حوار "كنت أتمنى أن أراه أكثر".. شقيق "أبو عبيدة" يروي لـ شهاب الوجه الآخر لحذيفة وتفاصيل اللقاء الأخير

الشهيد حذيفة الكحلوت "أبو إبراهيم"

حوار خاص - شهاب

في مكان معتم وقبل المغرب بقليل، كان صهيب الكحلوت ينتظر شقيقه "أبو عبيدة" حذيفة "الناطق العسكري باسم كتائب القسام"، وهو لا يعرف كم ستدوم تلك اللحظات، ولا إن كانت ستتكرر، وصل إلى هناك بعد انقطاع طويل، وكانت تلك الدقائق المتاحة غالية، خاصة وأن العائلة لم تكن تعرف مكان حذيفة أصلًا.

عندما وصل حذيفة، لم يرَ صهيب الرجل الذي اعتادت الشاشات عرضه خلف الكوفية، ولا صاحب الصوت الذي ارتبط ببيانات الحرب، بل رأى أخاه الذي غاب عنه؛ رأى شيبًا خالط شعره، وجسدًا أنهكته الأيام ونقص وزنه، لكن ابتسامة الرضا والأمل ظلت كما هي.

احتضنه صهيب وبكى، وتمنى لو كان المكان أكثر إضاءة كي يرى وجهه بوضوح، جلس الأخوان يتحدثان عن العائلة والأطفال، وعن الصحة وما آلت إليه الأحوال، فكان لقاءً عائليًا بسيطًا، لم تتوقف فيها أصابع حذيفة عن الحركة على سبحته الإلكترونية طوال الجلسة.

لم يدرك صهيب يومها أن تلك الساعة ستكون الأخيرة له مع أخيه.

بعد عام على استشهاد حذيفة الكحلوت، الذي عرفه الناس باسم "أبو عبيدة"، يعود شقيقه صهيب في حوار خاص مع وكالة (شهاب) إلى تلك اللحظات، كما يعود إلى أيام الطفولة؛ حين كان حذيفة طفلا كثير الحركة، يمسك عصاه ليمثل أنه يدرّس، ويلعب كرة القدم مع رفاقه في قريتهم بالمملكة العربية السعودية، قبل أن يشبّ حافظا للقرآن ومحبا للقراءة واللغة العربية.

يستعيد صهيب تفاصيل من حياة أخيه بعيدا عن صورتها العامة؛ يتحدث عن طباعه في البيت، وهواياته المبكرة، والبيئة التي نشأ فيها، ثم عن سنوات الحرب والرسائل التي كانت تصلهم بعد أشهر، وصولًا إلى ذلك اللقاء الأخير.

"كان هادئًا ولينًا"

يقول صهيب إن حذيفة كان منذ صغره لينًا مع إخوته، يبتعد عن الخلافات، ويفضل ألا يتدخل حتى لا تزداد الأمور تعقيدا، ورغم هذا الهدوء في التعامل، لم يكن طفلًا ساكنًا، بل كان كثير الحركة، يفضل اللعب على الجلوس، وكانت كرة القدم من هواياته في المرحلة الابتدائية خلال إقامتهم بالسعودية.

لكن الكرة لم تصبح شغفا دائما لديه؛ فلم يكن يتابع المباريات أو يشجع فريقا، إذ لم تكن هذه الاهتمامات حاضرة في البيت الذي عاش وفق نمط آخر.

ارتباطه بالأناشيد

أحب حذيفة الأناشيد الإسلامية منذ صغره، وكانت الأشرطة التي يجلبها والده حاضرة في البيت، كان سريع الحفظ، فيسمع النشيد ويردده، خاصة الأناشيد الحماسية وتلك التي تتحدث عن فلسطين.

كانت تسجيلات الأناشيد القديمة، كمهرجانات الأردن وفرقة اليرموك، تتردد في المنزل، وظل حذيفة يحفظها ويرددها حتى بعدما كبر.

يتذكر صهيب كيف كان أخوه يترنم بها في حياته اليومية، قائلًا: "كنا نقف في المطبخ وهو يعد القهوة، فتسمعه يترنم بتلك الأناشيد".

ومن بين ما علق في ذاكرته نشيد يبدأ بـ: "بدي احكي قصة يا إخوان.. الله واحد ما له ثاني". ويشير صهيب إلى أن أخاه كان يمتلك صوتًا جميلًا في النشيد، تمامًا كما كان صوته جميلًا في تلاوة القرآن.

كما أن الشهيد حذيفة تميز في مادة التعبير، وكان يكتب عن قضايا مجتمعه والأفكار التي تشغله.

وبحسب صهيب، كان أسلوبه لافتًا وحظي بثناء معلميه في اللغة العربية التي أتقنها.

كما كان يقرأ ما يحضره والده من كتب ومجلات، متوجهًا بشكل خاص نحو الكتب الإسلامية والسيرة والعقيدة والتاريخ، وهي اهتمامات بدأت معه من الصغر واستمرت كبره.

ويربط صهيب هذه النشأة بطبيعة حياة الأسرة في السعودية؛ إذ عاشوا في مناطق هادئة ومساكن متباعدة، فكانت التربية قريبة من البيئة المغلقة، وكان والدهم معلمًا، يأخذهم إلى المدرسة ثم يعودون للدراسة، ليقضوا بقية وقتهم في المسجد حتى المغرب أو العشاء.

وحتى وسائل التسلية في المنزل كانت مرتبطة بالقرآن والأناشيد وأصوات القراء مثل الشيخ سعود الشريم وعلي الجابري والمحيسني، إذ حرص الوالدان على توجيه الأبناء نحو المسجد والمدرسة أكثر من الشاشات.

ظروف الحرب

مع اندلاع الحرب، أصبحت رؤية حذيفة أمرا متعذرا، ولم تعد العائلة تعرف مكان وجوده أو تتواصل معه مباشرة، ولم يلتقِ به صهيب خلال الحرب إلا مرة واحدة في فبراير 2025، أثناء الهدنة التي شهدها مطلع العام. لم تزد مدة اللقاء عن ساعة، لكنها ظلت حاضرة في ذاكرته كلقاء وداع.

بادَرَ حذيفة حينها بالتواصل ورغبته في رؤية أهله، فترتب الأمر ضمن إجراءات مشددة، بحيث يلتقي بكل فرد وحده، وكان موعد صهيب قرب المغرب في مكان معتم، يتمنى صهيب لو كان أكثر إضاءة كي يتملى من وجه أخيه.

يقول صهيب: "كنت أتمنى أن يكون المكان أكثر إضاءة لأراه أكثر"، مشيرًا إلى أنه حين رآه احتضنه وبكى طويلاً، ملاحِظًا كيف غيرت الحرب ملامحه؛ فشاب شعره ونحف جسده، وظهرت عليه آثار الأيام الصعبة.

تفاصيل اللقاء الأخير

لم يتطرق الحديث في تلك الساعة إلى السياسة أو العسكر؛ كان هدف صهيب الاطمئنان على أخيه وعائلته، فتحدثا عن الزوجة والأطفال والصحة وعن تغييرات الحياة، ويصف صهيب أخاه بأنه كان ثابتًا، والابتسامة لا تفارق وجهه.

كان صهيب يأمل أن يكون ذلك اللقاء بداية لفرصة أخرى يجلسان فيها بمفردهما، إذ كان الجدول محددًا لكل فرد من العائلة، لكن الفرصة لم تتكرر.

وبعد أشهر استشهد حذيفة، لتظل تلك الساعة هي آخر عهدهما. يقول صهيب: "الحمد لله على كل حال، مضى إلى ربه شهيدًا، ونسأل الله أن يكون اللقاء في الفردوس الأعلى".

مراسلات ورقية

وفي ظل صعوبة الاتصال المباشر، كانت الرسائل الورقية هي الوسيلة الوحيدة ليطمئن بها حذيفة على أهله.

كانت الرسائل تصل بعد فترات متباعدة، يسأل فيها حذيفة عن والده ووالدته وزوجته وأطفاله والأوضاع المعيشية، وكان يحرص على الاطمئنان عليهم رغم ظروفه، ويختم رسائله بعبارة: "استعينوا بالله وليس لها من دون الله كاشفة.. والأمور ذاهبة إلى خير كبير".

هل نزح أبو عبيدة؟

وحول مشاهد تداولها البعض ورُبطت بحذيفة أثناء نزوح من الشمال، نفى صهيب ذلك، موضحًا أن الفيديو الذي بثته قناة "العربية" لم يكن رحلة نزوح، بل كان خروجًا عاديًا مع عائلته أثناء إحدى فترات التهدئة.

وأكد شقيقه أن حذيفة لم يغادر شمال قطاع غزة إطلاقا، قائلًا: "لم يخرج من الشمال أبداً، ولم ينزح، بل بقي ثابتًا مع إخوانه في الشمال".
ويرجح صهيب أن أخاه كان يتحرك أحيانا من مقره لكنه كان يتخفى، خاصة خلال ظروف الحرب.

ويذكر أن البعض كان ينقل للعائلة أحيانًا أنه شاهد حذيفة في الشارع، بينما كان آخرون يتوهمون رؤيته، ما جعل العائلة غير قادرة على التثبت من تلك الأنباء.

ويرى صهيب أن المقربين منه ومن يعملون معه هم فقط من كانوا يعرفونه عند اللقاء، أما بالنسبة لعامة الناس فكان يتخفى تمامًا.

عاش كأبناء شعبه

ويؤكد صهيب أن حذيفة لم يكن معزولا عما يجري حوله، بل عاش نفس الظروف التي مر بها أهل غزة، وهو ما ظهر على بنيته الجسدية ونقص وزنه، غير أن همه الأساسي كان ينصب على ما يحل بالناس، وهو ما ظهر واضحًا في كلماته الأخيرة.

وأضاف أن العائلة علمت أنه كان ينزل بنفسه لجلب الماء وتأمين احتياجاته الأساسية وسط تدابير حذرة، حيث ينقل عن إبراهيم، ابن الشهيد حذيفة، أن والده كان يحمل جالونات الماء بنفسه للشرب أو الغسيل.

"أبو عبيدة.. فكرة"

بعد مرور عام على رحيله، يرى صهيب أن حذيفة لا يختصر في الصورة التي ظهرت على الشاشات، قائلًا: "أبو عبيدة كان فكرة"، ورسالته وصلت الناس بإخلاصه وما يحمله من حق.

واستشهد بالقول: "الحق لا يُعرف بالرجال، إنما يُعرف الرجال بالحق"، مشيرًا إلى أن من أحب أبا عبيدة عليه أن يواصل الطريق ويقتدي بأخلاقه وعمله.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر