خاص / شهاب
قال الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة إن عملية "الكتيبة" الأمنية التى نفذها "إسرائيل" غربي مدينة غزة تأتي في إطار محاولة الاحتلال الإسرائيلي إعادة بناء بنك معلوماته عن قطاع غزة، خصوصًا بعد التغييرات الكبيرة التي طرأت على بنية المقاومة خلال الحرب، من استهداف قيادات ومواقع، وتفكيك أجزاء من هياكل العمل القديمة، إلى إعادة تشكيلها تحت ضغط الحرب والملاحقة المستمرة.
وأضاف عفيفة أن الاحتلال يحاول من خلال هذه العمليات الوصول إلى صورة أوضح عن شكل المنظومة الجديدة للمقاومة، ومن يتولى المسؤوليات فيها، وكيف أعادت ترتيب آليات عملها واتصالاتها بعد الحرب.
وأوضح أن العملية تشير إلى أن الاحتلال لا يكتفي بالاستهداف من الجو، وإنما يحاول الوصول إلى أهدافه عبر عمليات أمنية ميدانية، مشيرًا إلى أن القوة الخاصة التي دخلت المنطقة حاولت الوصول إلى مسؤول أمني كان يتبع للحكومة الإدارية السابقة في القطاع.
وقال إن طبيعة المهمة تبدو أقرب إلى محاولة الأسر أو التصفية ميدانيًا، وهو ما يعطي العملية أهمية مختلفة، خصوصًا أن الوصول إلى شخص بعينه قد يوفر للاحتلال معلومات لا يمكن الحصول عليها في حال الاكتفاء باغتياله.
وبيّن عفيفة أن الأسر قد يكون في بعض الحالات أكثر قيمة استخبارية من الاغتيال، لأن الشخص المستهدف يمكن أن يكون مصدرًا لمعلومات عن تركيبة العمل الجديدة داخل المقاومة، والمسؤوليات التي أعيد توزيعها، وآليات الاتصال وانتقال الأوامر.
وأضاف أن عملية بهذا المستوى في قلب مدينة غزة لا تبدأ لحظة دخول القوة الخاصة، وإنما تسبقها عملية رصد ومتابعة وجمع معلومات عن الهدف والمنطقة المحيطة به، سواء عبر المراقبة الجوية أو المصادر البشرية.
ويرى أن مجرد اتخاذ قرار بإدخال قوة خاصة إلى منطقة مكتظة في مدينة غزة يعني أن الاحتلال اعتقد أنه يمتلك معلومات كافية تسمح له بالمجازفة، وأن هناك جهدًا استخباريًا سبق تنفيذ العملية.
ولفت عفيفة إلى أن البيئة التي تعمل فيها المقاومة اليوم مختلفة بشكل كبير عما كانت عليه قبل الحرب، بعدما تعرضت بنيتها لضربات واسعة، وقُتلت قيادات، وتغيرت مواقع العمل، وأعيد ترتيب طرق الحركة والاتصال.
وقال إن القطاع نفسه أصبح بيئة أكثر صعوبة من الناحية الأمنية، في ظل تقلص المساحة التي يتحرك فيها السكان إلى نحو 30% من مساحة القطاع، مع اكتظاظ سكاني شديد ومراقبة جوية واستخبارية متواصلة.
وأوضح أن هذه الظروف تجعل الحركة أكثر صعوبة، كما تجعل الأنماط المتكررة في حركة الأشخاص أو اتصالاتهم قابلة للرصد والتحليل، معتبرًا أن الجغرافيا نفسها أصبحت جزءًا من المعركة الاستخبارية.
وأشار إلى أن هياكل العمل وطرق الحركة والاتصال والحماية التي كانت قائمة قبل الحرب لا يمكن التعامل معها باعتبارها صالحة للمرحلة الحالية، لأن البيئة الأمنية تغيرت بصورة كبيرة، وكذلك تغيرت أدوات الاحتلال وقدرته على المراقبة والوصول إلى المعلومات.
وأكد أن هذا الواقع يفرض إعادة النظر في منظومة الأمن المضاد داخل غزة، خاصة أن الاحتلال يحاول الوصول إلى أهدافه من خلال عمليات تسلل واختراق، وليس فقط عبر القصف والاستهداف الجوي.
ولفت إلى أن العملية الأخيرة لا تبدو منفصلة عن محاولات توغل واختطاف وعمليات أمنية شهدها قطاع غزة خلال الأسابيع الماضية، معتبرًا أن تكرار هذه المحاولات يكشف عن سعي الاحتلال إلى اختراق البيئة الأمنية للمقاومة وفهمها من الداخل.
وأضاف أن الاحتلال يحاول معرفة ما الذي تغير داخل المنظومة بعد الحرب، وكيف أعادت المقاومة ترتيب صفوفها، ومن أصبح يتولى المسؤوليات الجديدة، وما هي الطرق التي تعتمدها في العمل والاتصال والحماية.
وفي السياق السياسي، يرى عفيفة أن توقيت العملية لا يخلو من حسابات داخلية لدى حكومة الاحتلال، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وحاجة بنيامين نتنياهو وائتلافه إلى عمليات نوعية يمكن تقديمها للجمهور الإسرائيلي باعتبارها إنجازات أمنية وعسكرية.
لكنه شدد على أن العامل الانتخابي لا يكفي لتفسير العملية، لأن البعد الاستخباري يبدو حاضرًا بقوة، خصوصًا مع استمرار الاحتلال في محاولة استعادة قدرته على معرفة ما يجري داخل قطاع غزة بعد الحرب.
ويرى عفيفة أن ما حدث في الكتيبة يؤكد أن العمليات الأمنية الإسرائيلية داخل القطاع لم تنتهِ، وأن الاحتلال سيواصل البحث عن أهداف ومعلومات من خلال وسائل مختلفة، بينها العمليات الخاصة والتسلل والعمل الاستخباري.
وختم بالقول إن المعركة الأمنية في غزة دخلت مرحلة مختلفة، ولم تعد مرتبطة فقط بالقوة النارية، وإنما بقدرة كل طرف على اكتشاف تحركات الطرف الآخر ومنع الاختراق قبل أن يصل إلى هدفه.
