تتجسد في الأغوار الفلسطينية الشمالية واحدة من أبشع صور السيطرة والتمدد الاستيطاني، حيث لم تعد المصادرة تقتصر على القرارات العسكرية الرسمية لسلطات الاحتلال، بل تجاوزتها لتصبح أداة يديرها "المستوطن الرعوي" الذي يفرض سيطرته الفردية على مئات بل آلاف الدونمات.
وفي ظل هذا الواقع القاسي، تجد بلدة طمون وقرية عاطوف الواقعتان إلى الجنوب الشرقي من محافظة طوباس أنفسهما أمام خطة ممنهجة تحول التجمعات الفلسطينية إلى سجون مفتوحة، وتصادر أراضي سهل البقيعة الخصبة التي طالما شكلت شريان الحياة الزراعي والحيواني للمنطقة.
تغول البؤر الرعوية وسرقة المقومات الحياتية
تعتبر البؤر الاستيطانية الرعوية التي شُيّدت خلال السنوات الأخيرة أداة سريعة وفعالة في استراتيجية التوسع، حيث يكتفي مستوطن واحد يسانده عدد قليل من المستوطنين بالاستيلاء على مساحات شاسعة تحت ذريعة رعي الماشية.
هذا النمط الاستيطاني أدى إلى حرمان الرعاة والمزارعين الفلسطينيين في بلدتي طمون وعاطوف من الوصول إلى مراعيهم التاريخية ومصادر المياه التي اعتمدوا عليها لعقود.
ولا يقتصر هذا التمدد الاستيطاني على الاستيلاء المباشر على الأرض، بل يترافق مع ممارسات اعتداء يومية تشمل ترهيب الأهالي، وإطلاق الماشية في مزروعات المزارعين، واعتراض طريق الرعاة، مما يفرض بيئة قاهرة تدفع السكان نحو الرحيل القسري.
من سلة غذاء إلى منطقة محاصرة
يُعدّ سهل البقيعة من أخصب الأراضي الزراعية في الضفة الغربية، ويمثل السلة الغذائية الرئيسية لمحافظة طوباس والشمال الفلسطيني بشكل عام، وتمتد مساحات هذا السهل بين بلدتي طمون وعاطوف، وشكل على مر التاريخ خزانًا استراتيجيًا للزراعات الموسمية والمروية ورعي الأغنام.
غير أن مخططات الاحتلال عمدت إلى خنق هذا السهل عبر تقسيطه ومحاصرته بالخنادق والسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية، إلى جانب إقامة البؤر الاستيطانية على التلال المطلة عليه.
وتسبب هذا الإغلاق المحكم في تجريد المزارعين من حقوقهم في استغلال أرضهم، وتحويل السهل الواسع إلى مساحات معزولة يمنع الدخول إليها إلا برحلة شاقة ومخاطر جمة.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
ينعكس هذا الحصار الاستيطاني المشدد بصورة مباشرة على البنية الاقتصادية والاجتماعية لأهالي طمون وعاطوف، فقد فقدت مئات العائلات مصدر رزقها الوحيد المتمثل في القمح والشعير والزراعات المروية وتربية الماشية، وتراجعت أعداد رؤوس الماشية في المنطقة بنسب قياسية نتيجة انعدام المراعي وارتفاع تكاليف الأعلاف البديلة.
كما تسبب هذا الواقع المأساوي في ارتفاع نسب البطالة بين الشباب وتراجع القدرة الإنتاجية للمزارعين الذين باتوا يواجهون مخاطر المصادرة المستمرة لجراراتهم الزراعية ومعداتهم، فضلاً عن خطر الاعتقال والاعتداء الجسدي المباشر.
الأمر الواقع والتهجير الصامت
إن ما يجري في بلدتي طمون وعاطوف وسهل البقيعة يندرج ضمن سياسة رسمية تهدف إلى تفريغ منطقة الأغوار من سكانها الأصليين وإحلال المستوطنين مكانهم.
وتتكامل أدوار جيش الاحتلال والإدارة المدنية مع الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، حيث توفر المؤسسة العسكرية الحماية الكاملة لهذه البؤر الاستيطانية وتمنح المستوطنين حرية الحركة والتوسع، في مقابل فرض قيود صارمة على الفلسطينيين تمنعهم من بناء أي منشأة أو شق طرق زراعية.
هذا التضييق الشامل يحول الأغوار إلى بيئة طاردة، ويسعى إلى فرض أمر واقع جغرافياً وديموغرافيًا يهدف إلى ضم الأغوار نهائيًا وإلغاء أي إمكانية للتواصل الجغرافي الفلسطيني.
