طالبت سلطة المياه الفلسطينية بمستحقات مالية متراكمة تقدر بنحو 62 مليون شيكل، تعود أجزاء كبيرة منها إلى سنوات وعقود سابقة، من مزارعي الأغوار الشمالية، في وقت يواجه فيه سكان المنطقة ضغوطًا متزايدة بفعل قيود الاحتلال الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي وتراجع القدرة على الوصول إلى مصادر المياه.
وتتركز المطالبات في مناطق بردلة وكردلة وعين البيضاء بمحافظة طوباس، حيث يقول مزارعون إن الديون المتراكمة لا يمكن فصلها عن طبيعة نظام تزويد المياه الذي كان قائمًا لعقود، مؤكدين أن تحميلهم هذه المبالغ اليوم يهدد قدرتهم على مواصلة النشاط الزراعي الذي يمثل مصدر دخلهم الرئيسي.
ويقول رئيس مجلس قروي بردلة زياد صوافطة إن المديونية المرتبطة بنحو 18 فتحة مياه في الأغوار الشمالية تصل إلى نحو 63 مليون شيكل، موضحًا أن هذه الفتحات لم تكن تخدم أصحاب الأسماء المسجلة عليها فقط، وإنما استفاد منها مئات المزارعين والسكان.
ويشير صوافطة إلى أن أصل القضية يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما أغلقت آبار كان الفلسطينيون يعتمدون عليها، وتحول تزويد المنطقة بالمياه إلى شبكة مرتبطة بشركة "مكروت" الإسرائيلية، وفق روايته.
ويوضح أن نظام التعامل مع المياه تغير بعد قيام السلطة الفلسطينية ووقف التعامل المباشر مع الاحتلال، ما أدى، بحسب قوله، إلى تراكم المستحقات منذ تسعينيات القرن الماضي.
ويؤكد صوافطة أن المزارعين لا يرفضون دفع أثمان المياه الجديدة، وإنما يطالبون بفصل الديون التاريخية عن الاستهلاك الحالي، وإعادة مراجعة السجلات وتحديد المستفيدين الفعليين، إلى جانب اعتماد نظام واضح يقوم على العدادات والاستهلاك الفعلي.
ويقول: "نحن تحت القانون ولسنا فوق القانون، لكن نريد أن نتفاهم على الديون القديمة وننظم المياه وندفع استحقاقات المياه الجديدة".
ويحذر المزارع محمد أبو سعيّد من أن الإجراءات المتعلقة بالديون تزيد الأعباء على سكان الأغوار الذين يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي، في منطقة تواجه أصلًا ظروفًا اقتصادية ومناخية وأمنية صعبة.
ويطالب أبو سعيّد المؤسسات الفلسطينية بأن تدعم المزارعين وتساعدهم على التمسك بأراضيهم، بدل إضافة التزامات مالية جديدة، مشددًا على أن المياه والأرض يمثلان أساس وجود سكان الأغوار واستمرارهم فيها.
وفي السياق ذاته، يقول المستثمر الزراعي موفق دراغمة إن المديونية المتداولة، والبالغة نحو 62 مليون شيكل، مرتبطة بمياه جرى تزويد المزارعين بها عبر شركة "مكروت" الإسرائيلية، معتبرًا أن تحميلها لأسماء محددة لا يعكس بالضرورة عدد المستفيدين الحقيقيين من المياه.
ويطالب دراغمة بتجميد الديون القديمة إلى حين تدقيق الملف وحصر المستفيدين والكميات التي حصل عليها كل مزارع، مشددًا على أن المزارعين مستعدون للالتزام بدفع أثمان المياه الجديدة وفق نظام يعتمد على العدادات والاستهلاك الفعلي.
ولا تقتصر مخاوف المزارعين على قيمة الديون، إذ تحذر الناشطة سناء زكارنة من أن بعض المطالبات تعود إلى نحو 20 عامًا، وأن بعضها انتقل إلى ورثة أصحاب الاشتراكات، ما قد يفتح الباب أمام إجراءات قانونية تمس ممتلكات المزارعين في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.
وتتساءل زكارنة عن أسباب عدم معالجة الملف خلال السنوات الماضية، معتبرة أن توقيت المطالبة بهذه المبالغ يحتاج إلى مراجعة في ظل ما يواجهه سكان الأغوار من توسع استيطاني واعتداءات للمستوطنين وقيود متزايدة على الأراضي الزراعية والمراعي.
في المقابل، تؤكد سلطة المياه الفلسطينية أن ملف الأغوار الشمالية تاريخي ومتراكم، وأن إجراءاتها تستهدف تنظيم التزويد وضمان استدامة الخدمة وعدالة توزيع المياه، وليس الإضرار بالمزارعين.
وتوضح السلطة أنها بدأت منذ عام 2016 إجراءات لمعالجة الملف، شملت تحديث بيانات المستفيدين وتنظيم الوصلات والاشتراكات وتركيب العدادات والحد من التعديات والفاقد والهدر، إلى جانب محاولات إنشاء جمعية لمستخدمي مياه الري لتنظيم إدارة المياه وتوزيعها.
كما تؤكد أن المياه المقدمة للمزارعين في الأغوار الشمالية مدعومة حكوميًا، وأن سعر بيع المتر المكعب منذ عام 2004 يبلغ نحو 0.30 شيكل، رغم أن تكلفة شراء المياه أعلى من ذلك.
وبحسب سجلات سلطة المياه، ارتفعت المديونية على ملف مياه الأغوار الشمالية من نحو 30 مليون شيكل نهاية عام 2016 إلى نحو 62 مليون شيكل حاليًا، وهو ما تستند إليه السلطة في مطالبتها بتنظيم السداد وضمان استمرار خدمة المياه.
وبينما تتمسك سلطة المياه بحقها في تنظيم القطاع وتحصيل المستحقات، يطالب المزارعون بتسوية الديون التاريخية وعدم تحميلها لأفراد لا يمثلون جميع المستفيدين، مع الانتقال إلى نظام جديد يربط قيمة الفاتورة بالاستهلاك الفعلي.
وفي الأغوار، حيث تمثل المياه شرطًا أساسيًا لاستمرار الزراعة، لا ينظر المزارعون إلى القضية باعتبارها فاتورة مالية فحسب؛ فبالنسبة إليهم، أي عبء إضافي على الزراعة قد يهدد مصدر رزقهم وقدرتهم على البقاء في أراضيهم، في منطقة تواجه أصلًا ضغوط الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين.
