تقرير بعد عشرين عامًا.. مرسوم الانتخابات يثير جدلًا حول جدوى الاستحقاق في ظل الحرب والانقسام

خاص / شهاب

بعد أكثر من عقدين على آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، عاد ملف الاقتراع إلى الواجهة مجددًا عقب إصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا يحدد الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعدًا لانتخاب مجلس تشريعي جديد. ويأتي القرار في ظل واقع سياسي معقد، يتسم باستمرار الانقسام الفلسطيني، وتصاعد حرب الإبادة التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة، إلى جانب استمرار اعتداءاتها في الضفة الغربية والقدس، الأمر الذي يثير تساؤلات حول إمكانية تنفيذ هذا الاستحقاق، ومدى قدرته على إحداث تغيير في المشهد السياسي الفلسطيني.

ردود فعل متباينة

ويُعد المجلس التشريعي الفلسطيني معطلًا فعليًا منذ سنوات، إذ تعود آخر انتخابات لاختيار أعضائه إلى عام 2006، عندما فازت حركة حماس بأغلبية المقاعد، وهو ما مهد لاحقًا لتفاقم الخلافات السياسية مع حركة فتح، وصولًا إلى الانقسام الفلسطيني عام 2007 بين قطاع غزة والضفة الغربية. وفي نهاية عام 2018، صدر قرار بحل المجلس التشريعي، ليبقى الفراغ التشريعي قائمًا حتى اليوم.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يُعلن فيها عن إجراء انتخابات؛ ففي عام 2021، صدرت مراسيم رئاسية لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وشُكلت عشرات القوائم استعدادًا لخوض المنافسة، قبل أن يُعلن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بدعوى عدم سماح "إسرائيل" بإجرائها في القدس المحتلة. غير أن قوى سياسية ومراقبين ربطوا قرار التأجيل، آنذاك، أيضًا بالاعتبارات الداخلية وحسابات نتائج الاقتراع.

ويتضمن المرسوم الأخير تعديلات على قانون الانتخابات، أبرزها رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض الحد الأدنى لسن الترشح إلى 23 عامًا، إلى جانب اشتراط التزام المرشحين ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والقرارات الدولية ذات الصلة.

وأثار القرار ردود فعل متباينة؛ إذ رفضته حركة حماس، معتبرة أنه جاء بصورة أحادية ويكرس نهج الانفراد في إدارة النظام السياسي الفلسطيني. كما طالبت قوى وفصائل فلسطينية بإطلاق حوار وطني شامل يفضي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، بدل الاكتفاء بانتخابات المجلس التشريعي فقط، فيما دعت مؤسسات أهلية إلى إزالة القيود السياسية المرتبطة بحق الترشح، حفاظًا على التعددية السياسية.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد القرا أن الحديث عن إجراء انتخابات تشريعية في هذا التوقيت لا يعكس إرادة حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بقدر ما يمثل مناورة سياسية جديدة تُضاف إلى سلسلة من الإجراءات الأحادية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة، معتبرًا أن القرار يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات المسار الديمقراطي.

ويؤكد القرا أن ما أُعلن لا يمكن اعتباره استحقاقًا انتخابيًا بالمعنى الحقيقي؛ لأن أي عملية ديمقراطية تستوجب توافقًا وطنيًا، وبيئة سياسية وقانونية تضمن مشاركة جميع الفلسطينيين، وهو ما يغيب بالكامل في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، والانقسام الداخلي، وتعطل مؤسسات النظام السياسي.

ويضيف أن السلطة، بدلًا من توجيه جهودها نحو إعادة إعمار غزة ومعالجة آثار العدوان، أعادت فتح ملف الانتخابات في توقيت يراه منفصلًا عن أولويات الشارع الفلسطيني، معتبرًا أن هذا الطرح يتجاهل حجم الكارثة الإنسانية والوطنية التي يعيشها القطاع، ويقفز فوق استحقاقات أكثر إلحاحًا.

ويذهب القرا إلى أن الإعلان عن الانتخابات لا يبدو، في نظره، خطوة لإحياء الحياة الديمقراطية، بل محاولة لإضفاء شرعية سياسية وقانونية على مسار بدأ بسلسلة من القرارات المنفردة، مثل إعادة تشكيل بعض مؤسسات السلطة وإجراء تعديلات قانونية، مرجحًا أن يكون ملف الانتخابات جزءًا من هذا النهج، أكثر من كونه مشروعًا ديمقراطيًا متكاملًا.

خطاب سياسي

ويشير إلى أن الواقع الميداني ينسف، عمليًا، إمكانية إجراء انتخابات شاملة، متسائلًا عن آلية تنظيمها في قطاع غزة، الذي ما يزال يرزح تحت آثار الحرب، وكيف يمكن ضمان إجرائها في القدس وبقية الأراضي الفلسطينية، معتبرًا أن الحديث عن صناديق الاقتراع في ظل هذه الظروف أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.

كما يرى أن الاستناد إلى تجارب انتخابية بلدية محدودة لا يصلح لتبرير الذهاب إلى انتخابات تشريعية عامة؛ لأن الظروف السياسية والأمنية مختلفة جذريًا، لافتًا إلى أن حتى مؤسسات حقوقية انتقدت طريقة إصدار القرار، وعدّتها استمرارًا لنهج الانفراد في إدارة الملفات الوطنية.

ويشدد القرا على أن أي انتخابات ذات قيمة سياسية يجب أن تسبقها عملية إصلاح شاملة تبدأ بإنهاء الانقسام، وإعادة بناء مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، بما يشمل المجلس الوطني، والمجلس المركزي، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، معتبرًا أن تجاوز هذه الاستحقاقات يؤكد أن الهدف ليس إطلاق مسار ديمقراطي حقيقي، بل إدارة المشهد السياسي وفق رؤية أحادية لا تحظى بإجماع وطني.

ولا تقتصر التحفظات على البعد السياسي؛ إذ يرى الخبير القانوني وحقوق الإنسان الدكتور صلاح عبد العاطي أن أي إصلاح انتخابي لا يمكن تقييمه بمعزل عن البيئة الدستورية والسياسية التي يصدر فيها، مؤكدًا أن غياب المجلس التشريعي، واستمرار الانقسام، وعدم استكمال الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، يطرح تساؤلات جدية حول اكتمال مسار الإصلاح الانتخابي.

ويشير عبد العاطي إلى أن تعديل قانون الانتخابات، رغم ما يتضمنه من تغييرات، لا يكفي وحده لإخراج النظام السياسي من أزمته، في ظل غياب التوافق الوطني واستمرار إصدار القوانين بقرارات رئاسية، مؤكدًا أن أي عملية انتخابية تحتاج إلى ضمانات سياسية ودستورية تسبق الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وفي مقدمتها الحريات العامة، واستقلال القضاء، وحياد مؤسسات السلطة، والتوافق على استكمال جميع الاستحقاقات الدستورية، بما يشمل الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني.

أكثر تعقيدًا

وبينما يدور الجدل حول جدوى القرار سياسيًا ودستوريًا، تبدو التحديات الميدانية أكثر تعقيدًا. فحتى لجنة الانتخابات المركزية تقر بأن تنفيذ العملية، خصوصًا في قطاع غزة، يواجه عقبات غير مسبوقة.

ويؤكد المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية، فريد طعم الله، أن اللجنة ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة أولى مراحل العملية الانتخابية بتحديث سجل الناخبين، لكنه يقر بأن تنظيم الانتخابات في قطاع غزة يمثل تحديًا سياسيًا ولوجستيًا كبيرًا، في ظل الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، وتضرر مقار اللجنة، وصعوبة توفير حتى المستلزمات الأساسية للعملية الانتخابية، مثل صناديق الاقتراع وأحبار التصويت.

ويضيف أن اللجنة تمتلك خبرة فنية تمكنها من التعامل مع الجوانب الإجرائية، إلا أن العقبات السياسية تبقى خارج نطاق صلاحياتها، مشددًا على أن أي عراقيل تفرضها "إسرائيل"، سواء في قطاع غزة أو القدس المحتلة، لا يمكن تجاوزها بإجراءات فنية فقط، وإنما تحتاج إلى غطاء وضغط سياسي ودولي.

وتبرز القدس بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في أي استحقاق انتخابي فلسطيني، في ظل إمكانية عرقلة الاحتلال لمشاركة المقدسيين ترشحًا واقتراعًا، وهو ما سبق أن كان سببًا في تعطيل الانتخابات عام 2021، الأمر الذي يعيد طرح التساؤلات حول قدرة الانتخابات المقبلة على أن تكون شاملة لجميع الفلسطينيين.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر