حضّانات على أنفاس مستعارة

تقرير 22 محطة أكسجين متوقفة في غزة.. و4 أجهزة تعبئة فقط تفصل الخُدَّج عن الاختناق

MSB240314.jpg

أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، السبت، أن 22 محطة لتوليد الأكسجين الطبي من أصل 34 خرجت عن الخدمة، وأن 26 جهازاً من أصل 30 لتعبئة أسطوانات الأكسجين توقّفت عن العمل، محذّرةً من أن ما تبقّى من المنظومة بات يقف على حافة "الشلل الكامل" في ظل استمرار منع إدخال قطع الغيار والمعدات الفنية إلى القطاع.

وقالت الوزارة في بيانها إن "الطاقة التشغيلية لما تبقّى من محطات الأكسجين استُنزفت بالكامل"، وإن المحطات الاثنتي عشرة المتبقية تعمل "في ظروف فنية وميكانيكية غاية في التعقيد" وفوق طاقتها القصوى، مع تفاقم الأعطال المتكررة. أما أجهزة التعبئة الأربعة الباقية فقد تتوقف "في أي لحظة" نتيجة عجز الفرق الهندسية عن إجراء أعمال الصيانة الطارئة لغياب القطع البديلة، ما يهدّد بانقطاع الأكسجين عن أقسام العناية المركزة وغرف العمليات وحضّانات الأطفال الخُدَّج.

آلة تدور منذ عامين ونصف بلا صيانة

محطة توليد الأكسجين ليست مخزناً يُملأ ويُفرغ، بل منظومة صناعية تفصل الأكسجين عن الهواء الجوي عبر ضواغط ومرشّحات، وتحتاج إلى تيار كهربائي متواصل وزيوت تشغيل وفلاتر تُستبدل دورياً.

الناتج يُضخّ مركزياً في أنابيب تصل إلى أَسِرّة المرضى، أو يُعبّأ في أسطوانات عبر أجهزة منفصلة هي التي تحدثت الوزارة عن توقف 26 منها. والمعيار الطبي المعتمد لنقاء الأكسجين هو 95%؛ وفي يونيو/حزيران الماضي كانت محطة مجمع ناصر الطبي في خان يونس تعمل عند 80% فقط، أي دون العتبة الآمنة للاستخدام السريري.

ويقول المهندس مازن العرايشة، مدير دائرة الصيانة في وزارة الصحة، إن هذه المحطات "تشكّل شريان الحياة" لأقسام العناية المركزة والعمليات والحضّانات ومرضى الأمراض التنفسية والأورام، وإن منع إدخال قطع الغيار "يمثّل تهديداً مباشراً لاستمرار عملها". ويضيف أن المحطة الواحدة قد تخدم نحو 150 مريضاً ممن يعتمدون على أسطوانات الأكسجين في منازلهم، وأن انقطاع الإمداد يعني في غياب البدائل "الموت المحقق".

وكانت الوزارة قد حذّرت في 28 أبريل/نيسان الماضي من توقف محطة التوليد الوحيدة العاملة في محافظتي غزة والشمال بفعل "الأعطال المتكررة الناتجة عن الضغط الكبير وساعات التشغيل الطويلة"، قبل أن تعلن بعد يومين أن 22 محطة من أصل 34 خرجت عن الخدمة — وهو الرقم نفسه الذي عادت وأكّدته أمس، ما يعني أن التدهور خلال الأشهر الأربعة الماضية لم يقع في عدد المحطات بل في قدرتها الفعلية على الإنتاج.

حلقة في سلسلة انهيار أوسع: الزيوت والمولدات

أزمة الأكسجين ليست معزولة عن انهيار البنية التشغيلية للمستشفيات. ففي 21 يونيو/حزيران، وثّق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تعطّل 72 مولّداً كهربائياً من أصل 111 مولّداً تخدم المرافق الصحية، مع 11 مولّداً آخر مهدداً بالتوقف.

وفي 12 أغسطس/آب، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أن سعر لتر زيت المحركات تجاوز 1300 دولار بنهاية يوليو/تموز بارتفاع بلغ عشرين ضعفاً خلال ستة أشهر، وأن أحد مولّدات مستشفاها الميداني في دير البلح تعطّل في 5 أغسطس، فتقلّص استخدام غرف العمليات وتوقّفت خدمة الأشعة السينية وتعذّر التعقيم.

وقال فيليبي ريبيرو، رئيس بعثة المنظمة في فلسطين: "ما نشهده في غزة ليس سلسلة من حالات النقص المتفرقة، بل سياسة استنزاف مُحكمة التصميم… اليوم زيت المحركات وقطع الغيار، وغداً سيكون شيئاً آخر"، مضيفاً أن الأمر "ليس بيروقراطية، بل جهد متعمّد لجعل الوجود نفسه مستحيلاً".

من يدفع الثمن؟ حضّانات وعناية مركزة ومرضى في البيوت

الفئات الأكثر انكشافاً أمام أي انقطاع هي الأكثر هشاشة: الأطفال الخُدَّج في الحضّانات، ومرضى العناية المركزة، والخاضعون للجراحة، ومرضى الفشل التنفسي المزمن والأورام. يقول الدكتور أحمد الفرا، مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، إن هؤلاء "يعتمدون على الأكسجين اعتماداً كاملاً"، وإن تعطّل المحطات يعني "كارثة حقيقية وحكماً بالإعدام على مئات المرضى".

وتلتقي هذه الشهادة مع تحذير علا بردويل، نائبة منسق مشروع في أطباء بلا حدود، من أن "الأطفال حديثي الولادة في الحضّانات، ومن يعتمدون على مولّدات الأكسجين، ومن يحتاجون إلى جراحة منقذة للحياة، كلهم سيعانون" حين تتوقف المولدات. وقبل ذلك، كانت ممثلة منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة الدكتورة رينيه فان دي فيردت قد قالت في مايو/أيار: "بدون مكثّفات الأكسجين — لنكن صادقين — هناك مرضى في حالات حرجة يموتون".

ويجري كل ذلك فوق أرضية صحية منهارة أصلاً: بحسب أرقام وزارة الصحة، فإن 52% من الأدوية الأساسية و71% من المستهلكات الطبية في حكم النافد. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، لم يعد يعمل سوى 44% من نقاط الخدمة الصحية التي كانت قائمة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن نصف المستشفيات فقط تعمل جزئياً، وأنه لا يوجد مستشفى واحد في القطاع يمكن اعتباره عاملاً بكامل طاقته.

"الاستخدام المزدوج": حين يتحوّل التصنيف إلى حصار

المفتاح الفني للأزمة اسمه قوائم "الاستخدام المزدوج" — وهو تصنيف إسرائيلي يشمل معدات يُزعم إمكان استخدامها عسكرياً، فيخضع إدخالها لموافقات معقّدة. وبحسب "أوتشا" في 31 يوليو/تموز، ظلّ معبر كرم أبو سالم المعبر الوحيد العامل لإدخال البضائع، فيما بقي تفريغ الأصناف المصنّفة "مزدوجة الاستخدام" محصوراً بيوم واحد في الأسبوع حتى بعد الحصول على الموافقة، مع "نقص حاد ومستمر في قطع الغيار والمواد والمعدات والمستهلكات".

وتكشف مراجعة منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" مفارقة لافتة: فمولّدات الأكسجين والمكثّفات ومقاييس التدفق مدرجة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ضمن قائمة الأصناف المصرّح بها مسبقاً، ومع ذلك يفيد العاملون الصحيون في غزة بأن هذه المعدات تُمنع عملياً — أي أن المنع يجري خلافاً للسياسة الإسرائيلية المعلنة ذاتها.

وفي 19 مايو/أيار، خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن "القيود الإسرائيلية على إدخال المولدات وزيوت المحركات وقطع الغيار تتسبب في أعطال تمتد عبر الرعاية الصحية والصرف الصحي وإزالة الركام والعمل الإنساني". ويرى حقوقيون فلسطينيون أن هذه الممارسة تلامس خرقاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يُلزم قوة الاحتلال بموجب المادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة بتأمين الإمدادات الطبية وحسن سير المنشآت الصحية، ويحظر بموجب المادة 18 منها المساس بالمستشفيات، فيما تمنع المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول تجويع المدنيين وتعطيل الأعيان التي لا غنى عنها لبقائهم.

 

ماذا تطلب وزارة الصحة؟

وطالبت الوزارة في ختام بيانها بالفتح الفوري لمسارات إدخال قطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة لإصلاح المحطات المتوقفة، وبتوريد عاجل ومباشر لمحطات أكسجين جديدة تعوّض ما دُمّر، مشدّدة على أن "توفّر الأكسجين ليس رفاهية طبية، بل هو شريان الحياة".

يأتي هذا بعد أكثر من عشرة أشهر على سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهي فترة لم تُترجم — بحسب تقارير أممية وحقوقية متتالية — إلى انفراج حقيقي في المنظومة الصحية. وبين محطة تعمل فوق طاقتها وأخرى تنتظر قطعة غيار عالقة على معبر، يظل السؤال الذي يطرحه أطباء غزة معلّقاً: كم يتبقّى من الوقت قبل أن تتوقف المحطة الثالثة عشرة؟

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر