خاص حقوقيون لشهاب: غياب آليات الردع والمساءلة شجع الاحتلال على تصعيد خروقاته بغزة

صورة تعبيرية

خاص – شهاب

تتصاعد خروقات الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في ظل صمت ما يسمى بـ"مجلس السلام" والمجتمع الدولي، حيث وصلت إلى مستشفيات قطاع غزة خلال الساعات الـ48 الماضية جثامين 19 شهيدًا و60 مصابًا، وسط استمرار القصف واستهداف المدنيين.

ويؤكد مختصون في القانون الدولي وحقوق الإنسان أن غياب آليات الإلزام والمساءلة شجع الاحتلال على مواصلة انتهاكاته، محذرين من أن استمرار هذا النهج يهدد التهدئة ويعمّق الأزمة الإنسانية في القطاع.

نصوص بلا ضمانات

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، د. رائد أبو بدوية، قال، إن ما نشهده اليوم من تصاعد في خروقات الاحتلال بغزة، ليس مجرد تصاعد في وتيرة القصف أو خروقات لاتفاقات التهدئة، بل هو انعكاس مباشر لغياب أي منظومة ردع سياسية أو قانونية قادرة على إلزام "إسرائيل" باحترام التزاماتها، موضحًا أن كلما أدركت القوة القائمة بالاحتلال أن تكلفة استمرار العمليات العسكرية أقل من تكلفة وقفها، تصبح الخروقات جزءًا من استراتيجية إدارة الصراع، وليست مجرد تجاوزات ميدانية.

وأضاف، في حديث خاص لوكالة شهاب، أن غياب ما يسمى "مجلس السلام" عن المشهد، وتراجع دور الوسطاء الإقليميين والدوليين، خلق فراغًا سياسيًا سمح لـ "إسرائيل" بالتحرك دون ضغوط فعلية، مبينا أن الاتفاقات لا تحمي المدنيين بذاتها، وإنما تحميهم الأطراف القادرة على فرض تنفيذها، وعندما تغيب هذه الأطراف أو تفقد نفوذها، تتحول الاتفاقات إلى نصوص بلا ضمانات، وتصبح الوقائع الميدانية هي التي تعيد رسم قواعد اللعبة.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي يعيش حالة من التناقض بين الخطاب والممارسة، فمن جهة تتوالى بيانات القلق والإدانة، ومن جهة أخرى لا تُستخدم الأدوات السياسية والاقتصادية والقانونية الكفيلة بإحداث تغيير في سلوك "إسرائيل"، لذلك فإن الرسائل التي تصل إلى صانع القرار الإسرائيلي ليست رسائل الإدانة، بل رسائل غياب الكلفة السياسية، وهو ما يشجع على استمرار العمليات العسكرية وتصعيدها.

وذكر أن "السؤال الحقيقي اليوم ليس: "من سيدين إسرائيل؟" بل: من سيرفع كلفة استمرار الحرب عليها؟، موضحًا أن التجربة أثبتت أن الإدانات اللفظية لم توقف القصف، وأن القانون الدولي، رغم وضوح قواعده، يبقى محدود الأثر ما لم تدعمه إرادة سياسية لدى الدول الأكثر تأثيرًا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وتابع، أنه في ظل غياب الوسطاء وتراجع الضغوط الدولية، تبدو "إسرائيل" أقرب إلى استثمار هذا الفراغ لإعادة تشكيل الواقع الميداني وفرض معادلات جديدة بالقوة، وهو ما يهدد ليس فقط فرص التهدئة، بل أيضًا أي مسار سياسي مستقبلي.

وأكد أن استمرار الصمت الدولي أو الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية لن يُفهم في "إسرائيل" باعتباره حيادًا، بل باعتباره هامشًا إضافيًا للمضي في العمليات العسكرية دون خشية من عواقب سياسية أو قانونية حقيقية.

واقع جديد

بدوره، قال رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، د. صلاح عبد العاطي، إن استمرار وتصاعد خروقات الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة لم يعد مجرد انتهاك لبنود الاتفاق، بل أصبح دليلًا واضحًا على أن الحكومة "الإسرائيلية" الفاشية لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره التزامًا قانونيًا أو سياسيًا، وإنما باعتباره مرحلة لإعادة التموضع العسكري واستكمال أهداف الحرب.

وأضاف، في حديث خاص لوكالة شهاب، أن استمرار القصف، والقتل اليومي للمدنيين، وتدمير المنازل، وفرض الإخلاء القسري، وتشديد الحصار، ومنع إدخال المساعدات، وعرقلة سفر المرضى وعودة العالقين، كلها تؤكد أن جريمة الإبادة الجماعية لم تتوقف، وإنما تغيرت أدواتها وأساليب تنفيذها.

وتابع أن المعطيات الميدانية تكشف أيضًا أن الاحتلال يوظف وقف إطلاق النار لتكريس واقع جديد على الأرض، عبر توسيع المناطق العسكرية، وتعميق ما يسمى بالخطوط الأمنية، والسيطرة على مساحات واسعة من قطاع غزة، وإقامة عوائق وتحصينات، وصولًا إلى الإعلان عن مخططات استيطانية جديدة.

وأشار إلى أن هذه الإجراءات تؤكد أن "إسرائيل" لا تكتفي بإدارة الحرب، بل تسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، بما يفضي إلى تكريس التهجير القسري وتقويض أي إمكانية لعودة الحياة الطبيعية أو إعادة إعمار القطاع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولقرارات محكمة العدل الدولية.

ولفت إلى أن الصمت الذي يبديه ما يسمى بـ"مجلس السلام"، إلى جانب عجز المجتمع الدولي عن إلزام "إسرائيل" باحترام اتفاق وقف إطلاق النار، يثير تساؤلات جوهرية حول فاعلية هذه الآليات ومصداقيتها، مؤكدًا أنه لا يكفي أن تكون هناك رعاية أو ضمانات إذا كانت تفتقر إلى أدوات الإلزام والمساءلة.

وأوضح أن الاكتفاء بإدارة الأزمة بدلًا من إنهائها، والاكتفاء بالتعبير عن القلق دون اتخاذ إجراءات رادعة، وفر للاحتلال غطاءً سياسيًا وعمليًا للاستمرار في ارتكاب الجرائم، ورسخ سياسة الإفلات من العقاب التي كانت ولا تزال أحد أهم أسباب استمرار الانتهاكات وتصاعدها.

وأردف، "أنه إذا كان مجلس السلام بات شريكًا في فرض ترتيبات لليوم التالي للحرب وفقًا للرؤية الإسرائيلية، فالوقائع على الأرض تشير إلى أن إسرائيل تفرض هذا اليوم التالي بالقوة العسكرية، عبر تقليص مساحة القطاع المتاحة للسكان، وتدمير البنية التحتية، وتهجير المدنيين، وخلق واقع يصعب التراجع عنه مستقبلًا".

وشدد على أن الخطر لم يعد يقتصر على استمرار العدوان، بل يمتد إلى محاولة فرض مشروع استعماري جديد يعيد تشكيل قطاع غزة سياسيًا وجغرافيًا وديموغرافيًا.

وأكد أن المطلوب اليوم لم يعد يقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل يستوجب انتقال المجتمع الدولي من مربع المراقبة إلى مربع الفعل، من خلال إلزام "إسرائيل" بوقف جميع خروقاتها، وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار كاملًا وفقًا لقرار مجلس الأمن 2803، ورفع الحصار، ووقف سياسة التهجير القسري، وفتح المعابر دون قيود، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، وتنفيذ أوامر محكمة العدل الدولية، وتسريع إجراءات المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين "الإسرائيليين"، وفرض عقوبات فعالة، وفي مقدمتها وقف تزويد "إسرائيل" بالسلاح.

وبين، أن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوض منظومة القانون الدولي برمتها ويشجع على تكرار الجرائم في مناطق أخرى من العالم.

العقبة الكبرى

من جانبه، قال د.محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام، إن 280 يوماً مرّت على إعلان وقف إطلاق النار ارتكب فيها الاحتلال الإسرائيلي ما لا يقل عن 1099 جريمة قتل وصل بها عدد شهداء القطاع منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 73233 شهيداً و173643 مصاباً دون أن يتحرك ما يُسمى "بمجلس السلام" الدولي بقرار ملزم واحد يُوقف هذا النزيف الإنساني المتواصل.

وأضاف، في حديث خاص لـ شهاب، أن خروقات الساعات الأخيرة تُثبت أن الاحتلال يُصعّد لا يُهدّئ، موضحاً أن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أعلن استشهاد أكثر من 25 مدنياً خلال 72 ساعة فقط طالت ضرباتهم الأسواق الشعبية والجنازات والتجمعات المدنية والمنازل السكنية في جريمة تُجسّد بدقة نمط الاستهداف المتعمد للمدنيين المحظور بالمادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.

وذكر أن العقبة الكبرى في صمت مجلس الأمن لكونه ليس محايداً بل موقفه منحاز يُعطي الضوء الأخضر الضمني للاستمرار في الانتهاكات، مؤكداً أن محكمة العدل الدولية أصدرت في يناير 2024 أوامر احترازية تُلزم "إسرائيل" باتخاذ تدابير فورية لمنع الإبادة الجماعية وأن "إسرائيل" تتجاهلها تجاهلاً كاملاً في حين يُبقي مجلس الأمن صامتاً بسبب حق النقض الأمريكي مما يجعل الفيتو أداةً لتغطية الجرائم لا لحفظ السلم الدولي.

وأشار إلى أن المطلوب من الوسطاء اليوم ثلاثة أشياء لا تحتمل التأجيل، أولها أن تُصدر مصر وقطر بياناً مشتركاً علنياً يُحمّل "إسرائيل" مسؤولية انتهاك الاتفاق وتراجع إدخال المساعدات الإنسانية ويُنذر بتعليق دورهما في الوساطة إذا لم تتوقف الانتهاكات، وثانيها المطالبة الفورية بتشكيل آلية رقابة دولية مستقلة تُوثّق الخروقات وتُقدّمها لمحكمة العدل الدولية تعزيزاً للملفات القائمة، وثالثها استنهاض قرار الجمعية العامة 377 المعروف بالاتحاد من أجل السلام بديلاً عن مجلس الأمن المشلول لإصدار قرار يُلزم بوقف العمليات فوراً.

وشدد على أن 280 يوماً من الخروقات المتراكمة لا تحتاج لمزيد من الشواهد والأدلة بل تحتاج لإرادة سياسية حقيقية تضع الحياة الإنسانية فوق حسابات التوازنات الدولية، محذراً من أن صمت اليوم عن جريمة الغد اشتراك فيها لا مجرد إغفال عنها.

وتتواصل خروقات الاحتلال الإسرائيلي يوميًا رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث أسفرت هذه الاعتداءات، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، منذ بدء سريان الاتفاق عن استشهاد 1,144وإصابة 3,703آخرين.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر