسية، وتراجع الحيز المدني، وتزايد أعمال الانتقام ضد المدافعات عن حقوق المرأة والصحفيين الذين يوثقون هذه الانتهاكات.
وشددت على أن العنف الجنسي في النزاعات لم يعد يُنظر إليه باعتباره تجاوزات فردية أو أضرارًا جانبية للحروب، بل أصبح جزءًا من استراتيجيات العدوان العسكري والإرهاب، يُستخدم لتحقيق أهداف سياسية وجيوسياسية، تشمل التهجير القسري، ومعاقبة الخصوم، وتغيير التركيبة الديموغرافية، وتفكيك الأسر والمجتمعات، مؤكدة أن هذه الجرائم تمثل من أخطر انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، ولا يجوز منح مرتكبيها أي عفو أو حصانة.
