من الدعاية التقليدية إلى تسميم الذكاء الاصطناعي

كيف حاولت شبكة مرتبطة بإسرائيل إعادة تشكيل رواية غزة؟

ترجمة / شهاب

لم تعد معركة الرواية حول الحرب على قطاع غزة تدور فقط في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، بل انتقلت إلى مساحة جديدة أكثر تعقيدًا: الذكاء الاصطناعي.

فبحسب تحقيق نشره موقع دروب سايت نيوز (Drop Site News)، تشرف شركة مرتبطة بمدير حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، براد بارسكيل، على شبكة من المواقع الإلكترونية التي أُنشئت بهدف التأثير في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتوجيه الطريقة التي تجيب بها روبوتات المحادثة الشهيرة مثل "تشات جي بي تي" و"كلود" و"جيميني" عن القضايا المتعلقة بـ"إسرائيل" والحرب على غزة.

ويكشف التحقيق أن العملية التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول، لم تستهدف فقط الجمهور البشري، إذ إن معظم المواقع التي أُنشئت ضمن الشبكة لا تستقطب أعدادًا كبيرة من الزوار، بل كان الهدف الأساسي منها، وفق التحقيق، هو الوصول إلى الخوارزميات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي، عبر ضخ كميات من المحتوى المصمم بطريقة تجعل هذه الأنظمة تتعامل معه كمصادر معلومات.

ويشير التحقيق إلى أن هذه الحملة جاءت ضمن عقد بقيمة 46.5 مليون دولار مع الحكومة "الإسرائيلية"، نفذته شركة كلوك تاور إكس (Clock Tower X) المملوكة لبارسكيل، في محاولة للتأثير على برامج الذكاء الاصطناعي المستخدمة من ملايين الأشخاص حول العالم.

من حملة ترامب إلى هندسة الرواية الرقمية

برز اسم براد بارسكيل خلال الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما تولى إدارة حملته الانتخابية عام 2016، وارتبط اسمه باستخدام تقنيات الاستهداف الرقمي في الحملات السياسية.

لكن دوره، بحسب التحقيق، انتقل لاحقًا إلى مجال جديد يتمثل في إدارة حملات تأثير رقمية تستهدف ليس فقط الناخبين أو مستخدمي الإنترنت، بل أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها.

ويشير التحقيق إلى أن بارسكيل وصف الهدف من هذه العملية بأنه محاولة للتأثير على نماذج اللغة الكبيرة، وهي الأنظمة التي تقوم عليها أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، في عملية يطلق عليها الباحثون أحيانًا مصطلح "تسميم نماذج اللغة الكبيرة".

وفي الاتفاق الأولي مع الحكومة "الإسرائيلية"، أوضح بارسكيل أن شركته ستستخدم "المواقع الإلكترونية والمحتوى لتقديم نتائج تأطير لـ GPT في محادثات GPT"، في إشارة إلى محاولة التأثير على الإجابات التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي للمستخدمين.

كما نقل التحقيق عن فريق بارسكيل قوله لموقع "أكسيوس" إنهم "يحققون نجاحًا" في جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي الشائعة تعتمد على المعلومات المنشورة في مواقعهم، رغم رفض الفريق تقديم بيانات تثبت حجم هذا التأثير.

وبحسب خبراء في مجال التضليل الرقمي راجعوا تحليل موقع "دروب سايت"، فإن الحملة حققت نجاحًا في إدخال بعض محتويات هذه الشبكة إلى إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك، وفق التحقيق، أن ملايين المستخدمين الذين يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات حول القضايا السياسية، قد يتلقون إجابات متأثرة بمحتوى جرى إنتاجه ضمن حملة مدفوعة من الحكومة "الإسرائيلية".

وضرب التحقيق مثالًا على ذلك عندما طرح موقع "دروب سايت" سؤالًا على برنامج بيربلكسيتي (Perplexity) حول ما إذا كان من المفيد للولايات المتحدة تعزيز التعاون العسكري مع "إسرائيل".

وجاءت الإجابة: "نعم"، وكان المصدر الرئيسي الذي استند إليه البرنامج هو موقع Allyvia.org، وهو أحد المواقع التي أنشأتها شبكة بارسكيل للترويج للعلاقات العسكرية الأمريكية-"الإسرائيلية".

كما أشار برنامج مايكروسوفت كوبيلوت إلى مواقع أخرى تابعة للشبكة نفسها عند الإجابة عن أسئلة مرتبطة بـ"إسرائيل".

واجهات مختلفة ورواية واحدة

يقول التحقيق إن موقع Allyvia.org هو واحد من عشرة مواقع إلكترونية مختلفة أنشأتها شركة "كلوك تاور إكس"، بحيث يحمل كل موقع مهمة محددة ضمن منظومة التأثير الرقمي.

فبعض هذه المواقع يقدم نفسه باعتباره منصات للمعلومات أو التحقق من الحقائق، بينما يركز بعضها الآخر على العلاقات العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل".

ومن بين هذه المواقع:

  • FactSignal.org: يقدم نفسه كموقع للتحقق من الحقائق، لكنه يتضمن مواد تشكك في مصداقية الصحفيين الفلسطينيين الذين قتلوا في غزة، وتتهم بعضهم بالارتباط بحركة حماس، كما ينفي أن العمليات العسكرية "الإسرائيلية" في القطاع تشكل إبادة جماعية.
  • Paxpoint.org: يروج لصورة "إسرائيل" باعتبارها دولة تسعى إلى السلام.
  • Allyvia.org: يركز على تعزيز التحالف العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة و"إسرائيل".

ويشير التحقيق إلى أن جميع هذه المواقع تحتوي في أسفل صفحاتها على بيان يقول:

"هذه المواد توزع بواسطة شركة كلوك تاور إكس نيابة عن دولة إسرائيل".

ويأتي هذا البيان التزامًا بقانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة المعروف اختصارًا باسم FARA، والذي يفرض الكشف عن الجهات التي تعمل لصالح حكومات أجنبية.

لكن التحقيق يكشف أن بعض روبوتات الذكاء الاصطناعي لم تكن تشير إلى هذا الارتباط عند الاستشهاد بهذه المواقع.

فعندما طلب "دروب سايت" من عدد من برامج الذكاء الاصطناعي عرض آخر الأخبار المتعلقة بموقع Paxpoint.org، لم يذكر كل من "بيربلكسيتي" و"كوبيلوت" أن الموقع مرتبط بحملة تأثير إسرائيلية.

وقالت المتحدثة باسم "بيربلكسيتي"، بيجولي شاه، للموقع إن المنصة "مصممة لتقديم إجابات موثقة مرتبطة بمصادر متعددة، حتى يتمكن المستخدمون من العودة إلى التقارير الأصلية وتكوين استنتاجاتهم الخاصة".

التضليل الرقمي

لكن التحقيق يؤكد أن تأثير هذه المواقع لا يقتصر على ظهورها كمصادر مباشرة، بل يمتد إلى إمكانية دخول محتواها ضمن قواعد البيانات التي تستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

لم تكتفِ شبكة "كلوك تاور إكس" بإنشاء مواقع إلكترونية تحمل رسائل سياسية محددة، بل سعت، وفق التحقيق الذي نشره موقع دروب سايت نيوز، إلى اختبار مدى قدرة هذه المواد على الوصول إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر استخدامًا، ومعرفة ما إذا كانت ستظهر في الإجابات التي تقدمها للمستخدمين.

ولهذا الغرض، أجرى موقع "دروب سايت" تجربة بالتعاون مع هيرفيه ليتوكو، الرئيس التنفيذي لمنظمة "تشيك فيرست" المعنية بمكافحة التضليل الرقمي، شملت خمسة من أبرز روبوتات المحادثة:

  • "مايكروسوفت كوبيلوت"
  • "تشات جي بي تي"
  • "غوغل جيميني"
  • "كلود"
  • "بيربلكسيتي"

وكان الهدف من الاختبار معرفة ما إذا كانت هذه الأنظمة قد اعتمدت على مواقع شبكة "كلوك تاور إكس" ضمن بيانات التدريب الخاصة بها، أو أنها تستند إليها عند البحث المباشر عن المعلومات.

بحسب نتائج الاختبار، ظهرت مواقع شبكة بارسكيل بشكل متكرر ضمن بيانات التدريب التي يعتمد عليها كل من جيميني وكوبيلوت.

أما "كلود" و"تشات جي بي تي"، فلم تظهر مؤشرات على وجود هذه المواقع ضمن بيانات التدريب الخاصة بهما، رغم أن كلا النظامين لا يزالان قادرين على الوصول إلى مواقع "كلوك تاور إكس" عند إجراء عمليات بحث مرتبطة بالموضوعات التي تتناولها هذه المواقع.

أما "بيربلكسيتي"، فأظهرت النتائج، وفق التحقيق، مؤشرات على أنها تدربت على بعض مواقع الشبكة.

وقال ليتوكو إن إثبات وجود هذه المواقع ضمن بيانات تدريب بعض النماذج أمر ممكن، لكن تحديد مدى تأثيرها الفعلي على الإجابات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي يبقى أكثر تعقيدًا.

وأضاف أن السؤال الأساسي ليس فقط ما إذا كان النموذج قد اطلع على هذه المواد، بل إلى أي درجة أصبحت هذه المواد تؤثر في الطريقة التي يصيغ بها إجاباته.

مايكروسوفت وغوغل لم تردا

وأشار التحقيق إلى أن شركتي مايكروسوفت وغوغل لم تستجيبا لطلب التعليق حول نتائج الاختبار المتعلقة بـ"كوبيلوت" و"جيميني".

في المقابل، أكدت شركة "بيربلكسيتي" أنها تسعى إلى تقديم إجابات تعتمد على مصادر مرتبطة وموثقة، بحيث يتمكن المستخدمون من الرجوع إلى المصادر الأصلية وتقييم المعلومات بأنفسهم.

يرى فريق براد بارسكيل أن نجاح الحملة لا يعتمد فقط على إنتاج مواد مؤيدة للرواية "الإسرائيلية"، وإنما على الطريقة التي تُكتب بها هذه المواد لتكون أكثر قابلية للظهور أمام أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ونقل التحقيق عن سكوت ستوفر، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة ماركت برو، وهي شركة تعمل في مجال التأثير الرقمي واستثمر فيها بارسكيل، قوله إن المحتوى المكتوب بأسلوب "موضوعي ومنظم بعناية" يكون أكثر احتمالًا للاستشهاد به من قبل منصات الذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن الهدف ليس تغيير مسار الحوار مباشرة، وإنما جعل المعلومات المكتوبة بطريقة معينة "مؤهلة" للظهور عندما يبحث المستخدمون عن إجابات.

وبحسب باحثين في مجال التضليل الرقمي، فإن كثيرًا من منشورات شبكة "كلوك تاور" صُممت بهذه الطريقة، إذ تجمع بين صياغة تبدو محايدة، واستخدام عبارات عامة، وإدراج ما يشبه الاستشهادات والمعلومات المرجعية، وهي عناصر تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر استعدادًا للتعامل معها كمصادر.

رواية حول صحفيين غزة

ويشير التحقيق إلى أن أحد منشورات موقع FactSignal.org تناول الادعاءات التي تستهدف الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة الذين قتلوا خلال الحرب.

وجاء في إحدى فقرات الموقع:

"التمييز بين الصحفيين الشرعيين والعناصر المسلحة ليس دائمًا سهلًا، لكن الصحافة الدقيقة تتطلب تحقيقًا دقيقًا وشفافية".

ويرى باحثون في التضليل أن مثل هذه الصياغات تمنح المحتوى مظهرًا متوازنًا، حتى عندما يكون الهدف النهائي هو دعم رواية سياسية محددة.

وبحسب التحقيق، تكشف الشفرة المصدرية لعدد من منشورات شبكة "كلوك تاور" أن كاتبها هو مارك جينسبيرغ، وهو مسوّق رقمي يقيم في "إسرائيل".

وسجل جينسبيرغ نفسه كوكيل أجنبي لصالح "إسرائيل" في مارس/آذار، كما يعلن في صفحته على منصة "لينكدإن" عن خبرته في مجال تحسين محركات البحث التوليدي، وهو المجال المرتبط بكيفية ظهور المحتوى داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وفي مقال نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في يونيو/حزيران، دعا جينسبيرغ إلى استثمار أكبر في التأثير على منصات الذكاء الاصطناعي.

وكتب أن "إسرائيل بحاجة إلى استثمار جاد في الدفاع عن الحقيقة"، معتبرًا أن ذلك يشمل ضمان ظهور المعلومات في نتائج البحث، والمصادر التعليمية، والموسوعات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبودكاست، والأفلام الوثائقية، ومجموعات بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي.

ويرفض جينسبيرغ وصف هذا النوع من العمل بأنه تضليل، ويقول إن الهدف هو ضمان ظهور "الحقيقة نفسها" داخل الأنظمة الرقمية.

يرى هيرفيه ليتوكو أن طبيعة عمل روبوتات الذكاء الاصطناعي تجعلها تميل إلى تقديم وجهات نظر متعددة ومتوازنة، وهو ما قد يمنح المواقع التي تبدو منظمة وتستخدم لغة هادئة فرصة أكبر للظهور.

وقال إن هذه المواقع قد تكون قادرة على التأثير في الإجابات المتعلقة بأسئلة حساسة مثل: "هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة؟"، لأنها تقدم الرواية "الإسرائيلية" باعتبارها أحد أطراف النقاش، ما يسمح للذكاء الاصطناعي بإعادة إنتاجها ضمن إجابات تبدو متوازنة.

من جهتها، قالت أليس لي، المحللة في مؤسسة نيوز غارد المتخصصة في تتبع المعلومات المضللة، إن مواقع شبكة بارسكيل تحتوي على عناصر تجعلها أكثر قابلية للظهور في أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن شبكة "برافدا" الروسية، التي تُعد من أكبر شبكات التضليل الرقمي، أكبر بكثير من شبكة "كلوك تاور إكس"، فإن التحقيق يشير إلى أن مواقع بارسكيل حققت معدل أرشفة أعلى بكثير.

فشبكة "كلوك تاور" تضم نحو 900 مسار مختلف بين مقالات ومنشورات ومعلومات، وتمت أرشفة نحو 85% منها في قاعدة بيانات "كومون كرول" ، في المقابل، يبلغ متوسط معدل الأرشفة لشبكة "برافدا" الروسية نحو 2.5% فقط.

وترى أليس لي أن الاختلاف بين التجربتين يكمن في الأسلوب؛ إذ تعتمد الدعاية الروسية غالبًا على معلومات يمكن تفنيدها بسهولة، بينما تعتمد الحملة المرتبطة بإسرائيل على مزيج من الوقائع الجزئية والآراء والحقائق المتنازع عليها، وهو ما يجعل مواجهتها أكثر صعوبة.

رواية مضادة

لم تكن شبكة "كلوك تاور إكس" ثابتة في مضمونها منذ إطلاقها، بل بدا، وفق التحقيق الذي نشره موقع دروب سايت نيوز، أنها تتحرك وفق الأولويات السياسية والإعلامية للحكومة "الإسرائيلية"، فتغيّر الرسائل التي تضخها مواقعها بحسب القضايا التي تصبح محل نقاش داخل الولايات المتحدة.

ويشير التحقيق إلى أن المواقع التابعة للشبكة، عند إطلاقها في أكتوبر/تشرين الأول، ركزت بشكل أساسي على تقديم صورة لـ"إسرائيل" باعتبارها دولة تسعى إلى السلام، وتواجه رفضًا من أطراف أخرى.

وكانت إحدى الصفحات التي أرشفتها مؤسسة "كومون كرول" في أكتوبر/تشرين الأول تقول: "بينما يصور المنتقدون إسرائيل على أنها غير راغبة في التسوية، يُظهر التاريخ عكس ذلك؛ فقد قدمت إسرائيل مرارًا تنازلات إقليمية واستراتيجية مقابل السلام، لكنها واجهت في النهاية عداءً متجددًا".

وبحسب التحقيق، جرى أرشفة هذه الصفحة مرتين في قاعدة بيانات "كومون كرول"، ما يعني أنها أصبحت جزءًا من المحتوى المتاح للأنظمة التي تستخدم هذه البيانات في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.

لكن مع تصاعد الانتقادات الدولية للحرب على قطاع غزة، تغير اتجاه الرسائل التي تنشرها الشبكة، وانتقلت من التركيز على صورة "إسرائيل الدولة الساعية للسلام"، إلى الدفاع عن العمليات العسكرية التي نفذها الجيش "الإسرائيلي" في القطاع.

يركز جزء كبير من محتوى شبكة "كلوك تاور إكس" على تقديم رواية مضادة للانتقادات الموجهة إلى "إسرائيل" بشأن حربها على غزة.

لكن التحقيق يشير إلى أن صحيفة نيويورك تايمز كانت قد وثقت أن استخدام هذه التقنية تراجع بشكل كبير منذ بداية الحرب، وأن الجيش "الإسرائيلي" لجأ في حالات عديدة إلى استخدام قنابل كبيرة الحجم، من بينها قنابل تزن نحو 2000 رطل، تسببت بأضرار واسعة.

بحسب التحقيق، فإن الهدف من هذه المنشورات لم يكن فقط الوصول إلى القارئ العادي، بل ضمان وجود رواية جاهزة داخل قواعد البيانات التي تستند إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

فبدلًا من انتظار أن يبحث المستخدم عن هذه المواقع، تسعى الشبكة إلى جعل محتواها حاضرًا عندما يُطرح سؤال سياسي أو تاريخي على روبوتات المحادثة.

رسائل نصية جماعية

ويشير التحقيق إلى أن هذا النوع من الحملات يعتمد على فكرة أساسية، وهي أن المستخدمين في المستقبل قد يتجهون بشكل متزايد إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، ما يجعل التأثير في هذه الأنظمة جزءًا من معركة السيطرة على المعرفة.

في مرحلة لاحقة، ركزت شبكة "كلوك تاور إكس" على قضية التعاون العسكري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، خصوصًا مع تصاعد النقاش داخل واشنطن حول تشريعات مرتبطة بالعلاقة بين الجيشين.

ويكشف التحقيق أن شبكة المواقع لم تكن الأداة الوحيدة التي استخدمتها منظومة بارسكيل، إذ قاد أيضًا حملة رسائل نصية جماعية تستهدف مواطنين أمريكيين تحت أسماء توحي بأنها منظمات سلام.

 

ويشير التحقيق إلى أن اسم "أصدقاء السلام" لا يعود إلى منظمة غير ربحية مسجلة أو شركة معروفة، ولا توجد دلائل على وجود مؤسسة مستقلة بهذا الاسم.

وبالتالي، فإن أي شخص يريد معرفة الجهة التي تقف خلف هذه الرسائل عليه الدخول إلى المواقع والبحث في أسفل الصفحات للوصول إلى بيان الإفصاح الذي يشير إلى أن الحملة ممولة من الحكومة "الإسرائيلية".

لم تأتِ حملة شبكة "كلوك تاور إكس" بمعزل عن مسار أوسع من الإنفاق "الإسرائيلي" على التأثير السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة، إذ يكشف التحقيق الذي نشره موقع دروب سايت نيوز أن هذه الشبكة تمثل جزءًا من جهود متزايدة لإعادة تشكيل النقاش الأمريكي حول الحرب على غزة والعلاقة بين واشنطن و"إسرائيل".

ويشير التحقيق إلى أن شعبية "إسرائيل" داخل الولايات المتحدة تراجعت بشكل كبير خلال الحرب على قطاع غزة، بعدما أدى القصف والحصار العسكري المدعوم أمريكيًا إلى استشهاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، وهو ما أدى إلى تصاعد الانتقادات داخل قطاعات كانت تاريخيًا من أكثر الداعمين للعلاقة الأمريكية-"الإسرائيلية"، بما في ذلك بعض المحافظين والإنجيليين.

وفي ظل هذا التراجع، توسعت الاستثمارات في حملات التأثير السياسي والإعلامي، بحسب التحقيق، بهدف مواجهة التحولات في الرأي العام الأمريكي.

وينقل التحقيق عن تقرير حديث صادر عن معهد كوينسي أن "إسرائيل" أنفقت أكثر من 100 مليون دولار على أنشطة الضغط والتأثير السياسي في الولايات المتحدة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب المعروف باسم FARA منذ عام 2023.

وبحسب التقرير، وظفت "إسرائيل" 17 شركة جديدة للعمل في هذا المجال خلال عامي 2024 و2025 فقط.

 4.5 ملايين دولار شهريًا

ويشير التحقيق إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" كانت تاريخيًا تتجنب استخدام متعاقدين رسميين مسجلين بموجب هذا القانون، لكنها أصبحت في طريقها لتكون من أكبر الجهات الأجنبية إنفاقًا على هذه الأنشطة خلال عام 2026.

ويصف التحقيق براد بارسكيل بأنه أحد أبرز المستفيدين من هذا الإنفاق المتزايد. فبارسكيل، الذي اكتسب شهرة واسعة خلال حملة دونالد ترامب الانتخابية، بسبب استخدام تقنيات الاستهداف الرقمي في الحملات السياسية، أصبح لاحقًا أحد العاملين في مجال إدارة حملات التأثير الرقمي لصالح الحكومة "الإسرائيلية".

وكشف موقع ريسبونسبل ستيتكرافت في سبتمبر/أيلول عن توجه بارسكيل لاستخدام تقنيات تستهدف التأثير على روبوتات الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد توقيع عقد مع الحكومة "الإسرائيلية" بقيمة: 1.5 مليون دولار شهريًا وكان العقد، وفق التحقيق، يهدف إلى:

  • دمج رسائل مؤيدة لـ"إسرائيل" في وسائل الإعلام المحافظة.
  • تنفيذ حملات رسائل نصية جماعية.
  • التأثير على أنظمة الذكاء الاصطناعي.

لكن قيمة العقد ارتفعت لاحقًا إلى ثلاثة أضعاف، لتصل إلى: 4.5 ملايين دولار شهريًا.

ورغم ضخامة الأموال التي جرى استثمارها، يشير التحقيق إلى أن بعض المسؤولين "الإسرائيليين" لم يكونوا راضين عن نتائج الحملة. ونقل التحقيق عن مسؤول "إسرائيلي" مطلع على العقد قوله لمجلة تايم: "لقد أغضبنا براد بارسكيل. دفعنا له أموالًا طائلة، ولكن ماذا فعل بها؟ الأمور ازدادت سوءًا".

ويرى ستيفن والت، مؤلف كتاب "جماعات الضغط الإسرائيلية"، أن الاستثمار في حملات التأثير قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية.

وقال لمعهد كوينسي إن الدول التي ترتبط بشكل متكرر بحملات تضليل تفقد ثقة الجمهور مع الوقت.

وأضاف أن استمرار دولة ما في استخدام أساليب التأثير والتلاعب يمكن أن يرسل رسالة إلى الجمهور مفادها أن "المزيد من الأكاذيب قادم".

ويشير التحقيق إلى أن شبكة "كلوك تاور إكس" لم تُنشأ فقط لتقديم محتوى سياسي، بل تخدم هدفًا أوسع يتمثل في ضمان وجود رواية محددة داخل البيئة الرقمية التي يتجه إليها الناس للحصول على المعلومات.

فمع تزايد اعتماد الجمهور على أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت السيطرة على مصادر المعرفة الرقمية جزءًا جديدًا من الصراع السياسي والإعلامي.

ويرى باحثون أن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول ما يظهر في محركات البحث أو وسائل الإعلام، بل حول الطريقة التي تتعلم بها الخوارزميات وتعيد إنتاج المعلومات.

ويكشف التحقيق أن بارسكيل ربما أنشأ مواقع إلكترونية أخرى مرتبطة بقطر، لكنها لم تصل إلى مرحلة النشر النهائي.

وأوضح موقع "دروب سايت" أنه رصد على عنوان بروتوكول الإنترنت نفسه المستخدم لشبكة "كلوك تاور إكس" نطاقات مثل:

  • qataritracker.org
  • qatarfacts.com

لكن هذه المواقع أصبحت غير متاحة حاليًا.

يكشف التحقيق أن الحرب على غزة لم تعد تدور فقط في ساحات القصف والميدان أو في غرف الأخبار، بل امتدت إلى فضاء جديد تتحكم فيه الخوارزميات.

فبينما كانت المعركة الإعلامية التقليدية تقوم على التأثير في الصحفي أو الجمهور، أصبحت المعركة الجديدة تستهدف البنية التي تصنع الإجابات نفسها: بيانات التدريب، والمصادر التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وطريقة ترتيب المعرفة داخل الآلة.

وبحسب التحقيق، فإن شبكة "كلوك تاور إكس" تمثل نموذجًا لمحاولة استخدام أدوات رقمية متقدمة لإعادة تشكيل الرواية السياسية، عبر إنتاج محتوى يبدو محايدًا ومنظمًا، ثم إدخاله في المنظومة المعلوماتية التي تعتمد عليها روبوتات الذكاء الاصطناعي.

وفي ظل تحول هذه الأدوات إلى مصدر رئيسي للمعلومات لدى ملايين المستخدمين، تصبح السيطرة على الخوارزميات جزءًا من معركة السيطرة على الرواية.

 

 

ترجمة خاصة - وكالة شهاب

 

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر