خاص / شهاب
لم تعد التحركات الاستيطانية الإسرائيلية في جنوب محافظة جنين تقتصر على إقامة بؤرة استيطانية جديدة أو إعادة إحياء مستوطنات أُخليت قبل سنوات، بل باتت تأخذ طابع مشروع متسارع يستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، عبر التوسع الاستيطاني، وإقامة معسكرات للجيش، والاستيلاء على مزيد من الأراضي الزراعية، بما يهدد مستقبل عشرات التجمعات الفلسطينية في المنطقة.
وخلال الأشهر الأخيرة، تسارعت الإجراءات الإسرائيلية في أكثر من موقع جنوب المحافظة، في مشهد يعكس اتساع رقعة الاستيطان وتنوع أدواته.
تكريس واقع جديد
فإلى جانب إعادة إحياء مستوطنة "صانور"، تتواصل أعمال التوسع في مستوطنة "ترسلة"، فيما أُقيمت بؤر استيطانية جديدة على أراضي كفر راعي، وبين بلدتي يعبد وعرابة، بالتزامن مع أعمال تجريف للأراضي وإقامة معسكرات للجيش في مناطق عدة، بينها محيط عابا وعرابة والجابريات شرق مدينة جنين.
كما طالت الإجراءات الإسرائيلية المنشآت التجارية والأراضي الزراعية، في خطوات يرى المواطنون أنها تستهدف تكريس واقع جديد يفرض مزيدًا من السيطرة على الأرض الفلسطينية، ويضيق الخناق على القرى المحيطة.
من جانبه، يقول مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين، طارق إغبارية، إن ما تشهده المحافظة منذ بداية عام 2026 يمثل أخطر موجة توسع استيطاني منذ أكثر من عقدين، بعد أن أعادت سلطات الاحتلال محافظة جنين إلى واجهة المشاريع الاستيطانية، عقب سنوات كانت فيها شبه خالية من المستوطنات.
ويوضح أن ما يجري لا يقتصر على إنشاء بؤر استيطانية أو معسكرات للجيش، بل يندرج ضمن مشروع متكامل يهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا في شمال الضفة الغربية، من خلال الاستيلاء على الأراضي، وشق الطرق العسكرية والاستيطانية، وإقامة المعسكرات والبوابات والحواجز، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض.
ويشير إلى أن الاحتلال ينفذ في الوقت الراهن أعمالًا في سبعة مواقع استيطانية رئيسية داخل المحافظة، من بينها مستوطنتا "جانيم" و"كاديم"، ومنطقة ترسلة، ومعسكر عرابة، والمعسكر المقام قرب عابا، إلى جانب مواقع أخرى في رابا وغرب اليامون، فيما تُقدَّر مساحة الأراضي التي وضعت سلطات الاحتلال يدها عليها بنحو 17 ألف دونم، تشمل أراضي خزينة وأخرى مملوكة لمواطنين فلسطينيين، ضمن مناطق تسيطر عليها 18 موقعًا استيطانيًا في المحافظة.
ولم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على التوسع في المواقع الاستيطانية، بل امتدت إلى استهداف النشاط الاقتصادي الفلسطيني، إذ أخطرت سلطات الاحتلال ثماني منشآت تجارية قرب محطة عرابة جنوب جنين بالإخلاء تمهيدًا لهدمها، في خطوة طالت محالًا تجارية وورشًا صناعية ومنشآت زراعية ومخازن ومعارض للمركبات.
ولا تنعكس هذه الإجراءات على خريطة الأرض فحسب، بل تمتد آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، إذ يواجه المزارعون صعوبات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم، فيما تتزايد المخاوف من فقدان مساحات جديدة من الأراضي المزروعة، وارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي، في ظل حرمان مربي الأغنام من المراعي الطبيعية واضطرارهم إلى شراء الأعلاف، الأمر الذي يفاقم الأعباء الاقتصادية على عشرات الأسر.
"كارثة زراعية"
ويؤكد إغبارية أن القطاع الزراعي كان الأكثر تضررًا من هذه السياسات، خاصة بعد توجه أعداد كبيرة من المواطنين إلى العمل في الزراعة عقب توقف العمالة داخل الأراضي المحتلة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ويضيف أن إغلاق الطرق الزراعية، والاستيلاء على الأراضي، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، ألحق أضرارًا واسعة بمصادر دخل آلاف الأسر، وخلق ما وصفه بـ"كارثة زراعية" في محافظة جنين.
ومن جهته، يقول رئيس مجلس قروي عابا، برهان عزموطي: "إن القلق لا يرتبط فقط بنحو 180 دونمًا طالتها إخطارات برفع اليد، وإنما يمتد إلى مئات الدونمات المحيطة، في ظل تصاعد الوجود العسكري والاستيطاني، وما قد يترتب عليه من حرمان المواطنين من الوصول إلى أراضيهم."
ويضيف أن الزراعة تشكل العمود الفقري لاقتصاد القرية، إذ تعتمد عشرات العائلات على زراعة الزيتون والأراضي المروية، إلى جانب تربية الأغنام التي تستفيد من المراعي الطبيعية. ويحذر من أن إغلاق هذه المناطق أو تقييد الوصول إليها سيؤدي إلى خسائر مباشرة للمزارعين والمربين، الذين سيضطرون إلى شراء الأعلاف، بما يفاقم الأعباء الاقتصادية على الأسر الفلسطينية.
ولا تتوقف المخاوف عند القطاع الزراعي، إذ يشير عزموطي إلى أن استمرار التوسع العسكري والاستيطاني يهدد بعزل عدد من القرى عن محيطها، مع تكرار إغلاق الطرق وإقامة الحواجز، ما قد يجبر المواطنين على سلوك طرق أطول للوصول إلى مدينة جنين، الأمر الذي يضاعف معاناة العمال والطلبة والمرضى، ويرفع كلفة التنقل اليومية.
عدم اليقين
وفي حين يقول عصام الغموري، الذي يسكن في قرية عابا وتلقى إخطارًا من سلطات الاحتلال، إنه لم يمض على انتقاله إلى منزله سوى ثلاث سنوات، بعد سنوات طويلة من العمل في قطاع البناء داخل الأراضي المحتلة عام 1948، حتى تمكن من تشييد منزل يؤوي أسرته.
إلا أن هذا الاستقرار بات مهددًا اليوم، بعدما تسلم إخطارًا يضع منزله ضمن المباني المطلوب البت في مصيرها، مشيرًا إلى أن حالة عدم اليقين أصبحت تثقل كاهل العائلات التي لا تعرف ما إذا كانت ستبقى في منازلها أم ستفقدها في أي لحظة.
وما يجري اليوم في جنوب جنين لم يعد يُقرأ بوصفه سلسلة إجراءات متفرقة، بل باعتباره مسارًا متواصلًا يعيد تشكيل المشهد الجغرافي في المنطقة، عبر توسيع المستوطنات، وإقامة بؤر جديدة، والاستيلاء على الأراضي، وتشديد القيود على القرى الفلسطينية. وفي مواجهة ذلك، يتمسك المواطنون بأرضهم رغم تصاعد التحديات، فيما تتواصل الجهود لتوثيق الانتهاكات والدفاع عن حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم، في ظل مخاوف من أن يحمل كل تحرك استيطاني جديد مزيدًا من التضييق على الإنسان والأرض معًا.
