بعد أكثر من عامين على استشهاد الطفلة هند رجب وأفراد من عائلتها والمسعفين اللذين توجها لإنقاذها، أقرّ جيش الاحتلال للمرة الأولى بأن قواته أطلقت النار على المركبة التي كانت تقلها، وقرر فتح تحقيق جنائي في الجريمة، في خطوة جاءت بالتزامن مع نشر نتائج فحص خمس وقائع ارتكبتها قواته خلال حرب الإبادة على قطاع غزة.
المسؤولية الجنائية
ولا تبدو أهمية هذه الخطوة في مجرد اعتراف الاحتلال بما حدث، وإنما في الطريقة التي اختار بها إعادة تقديم هذه الجرائم أمام العالم؛ إذ يكشف مسار التحقيقات أن المؤسسة العسكرية تقرّ في بعض الوقائع بوجود إخفاقات، لكنها لا تنقلها بالضرورة إلى مستوى المسؤولية الجنائية، فتغلق ملفات وتكتفي في أخرى بإجراءات داخلية، بينما تفتح التحقيق الجنائي في حالتين فقط.
وشملت الوقائع التي أعلنت منظومة التحقيق التابعة لهيئة الأركان نتائجها، استشهاد سبعة من موظفي "المطبخ المركزي العالمي"، واستهداف مبنى تابع لـ"أطباء بلا حدود" في خانيونس، وإطلاق النار على قافلة للمنظمة، إلى جانب جريمة هند رجب وعائلتها والمسعفين اللذين حاولا إنقاذها، ومقتل 15 فلسطينياً من العاملين في الطوارئ والإغاثة في رفح.
في ثلاث من هذه القضايا، لم تجد النيابة العسكرية ما يبرر فتح تحقيق جنائي، رغم إقرار التحقيقات بوقوع إخفاقات أدت إلى مقتل مدنيين وعاملين في المجال الإنساني، بينما أحيلت قضيتا هند رجب ومسعفي رفح إلى الشرطة العسكرية للتحقيق الجنائي. وهذه النتيجة تضع الفاصل بين الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية في قلب المشهد؛ فالاعتراف بأن القرار العسكري كان خاطئاً لا يعني، وفق المنظومة الإسرائيلية، أن من اتخذه ارتكب جريمة تستوجب المحاكمة.
في جريمة "المطبخ المركزي العالمي"، قتل الاحتلال في الأول من إبريل/نيسان 2024 سبعة من موظفي المنظمة أثناء تنقلهم في قافلة إغاثية، وأقر التحقيق بوجود إخفاقات في تحديد هوية المركبات، لكنه قال إن القوة اعتقدت أنها تستهدف مسلحين، وانتهى إلى أن قرارات القادة لم تتجاوز "العتبة الجنائية"، لتبقى الإجراءات المتخذة بحق الضباط في إطار التأديب العسكري.
وفي خانيونس، استهدف الاحتلال مبنى تابعاً لـ"أطباء بلا حدود"، ما أدى إلى استشهاد امرأتين وإصابة سبعة آخرين. وأقر التحقيق بأن المبنى يحمل لافتة المنظمة، لكنه قال إن القوات لم تتمكن من تمييزها ولم تكن لديها معلومات محدثة بشأن وجود المنظمة في المكان، قبل أن ينتهي إلى عدم وجود أساس لفتح تحقيق جنائي.
أما قافلة "أطباء بلا حدود" التي تعرضت لإطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، فقد خلص التحقيق إلى أن القوات أطلقت ما وصفه بـ"نيران تحذيرية" لإبعاد المركبات، وانتهى الملف كذلك دون ملاحقة جنائية.
وفي المقابل، قرر الاحتلال فتح تحقيق جنائي في مقتل 15 فلسطينياً في رفح، بينهم مسعفون وعمال إنقاذ وموظف في الأمم المتحدة، بعدما تعرضت مركبات إسعاف وإطفاء ومركبة تابعة للأمم المتحدة لإطلاق النار في مارس/آذار 2025. وأقر التحقيق بوجود اشتباه بمخالفة جنائية، فيما اتخذت إجراءات بحق عدد من الضباط.
لكن جريمة هند رجب تبقى الأكثر دلالة على طبيعة هذا المسار، فالطفلة ذات الأعوام الخمسة حوصرت داخل مركبة عائلتها في مدينة غزة، وتمكنت من الاتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني وطلب النجدة، قبل أن تُرسل سيارة إسعاف إلى المكان وتتعرض هي الأخرى للقصف، ويُستشهد المسعفان اللذان كانا على متنها.
القاتل والمحقق
وبعد أكثر من عامين على الجريمة، لم يعد الاحتلال قادراً على التمسك بروايته السابقة بشأن عدم وجود قواته في المنطقة، فأقر بإطلاق النار على المركبة وقرر فتح تحقيق جنائي، في وقت تؤكد فيه عائلة هند ومؤسسة تحمل اسمها عدم ثقتهما بالتحقيق الإسرائيلي، والمطالبة بتحقيق دولي مستقل.
وتكشف هذه المدة الزمنية جانباً مهماً من القضية؛ فالجريمة التي تحولت إلى واحدة من أبرز الوقائع التي وثقت استهداف الأطفال والمسعفين في غزة احتاجت إلى أكثر من عامين حتى تصل إلى مرحلة يقر فيها الاحتلال بمسؤوليته عن إطلاق النار، وهو ما يجعل الإعلان الحالي جزءاً من مسار طويل من الإنكار والتراجع، وليس نقطة بداية للجريمة أو للحقيقة المرتبطة بها.
وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن منظومة التحقيق التابعة لهيئة الأركان فحصت منذ بداية الحرب عدداً كبيراً من الوقائع، فيما أغلقت النيابة العسكرية عشرات الملفات. وفي المقابل، تقول منظمات حقوقية إن التحقيقات الداخلية في انتهاكات جنود الاحتلال نادراً ما تنتهي إلى إدانات، وهو ما يفسر جانباً من التشكيك الفلسطيني والدولي في جدوى هذه الآلية.
ولا تنفصل هذه المنظومة عن المعركة التي تخوضها "إسرائيل" خارج قطاع غزة، إذ إن وجود تحقيقات داخلية يشكل جزءاً من حجتها في مواجهة المطالبات بالمحاسبة الدولية، خصوصاً في ظل ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية المرتبطة بالحرب على غزة. فإثبات أن الدولة تحقق بنفسها يوفر لها أساساً للقول إن لديها آليات قضائية قادرة على التعامل مع الانتهاكات.
لكن ما تكشفه الملفات الخمسة هو أن وجود التحقيق لا يعني بالضرورة وجود المحاسبة؛ فالتحقيق قد ينتهي إلى إغلاق الملف، أو إلى إجراء تأديبي، أو إلى تحميل ضابط مسؤولية محدودة، من دون الوصول إلى أصحاب القرارات التي سمحت باستخدام القوة في الظروف التي وقعت فيها الجرائم.
وهنا تتضح المفارقة التي تحاول دولة الاحتلال تجاوزها أمام المجتمع الدولي: الجهة التي تنفذ العمليات العسكرية هي نفسها التي تراجع أداء قواتها، والنيابة العسكرية التابعة لها هي التي تحدد في النهاية ما إذا كانت الوقائع تستوجب ملاحقة جنائية أم لا.
ولا يعني ذلك أن كل واقعة قتل خلال الحرب يمكن وصفها تلقائياً بأنها جريمة جنائية، لكن تكرار النمط ذاته في التعامل مع ضحايا مدنيين وعاملين في المجال الطبي والإنساني يطرح سؤالاً حول حدود هذه التحقيقات وقدرتها على الوصول إلى المسؤولية الفعلية، خصوصاً عندما تتوقف عند مستوى "الخطأ في التقدير" أو "الإخفاق في المعلومات" أو "خلل التنسيق".
كما أن الجرائم الخمس لا تمثل سوى جزء محدود من مشهد أوسع في قطاع غزة، حيث طاول القصف والاستهداف الإسرائيلي المدنيين والمنازل والمستشفيات ومراكز الإيواء والطواقم الطبية والإنسانية والصحفيين على نطاق واسع خلال الحرب، وهو ما يجعل التحقيق في عدد محدود من الوقائع ذات الصدى الدولي غير كافٍ لفحص نمط العمليات العسكرية برمته.
حدود المسؤولية
ومن هذه الزاوية، فإن نشر نتائج التحقيقات لا يبدو مجرد إجراء عسكري دوري، بل جزءاً من معركة على الرواية القانونية للحرب؛ فكلما استطاعت "إسرائيل" تقديم ملف تحقيق جديد، أمكنها القول إنها لا تتجاهل الاتهامات الموجهة إلى قواتها، حتى عندما تنتهي النتيجة في ملفات عدة إلى عدم وجود جريمة تستوجب الملاحقة.
ولهذا فإن السؤال الفلسطيني لا يتعلق فقط بفتح تحقيق في جريمة هند رجب أو مقتل مسعفي رفح، وإنما بمن يملك حق التحقيق في آلاف الوقائع الأخرى، ومن يحدد المسؤولية عنها، وما إذا كانت التحقيقات قادرة على تجاوز مستوى الجنود والضباط إلى القرارات العسكرية التي حددت طبيعة العمليات وقواعد الاشتباك.
فالضحايا الفلسطينيون لا يحتاجون إلى اعتراف متأخر بأن هناك "إخفاقاً"، ولا إلى بيانات عسكرية تعيد توصيف ما جرى، وإنما إلى تحقيق مستقل يكشف الحقيقة كاملة ويحدد المسؤولين عنها ويقود إلى محاسبتهم.
لا تكشف هذه التحقيقات رغبة "إسرائيل" في محاسبة مرتكبي الجرائم بقدر ما تكشف حرصها على ضبط حدود المسؤولية ومنعها من الوصول إلى أصحاب القرار. وبينما تُعرض هذه الملفات أمام العالم كدليل على المساءلة، تبقى الحقيقة الأهم أن الضحايا الفلسطينيين ما زالوا ينتظرون عدالة لا تملك المؤسسة التي ارتكبت الجريمة حق تحديد سقفها.
