خاص / شهاب
بعد أشهر من اللقاءات والاتصالات، لا تزال مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تراوح مكانها، في ظل بطء واضح في مسار التفاهمات بين حركة حماس والوسطاء، بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي فرض وقائع ميدانية جديدة، دون انتظار ما ستؤول إليه المباحثات الجارية في القاهرة.
ومنذ مارس/آذار الماضي، تشهد العاصمة المصرية جولات متواصلة من النقاشات، بمشاركة حركة حماس والوسطاء، إلى جانب المبعوث السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، والمستشار الأمريكي أرييه لاتيسون، بهدف الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، إلا أن هذه الجولات لم تُفضِ، حتى الآن، إلى إعلان تفاهم نهائي.
وتتركز المباحثات حول ترتيبات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها إدارة الأوضاع المدنية في قطاع غزة، وآليات التعامل مع ملف السلاح، وترتيبات الانسحاب، وهي ملفات تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية، ما جعل الوصول إلى صيغة نهائية أكثر تعقيدًا.
الأكثر حساسية
وبحسب مصادر فلسطينية، فإن غالبية بنود الورقة المطروحة شهدت تفاهمات بين الأطراف، فيما بقيت الملفات الأكثر حساسية بحاجة إلى مزيد من النقاش، قبل عرض الصيغة النهائية على الجانب الإسرائيلي.
لكن الميدان لا يعكس حالة الانتظار التي يفترض أن ترافق المفاوضات، إذ يواصل الاحتلال عملياته العسكرية واغتيالاته واستهدافاته داخل قطاع غزة، بالتوازي مع استمرار جلسات التفاوض، بما يوسع الفجوة بين المسار السياسي والواقع الميداني.
ولا تقتصر هذه الفجوة على استمرار العمليات العسكرية، بل تمتد إلى حجم التغيرات التي فرضها الاحتلال منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. فوفق بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 1144 فلسطينيًا، وأصيب نحو 3616 آخرين منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، فيما تقلصت المساحة المتاحة لسكان القطاع من نحو 48% عند توقيع الاتفاق إلى ما يتراوح بين 30 و35% فقط، بعد توسيع الاحتلال نطاق سيطرته وفرض ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين ما يُناقش على طاولة المفاوضات وما يُفرض على الأرض.
وخلال الجولات الماضية، تمحور الخلاف بشكل رئيسي حول البندين الخامس والثامن من الورقة المقدمة عبر الوسطاء، وهما البندان الأكثر حساسية لارتباطهما بشكل إدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة ومستقبل سلاح المقاومة.
ويتعلق البند الخامس بعمل اللجنة الوطنية التي ستتولى إدارة الملفات المدنية والإدارية، بما يشمل استمرارية الوظائف والخدمات والسجلات الرسمية، إضافة إلى آلية التعامل مع الموظفين العموميين.
أما البند الثامن، فيرتبط بملف السلاح، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري وآليات تنفيذ التفاهمات الخاصة بهذا الملف خلال المرحلة المقبلة.
ووفق مصادر في فصائل المقاومة، فقد جرى التوصل إلى صيغ معدلة للبندين، بعد إدخال تعديلات قانونية وفنية، لتصبح معظم بنود الورقة محل تفاهم مع الوسطاء، بانتظار الموقف الإسرائيلي، غير أن استمرار الإجراءات الإسرائيلية على الأرض يبقي الاتفاق أمام اختبار حقيقي، ويثير تساؤلات حول ما إذا كان الاحتلال يتعامل مع المفاوضات باعتبارها طريقًا لإنهاء الحرب، أم باعتبارها مساحة زمنية إضافية لفرض مزيد من الوقائع داخل القطاع.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن حالة الجمود التي تشهدها مفاوضات القاهرة لا ترتبط فقط بالخلاف على بنود الاتفاق، وإنما بترتيب تنفيذها، موضحًا أن الفجوة بين الطرفين اتسعت خلال الأشهر الأخيرة، مع تمسك كل طرف بأولويات مختلفة للمرحلة المقبلة.
وقال عفيفة، في حديثه لـ"وكالة شهاب"، إن الاحتلال يحاول حصر المفاوضات في ملفي سلاح المقاومة وترتيبات "اليوم التالي"، وفق الرؤية الإسرائيلية، مع الإبقاء على سيطرته العسكرية الواسعة داخل قطاع غزة، بينما تتمسك حركة حماس والفصائل الفلسطينية بضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، قبل الانتقال إلى أي ملفات أخرى.
جوهر الخلاف
وأضاف أن جوهر الخلاف لم يعد يقتصر على مضمون الاتفاق، بل انتقل إلى ترتيب خطوات تنفيذه والضمانات المرتبطة بكل مرحلة، مشيرًا إلى أن الاحتلال ينقل أوراق الضغط من طاولة المفاوضات إلى الميدان، عبر استمرار عملياته العسكرية وتوسيع نطاق سيطرته داخل القطاع، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مجريات التفاوض.
وأوضح أن كل جولة تفاوضية تُعقد في ظل واقع ميداني مختلف عن سابقتها، مع استمرار الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض، وهو ما يجعل أي حديث عن الانسحاب أو إعادة الانتشار أكثر تعقيدًا، ويمنح الجانب الإسرائيلي مساحة أوسع لطرح شروط جديدة خلال المفاوضات.
وأشار عفيفة إلى أن حركة حماس أبلغت الوسطاء رفضها مناقشة ملف السلاح قبل الحصول على ضمانات واضحة بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، معتبرًا أن الضمانات وآلية التنفيذ أصبحتا اليوم جوهر الخلاف، أكثر من النصوص المكتوبة نفسها.
واعتبر أن الاحتلال يتعامل مع المفاوضات باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع، وليس لإنهائه، إذ تستمر العمليات العسكرية بالتوازي مع جلسات التفاوض، بينما يقتصر الموقف الدولي على متابعة الخروقات وتسجيلها، دون ممارسة ضغوط حقيقية تدفع نحو تنفيذ الاتفاق.
ويرى الباحث والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن حالة الجمود التي تشهدها مفاوضات القاهرة لا تعود إلى خلافات فنية حول بنود الاتفاق، بقدر ما ترتبط بقرار سياسي إسرائيلي يقوم على إطالة أمد المفاوضات واستثمار الوقت لتحقيق مزيد من المكاسب على الأرض.
وقال شاهين إن الاحتلال يتعامل مع المفاوضات باعتبارها وسيلة لإدارة الوقت أكثر من كونها مسارًا للوصول إلى اتفاق، مشيرًا إلى أنه يواصل التهرب من استحقاقات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها تنفيذ البروتوكول الإنساني، في ظل غياب ضغوط أمريكية حقيقية تلزمه بوقف انتهاكاته المستمرة في قطاع غزة.
حلقة مفرغة
وأضاف أن ما يجري ميدانيًا لا ينفصل عن مسار التفاوض، إذ يواصل الاحتلال عملياته العسكرية بالتوازي مع المباحثات، بهدف فرض وقائع جديدة داخل القطاع، سواء عبر توسيع مناطق سيطرته أو مواصلة عمليات التهجير والتدمير، بما يمنحه أوراق ضغط إضافية في أي جولة تفاوضية مقبلة.
وأوضح أن الاحتلال لا يستخدم التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤقتة، وإنما كجزء من سياسة تهدف إلى إعادة رسم الواقع الميداني في قطاع غزة، لافتًا إلى أن استمرار السيطرة على مساحات واسعة من القطاع يجعل أي حديث عن الانسحاب أو إعادة الانتشار أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت.
وأشار شاهين إلى أن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطًا ببنود الاتفاق، وإنما بغياب القرار السياسي الإسرائيلي بإنهاء الحرب، موضحًا أن الحكومة الإسرائيلية ما زالت تنظر إلى استمرار العمليات العسكرية باعتباره خيارًا ينسجم مع حساباتها الداخلية، خاصة في ظل المشهد السياسي الإسرائيلي والاستعدادات للانتخابات المقبلة.
واعتبر أن هذا الواقع يجعل المفاوضات تدور في حلقة مفرغة، إذ تستمر اللقاءات السياسية دون أن يقابلها تغيير في سلوك الاحتلال على الأرض، الأمر الذي يعزز المخاوف من أن تسبق الوقائع التي يفرضها الاحتلال أي تفاهمات سياسية، لتجد المفاوضات نفسها أمام واقع ميداني مختلف عن ذلك الذي بدأت من أجله.
