في الذكرى الثانية لاستشهاده..

تقرير إسماعيل هنية.. كيف اتفق الحلفاء والخصوم على محورية حضوره في المشهدين الفلسطيني والإقليمي؟

خاص / شهاب

لم يكن الشهيد القائد إسماعيل هنية شخصية فلسطينية يمكن النظر إليها من زاوية واحدة، فالرجل الذي خرج من أزقة المخيم وتدرج في صفوف الحركة الإسلامية حتى تولى رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس، حمل صورًا متعددة تشكلت باختلاف موقع الناظر إليه، وتبدلت أحيانًا بتبدل المحطات السياسية التي مرت بها القضية الفلسطينية.

داخل حركة حماس، ارتبط اسمه بأحد أبرز تلاميذ الشيخ المؤسس أحمد ياسين، وبقائد جمع بين العمل الدعوي والسياسي، وتولى قيادة الحركة في واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا. أما لدى السلطة الفلسطينية، فقد تنقلت العلاقة معه بين الشراكة في الحكم، ثم الخصومة السياسية بعد الانقسام، قبل أن يتحول اغتياله إلى مناسبة جمعت الفلسطينيين على نعي شخصية لعبت دورًا محوريًا في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.

ابن الجيل المؤسس

وفي المقابل، تعاملت "إسرائيل" مع هنية بوصفه أحد أبرز قادة حماس وصناع قرارها السياسي، وظل اسمه حاضرًا في الخطاب الأمني ودوائر صنع القرار، إلى أن أنهى الاحتلال مسيرته باغتياله في طهران في 31 يوليو/تموز 2024.

أما على المستوى الإقليمي، فقد حضر هنية على طاولات الحوار والوساطات، متنقلًا بين القاهرة والدوحة وأنقرة وطهران والسعودية، في ظل علاقات نسجتها الحركة مع أطراف إقليمية مختلفة، وجعلت منه أحد أبرز الوجوه الفلسطينية الحاضرة في ملفات التهدئة والمصالحة والعلاقات الخارجية.

وفي الذكرى الثانية لاغتياله، لا يتوقف استحضار إسماعيل هنية عند سيرته الشخصية، بل يمتد إلى الكيفية التي تشكلت بها صورته لدى خصومه وحلفائه، باعتبارها إحدى الشخصيات الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد الفلسطيني خلال العقود الأخيرة.

لم يكن إسماعيل هنية، في الخطاب الرسمي لحركة حماس، مجرد رئيس للمكتب السياسي، بل أحد أبناء الجيل المؤسس الذين تشكل وعيهم داخل مدرسة الشيخ أحمد ياسين. فمنذ سنواته الأولى في الحركة، ارتبط اسمه بالشيخ المؤسس، قبل أن يصبح لاحقًا أحد أبرز القادة الذين تولوا مسؤولية قيادتها في الداخل والخارج.

وتشير السيرة الذاتية المنشورة على الموقع الرسمي لحركة حماس إلى أن هنية عمل مساعدًا ومرافقًا للشيخ أحمد ياسين خلال سنوات الحصار والإقامة الجبرية التي فرضها الاحتلال "الإسرائيلي"، وتولى متابعة شؤون مكتبه، ونقل رسائله، والمشاركة في تنظيم لقاءاته واتصالاته، وهي تجربة اعتبرتها الحركة إحدى المحطات التي أسهمت في تكوين شخصيته السياسية والتنظيمية.

وشكل اغتيال الشيخ أحمد ياسين في مارس/آذار 2004، ثم اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بعد أقل من شهر، نقطة تحول داخل الحركة، إذ برز هنية ضمن الجيل الذي تولى مسؤولية إدارة حماس في واحدة من أكثر مراحلها حساسية، قبل أن يقود قائمة "التغيير والإصلاح" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006.

ومع إعلان لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية فوز قائمة "التغيير والإصلاح" بالأغلبية، كُلّف هنية بتشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة، في تجربة وصفتها حركة حماس بأنها مثلت انتقالها من العمل المعارض إلى تحمل مسؤولية الحكم، وسط حصار سياسي ومالي فرضته أطراف دولية عقب تشكيل الحكومة.

وفي مايو/أيار 2017، أعلنت حركة حماس انتخاب إسماعيل هنية رئيسًا لمكتبها السياسي خلفًا لخالد مشعل، قبل أن تعلن في أغسطس/آب 2021 إعادة انتخابه لولاية ثانية، في خطوة قالت الحركة إنها جاءت بعد استكمال انتخاباتها الداخلية، بما يعكس استمرار الثقة بقيادته خلال مرحلة شهدت تطورات سياسية وميدانية متسارعة.

ولم يقتصر حضور هنية داخل الحركة على موقعه التنظيمي، بل حافظ على نهج الجمع بين العمل الدعوي والسياسي، وهو ما عكسته كلمات عدد من قادة حماس في مناسبات مختلفة، إذ وصفه رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل، خلال مراسم تشييعه في الدوحة، بأنه "قائد كبير حمل الأمانة حتى آخر لحظة من حياته"، بينما قال عضو المكتب السياسي خليل الحية، في كلمة نعيه، إن الحركة فقدت "قائدًا وطنيًا وإسلاميًا كبيرًا، كرّس حياته لفلسطين والمقاومة".

مدرسة الشيخ

وفي بيان النعي الرسمي الصادر في 31 يوليو/تموز 2024، وصفت حركة حماس هنية بأنه "القائد المجاهد الشهيد"، مؤكدة أن اغتياله "لن يحقق أهداف الاحتلال، ولن يكسر إرادة المقاومة".

تحرص الحركة في بياناتها وخطابات قادتها على تقديم هنية باعتباره امتدادًا لمدرسة الشيخ أحمد ياسين، وأحد أبرز القادة الذين جمعوا بين العمل السياسي وإدارة العلاقات الخارجية والتمسك بخيار المقاومة، لتبقى صورته داخل حماس مرتبطة، قبل أي شيء، بتلميذ المؤسس الذي انتهى به المطاف على رأس الحركة بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل في صفوفها.

وبذلك، رسخت حركة حماس في خطابها الرسمي صورة إسماعيل هنية باعتباره امتدادًا لمدرسة الشيخ أحمد ياسين، وقائدًا جمع بين العمل السياسي والدعوي، وهي الصورة التي اختلفت عنها نظرة أطراف فلسطينية أخرى، وفي مقدمتها السلطة الفلسطينية.

فى المقابل لم تكن علاقة السلطة الفلسطينية بإسماعيل هنية ثابتة طوال مسيرته السياسية، بل مرت بتحولات عكست طبيعة المشهد الفلسطيني نفسه، إذ انتقل الرجل من موقع رئيس الحكومة الفلسطينية المنتخب إلى أحد أبرز أقطاب الانقسام الداخلي، قبل أن تعود لغة الخطاب الرسمي الفلسطيني إلى توصيفه قائدًا وطنيًا عقب اغتياله.

فبعد فوز قائمة "التغيير والإصلاح" التابعة لحركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، كلّف الرئيس محمود عباس إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة، في أول انتقال للسلطة التنفيذية إلى حماس عبر صناديق الاقتراع، في تجربة مثلت محطة مفصلية في النظام السياسي الفلسطيني.

غير أن تلك الشراكة لم تستمر طويلًا، إذ دخلت العلاقة بين الرئاسة والحكومة في خلافات سياسية ودستورية متصاعدة، تفاقمت مع الحصار الدولي المفروض على الحكومة، وانتهت بأحداث الانقسام الفلسطيني في يونيو/حزيران 2007، التي أنهت عمليًا تجربة الشراكة بين فتح وحماس، ورسخت حالة الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة التي استمرت سنوات طويلة.

هدف استراتيجي

ورغم الخلاف السياسي، بقي إسماعيل هنية حاضرًا في محطات الحوار الوطني التي رعتها القاهرة والدوحة، وشارك في جولات المصالحة التي سعت إلى إنهاء الانقسام، فيما استمرت الاتصالات بين حركتي فتح وحماس، وإن لم تنجح في الوصول إلى اتفاق نهائي ينهي الانقسام الفلسطيني.

ومع اغتيال هنية في 31 يوليو/تموز 2024، بدا الخطاب الرسمي الفلسطيني مختلفًا عن سنوات الخصومة السياسية. فقد أدان الرئيس محمود عباس عملية الاغتيال، ووصفها بأنها "عمل جبان وتطور خطير"، داعيًا الفلسطينيين إلى "الوحدة والصبر والصمود في وجه الاحتلال"، كما أعلن الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام ليوم واحد في الأراضي الفلسطينية.

ولم يقتصر الموقف على الرئاسة الفلسطينية، إذ أدان أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ عملية الاغتيال، واعتبرها "عملًا جبانًا"، داعيًا إلى "إنجاز وحدة القوى والفصائل الفلسطينية" في مواجهة الاحتلال.

وعكست تلك المواقف تحولًا في طبيعة الخطاب الرسمي تجاه هنية ، وهو ما أظهر أن الخلافات الداخلية لم تحجب الاعتراف بمكانة هنية باعتباره أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية الفلسطينية خلال العقدين الأخيرين.

لم تنظر "إسرائيل" إلى إسماعيل هنية بالطريقة نفسها طوال مسيرته السياسية، فبينما رأت فيه خلال سنوات رئاسته للحكومة الفلسطينية أحد أبرز الوجوه السياسية لحركة حماس، تحولت صورته مع مرور الوقت داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية إلى هدف استراتيجي ارتبط اسمه بقيادة الحركة وقراراتها السياسية.

وخلال سنوات وجوده في قطاع غزة، كان هنية حاضرًا بصورة متكررة في تقديرات أجهزة الأمن ووسائل الإعلام "الإسرائيلية"، لا سيما بعد توليه رئاسة الحكومة الفلسطينية عام 2006، ثم انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس عام 2017، إذ اعتبرته "إسرائيل" جزءًا من القيادة العليا للحركة، إلى جانب القيادات العسكرية والسياسية الأخرى.

وفي الوقت نفسه، ميّزت بعض التحليلات الصادرة في وسائل إعلام "إسرائيلية" ودولية بين هنية وقيادات أخرى داخل الحركة، إذ وصفته تقارير لوكالة رويترز وعدد من الدبلوماسيين الذين تحدثوا إليها بأنه كان يُنظر إليه باعتباره أكثر براغماتية من بعض قيادات حماس داخل قطاع غزة، بحكم انخراطه في ملفات التهدئة والعلاقات الخارجية والمفاوضات غير المباشرة مع الوسطاء الإقليميين، دون أن يعني ذلك تغيرًا في مواقف الحركة الأساسية تجاه الصراع مع الاحتلال.

ورغم هذا التوصيف، لم تتغير مكانة هنية في أولويات المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية". فبعد عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعلنت الحكومة "الإسرائيلية" أن جميع قادة حركة حماس أصبحوا أهدافًا للحرب، وأكد "نتنياهو" ووزير الجيش يوآف غالانت، في أكثر من مناسبة، أن العمليات العسكرية لن تتوقف قبل الوصول إلى قيادة الحركة في الداخل والخارج.

وجه إقليمي 

وخلال الأشهر التالية، تعرض عدد من أفراد عائلة هنية للاستهداف في قطاع غزة، بينهم ثلاثة من أبنائه وعدد من أحفاده، بينما بقي هو يقود الاتصالات السياسية المتعلقة بملف المفاوضات من خارج القطاع، متنقلًا بين الدوحة وأنقرة وطهران، ومشاركًا في الاتصالات التي رعتها قطر ومصر والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.

وفي فجر 31 يوليو/تموز 2024، انتهت تلك المطاردة باغتياله في مقر إقامته المؤقت في العاصمة الإيرانية طهران، بعد ساعات من مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد.

وبينما التزمت الحكومة "الإسرائيلية" الصمت في الساعات الأولى ولم تعلن مسؤوليتها رسميًا عن العملية، تعاملت وسائل الإعلام "الإسرائيلية" معها باعتبارها ضربة استهدفت أعلى هرم القيادة السياسية لحركة حماس، فيما رأت تحليلات أمنية أن اغتياله يمثل تطورًا نوعيًا في استراتيجية استهداف قادة الحركة خارج الأراضي الفلسطينية.

مع انتقال إسماعيل هنية إلى رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس عام 2017، اتسع حضوره خارج قطاع غزة، وأصبح أحد أبرز الوجوه الفلسطينية المشاركة في الاتصالات الإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، سواء في ملفات المصالحة الداخلية أو التهدئة أو تبادل الأسرى، وهو ما جعله حاضرًا بصورة دائمة في عواصم لعبت أدوارًا مختلفة في إدارة هذه الملفات.

وفي مصر، ارتبط اسم هنية بالوساطة التي قادتها القاهرة بين حركتي فتح وحماس، كما كان من أبرز المسؤولين الذين شاركوا في جولات الحوار الفلسطيني، إضافة إلى اللقاءات التي عقدتها المخابرات العامة المصرية مع قيادة الحركة لبحث التهدئة في قطاع غزة وتثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار.

وخلال الحرب على غزة، بقيت القاهرة محطة رئيسية في الاتصالات غير المباشرة التي شاركت فيها الحركة للوصول إلى اتفاق لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، بحسب البيانات الصادرة عن الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية، إلى جانب ما وثقته وكالة رويترز بشأن مسار المفاوضات.

أما قطر، فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مقر إقامة هنية ومركز لإدارة جانب كبير من النشاط السياسي الخارجي لحركة حماس. ومن الدوحة، أجرى لقاءات متكررة مع مسؤولين قطريين ودبلوماسيين أجانب، وشارك في الاتصالات التي رعتها قطر بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة للتوصل إلى تفاهمات تتعلق بالتهدئة وتبادل الأسرى.

وفي تركيا، حافظ هنية على علاقة وثيقة مع القيادة التركية، حيث استقبله الرئيس رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، كان آخرها في إسطنبول في أبريل/نيسان 2024، وفق بيان دائرة الاتصال في الرئاسة التركية. وخلال تلك اللقاءات، تركزت المباحثات على تطورات الحرب على قطاع غزة والجهود السياسية لوقفها، فيما وصف أردوغان، عقب اغتياله، هنية بأنه "قائد ناضل من أجل القضية الفلسطينية".

قادة محور المقاومة

أما إيران، فقد مثلت إحدى أبرز محطات نشاط هنية الخارجي، إذ حافظ على لقاءات دورية مع كبار المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي والرؤساء الإيرانيون المتعاقبون، في إطار العلاقات التي تجمع طهران بحركة حماس.

وكانت العاصمة الإيرانية آخر محطة في حياته، حيث وصل إليها للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قبل أن يُغتال في مقر إقامته المؤقت في 31 يوليو/تموز 2024. وأدانت إيران العملية، واعتبرها المرشد الإيراني علي خامنئي "جريمة" توعد بالرد عليها، فيما أعلنت السلطات الإيرانية الحداد الرسمي وأقامت مراسم تشييع رسمية لهنية قبل نقل جثمانه إلى الدوحة.

وتكشف هذه المحطات أن إسماعيل هنية لم يكن مجرد قائد لفصيل فلسطيني، بل أصبح خلال سنوات رئاسته للمكتب السياسي أحد أبرز الوجوه الفلسطينية الحاضرة في الاتصالات الإقليمية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وهو ما جعل العواصم العربية تتعامل معه من زوايا مختلفة؛ فالقاهرة رأته شريكًا في جهود الوساطة، والدوحة استضافت نشاطه السياسي الخارجي، وأنقرة احتفظت بعلاقة سياسية معلنة معه، فيما اعتبرته طهران أحد أبرز قادة محور دعم المقاومة الفلسطينية. وهو حضور تجاوز حدود الحركة التي قادها، ليضعه في قلب معظم التحركات الإقليمية المرتبطة بقطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر