تقرير هل يعود عنب وتين الشيخ عجلين إلى بسطات شارع الرشيد بغزة ؟

خاص / شهاب

بعد أشهر من انتهاء الحرب، بدأ مزارعون في منطقة الشيخ عجلين، جنوب غربي مدينة غزة، محاولات لإحياء كروم العنب والتين التي دمّرها الاحتلال خلال حربه على القطاع، في مسعى لاستعادة إرث زراعي توارثته العائلات الفلسطينية جيلاً بعد جيل، رغم الدمار الواسع الذي طال الأراضي الزراعية وشح الإمكانات اللازمة لإعادة استصلاحها.

وتُعد منطقة الشيخ عجلين، الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي لمدينة غزة، من أبرز المناطق الزراعية التي اشتهرت تاريخيًا بإنتاج العنب والتين، والتي ارتبطت بهوية المكان لعقود طويلة. وعلى امتداد سنوات، شكّلت بساتينها مصدر رزق لعشرات العائلات الزراعية، أبرزها عائلات شملخ، والدحدوح، ودلول، وقزعاط، التي توارثت زراعة الأرض جيلاً بعد جيل، قبل أن تمتد إليها يد الدمار خلال الحرب، فتقضي على كرومها وأشجارها وبنيتها الزراعية.

ذاكرة المكان

يقول المزارع جابر الدحدوح (49 عامًا)، وهو يقف وسط أرضه التي تحولت إلى أرض تغطيها الحجارة وبقايا الركام، إن العودة إلى الشيخ عجلين بعد الحرب كانت صادمة، بعدما اختفت كروم العنب والتين التي ظلّت لعقود جزءًا من ذاكرة المكان ومصدر رزق مئات العائلات.

ويضيف أن الأشجار التي غرسها الآباء والأجداد لم يبق منها شيء، إذ اقتُلعت بالكامل بفعل عمليات التجريف، ولم تقتصر الخسارة على محصول موسم واحد، بل امتدت إلى إرث زراعي استغرق بناؤه عشرات السنين.

ويشير إلى أن المزارعين، رغم الإمكانات المحدودة، بدأوا بمحاولات لإزالة الركام واستصلاح أجزاء من أراضيهم، أملاً في إعادة زراعة العنب والتين واستعادة ما يمكن إنقاذه من هوية المنطقة الزراعية، إلا أن نقص الغراس وشح المياه وغياب المعدات اللازمة ما تزال تحول دون إعادة الحياة إلى معظم الأراضي المتضررة.

ويقيم جهاد سكيك (53 عامًا) في خيمة للنزوح أقامها بالقرب من الأراضي الزراعية المدمرة في الشيخ عجلين، حيث يتابع يوميًا محاولات المزارعين إزالة الركام واستصلاح ما تبقى من أراضيهم. ويقول إن المشهد الذي يراه اليوم لا يشبه الشيخ عجلين التي عرفها الغزيون لسنوات طويلة.

ويضيف أن شارع الرشيد، المحاذي لشاطئ البحر، كان يشهد مع ساعات ما بعد العصر حركة نشطة، إذ كانت تصطف على جانبيه عشرات، بل مئات، عربات البيع والبسطات التي تعرض العنب والتين وورق العنب والجميز، وهي منتجات ارتبطت باسم الشيخ عجلين، وكان المواطنون يقصدونها من مختلف مناطق قطاع غزة.

ويتابع: "اليوم اختفت تلك البسطات بعدما اختفت البساتين نفسها. كل ما حولنا كان أخضر، أما الآن فلا نرى سوى الركام والأراضي المجرفة. لكننا ما زلنا نأمل أن تعود هذه الأرض كما كانت، وأن تعود معها المواسم التي كانت تجمع الناس في الشيخ عجلين."

من جانبه، يقول الخبير الزراعي والبيئي المهندس نزار الوحيدي إن منطقة الشيخ عجلين تُعد من أعرق المناطق الزراعية في قطاع غزة، إذ اشتهرت على مدار عقود بإنتاج أجود أصناف العنب والتين، إلى جانب احتضانها أكبر تجمع لأشجار الجميز المعمرة، التي شكّلت جزءًا من الهوية الزراعية والتراثية للمنطقة.

جيلاً بعد جيل

ويضيف أن الطبيعة الساحلية للشيخ عجلين، وتربتها الرملية الخصبة، وتوفر المياه الجوفية، أسهمت في ازدهار زراعة الأشجار المثمرة فيها، حتى أصبحت بساتينها مصدرًا رئيسيًا لتزويد أسواق غزة بالعنب والتين، فيما توارثت عشرات العائلات زراعة هذه الأراضي جيلاً بعد جيل.

ويوضح الوحيدي أن الاحتلال لم يدمر محصولًا زراعيًا فحسب، بل قضى على أشجار معمرة احتاجت عشرات السنين، وبعضها مئات السنين، حتى بلغت حجمها وإنتاجها، الأمر الذي يجعل استعادة المشهد الزراعي في الشيخ عجلين عملية طويلة ومعقدة، حتى مع بدء المزارعين بزراعة غراس جديدة.

ويشير إلى أن اختيار المزارعين إعادة زراعة العنب والتين في المرحلة الأولى لم يأتِ من فراغ، فهاتان الشجرتان تُعدان من أكثر الأشجار قابلية للإكثار بالطرق التقليدية، كما أن ما تبقى من عيدان الأشجار في بعض المناطق الزراعية يمنح المزارعين فرصة لإعادة إحياء جزء من الكروم، إلا أن ذلك يتطلب توفير الغراس، ومستلزمات الإنتاج، وإعادة تأهيل الأراضي وشبكات الري التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب.

ولا تعكس الأضرار التي لحقت بالشيخ عجلين سوى جانب من الدمار الواسع الذي أصاب القطاع الزراعي في غزة، إذ تشير بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة إلى أن حرب الإبادة (2023-2025) خلّفت خسائر تُقدّر بنحو 3.49 مليار دولار، منها 1.90 مليار دولار أضرار مباشرة، و1.59 مليار دولار أضرار غير مباشرة، فيما تجاوزت نسبة الأضرار في معظم القطاعات الزراعية 85%.

استعادة كروم العنب

ووفق بيانات الوزارة، تضرر نحو 158,909 دونمات من أصل 182,247 دونمًا من الأراضي الزراعية، بنسبة بلغت 87.1%، فيما انهارت منظومة الري الزراعي بخروج نحو 8,700 بئر عن الخدمة، وتضرر 3,828 بركة مياه زراعية، إلى جانب تدمير 1,371 كيلومترًا من خطوط نقل المياه، الأمر الذي جعل استصلاح الأراضي وإعادة زراعتها أكثر صعوبة بالنسبة للمزارعين.

كما تضررت 93 مشتلاً زراعيًا بشكل شبه كلي، وهو ما فاقم أزمة توفير الغراس اللازمة لإعادة زراعة الأشجار المثمرة، في وقت يسعى فيه مزارعو الشيخ عجلين إلى استعادة كروم العنب والتين التي اشتهرت بها المنطقة قبل الحرب.

ورغم أن الغراس الجديدة تحتاج سنوات حتى تتحول إلى كروم مثمرة، فإن مزارعي الشيخ عجلين يواصلون العمل بين الركام، مؤمنين بأن استعادة الأشجار التي غرسها الآباء والأجداد ليست مجرد عودة للإنتاج الزراعي، بل خطوة أولى لاستعادة جزء من هوية المكان وذاكرته التي حاولت الحرب اقتلاعها.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر